بيان الاربعاء: كما يحدث في الحانات التي ترتادها عصابات المافيا حينما تطؤها قدما غريب تصرفت الادارة الاميركية مع العرب بعد 11 سبتمبر. لا مجال لتفاهم ولا لنقاش.. لا وزن لرأي الشعوب ولا خلفياتها الحضارية والثقافية.. لا حديث عن حقوق وطنية مقدسة وانما فرض لامر واقع باستخدام العصا.. وكأن تفجيرات سبتمبر قد تم تخطيطها وتنفيذها خصيصا حتى تتمكن دولة العدو الاسرائيلي من فرض رؤيتها على الادارة الاميركية.. فيما تقوم الاخيرة بفرض وصايتها على المنطقة..و تعيد ترتيب اوضاعها كما تشاء. ولان العرب ارادوا مناقشة عقلانية منطقية للأمر.. والبحث عن حل حقيقي لمشكلة «الارهاب» الذين كانوا اول من عانى منه، وحذر منه، ودعا الى محاولة ايجاد علاج للظاهرة يبحث عن الجذور فيقتلعها.. لانهم ارادوا ذلك وجدوا الكاوبوي الاميركي يدفعهم بعنف الى الحائط ويشهر سلاحه في وجوههم واضعا يده على الزناد. وبدأ ظهور الثنائيات محور الخير ومحور الشر.. معنا ام مع الارهاب ـ الاسلام.. ام الغرب.. ـ التقدم.. ام التخلف.. الحضارة أم البربرية.استهدفت الثنائيات اخضاع الجميع وانضوائهم تحت العباءة الاميركية.. ومن لا يستجيب.. يكون قد جنى على نفسه.. ووضعها في خانة الاعداء الذين هم بالضرورة بربريون.. متخلفون.. مسلمون.. ارهابيون يضمهم محور الشر. كان واضحا منذ البداية ان اسرائيل ستدخل على الخط.. باعتبارها المستفيد الاول وربما الاخير ايضا مما جرى في سبتمبر على المدى القصير.. هكذا قدمت اسرائيل نفسها باعتبارها ذلك الجزء من الغرب الذي يعمل ضمن استراتيجياته واحلافه. تناسى الغرب كل عداواته السابقة لليهود وحاول مسحها حتى من ذاكرته الشعبية باعتبارهم مثارا للقلاقل والقلق على امتداد التاريخ.. اصبح امنها جزءا من أمن الغرب ومصالحها وبقاؤها وهيمنتها اهدافا رئيسية للبيت الابيض.. فيما استعار الاخير الرؤى الصهيونية حتى يتبناها ويدافع عنها ويقرنها بالخير والتقدم والحضارة ويتبجح ايضا بان يعتبر ذلك نوعا من العدالة. لذلك حاولت الادارة الاميركية ممارسة اقصى ضغط ممكن على دول مجلس التعاون الخليجي وعلى رأسها المملكة العربية السعودية.. اما للخروج من معادلة الصراع العربي الاسرائيلي واعلان نفسها غير مهمومة به او مهتمة.. وذلك من خلال التطبيع والدخول في علاقات تجارية معلنة مع اسرائيل. اما الخيار الثاني المتاح فكان قبول رؤى سلامية اميركية تمت استعارتها ليس حتى من حزب العمل وأفكار رابين ومعسكر السلام وانما من شارون مجرم الحرب والجزار والبولدوزر. تعاملت الادارة الاميركية بروح وثنية تجاه الموضوع فيما اختار العرب والمسلمون تحطيم كل الاوثان الموجودة في الجزيرة العربية قبل اكثر من ألف واربعمئة عام.. وليس من المنطقي ان يعود العرب الى عصر ماقبل الاسلام بدعوى التحضر والانسجام مع قيم العولمة.. وليس منطقيا ان نستجيب لمخطط صهينة العالم وننسحق امام هذا المخطط!. هناك طرفة ايرلندية قديمة عن ايرلندي كاثوليكي ضرب فجأة جاره اليهودي. وسأله اليهودي لماذا فعل ذلك؟ فقال الكاثوليكي: لانكم قتلتم المسيح. قال اليهودي: ولكن ذلك حدث منذ الفي عام. فرد الكاثوليكي قائلا: انا سمعت الخبر أمس فقط! على قاعدة الجهل بالآخر بنيت العلاقات الاميركية العربية بشكل عام.. والعلاقات مع السعودية على الأخص. فمهما قيل عن صداقات وتحالفات استراتيجية.. يظل الأمر معلقا بالقشور، دونما نفاذ الى الجوهر.. فالمؤسسة الاميركية لا تعرف الكثير عن مجتمعاتنا مكتفية بصورة نمطية مريحة.. تتناسب مع اطماعها ورؤيتها لدورنا، لم يختلف الامر حاليا عن سبعينيات القرن الماضي.. فأميركا على حد وصف بول فندلي كانت تجهل الاسلام والعالم العربي.. والنمطيات المعروفة عن العالم العربي في الكابيتال هيل لا تختلف عن تلك النمطيات التي غرستها او تبنتها صناعة السينما في هوليوود عن العالم العربي والاسلامي. هذه النمطيات تخفي الحقائق وراءها دائما.. وما يجعل امكانية التفاهم الحقيقي بين مجتمعاتنا والمجتمع الاميركي هو ان النظام التعليمي الغربي خاصة في طابعه الديني ـ وليس نظامنا التعليمي نحن ـ مشبع بالتلميحات والاستعارات التي تحط من قدر الاخر «ومن المسلم بشكل خاص». فقد اكتشف فندلي ان ترنيمته الجميلة التي كان يحبها وهو صغير لفرسان الازمنة السالفة.. ليست الا ترنيمة تحتفل بانتصار الصلبيين الذين غمروا شوارع القدس بالدماء! وبعيدا عن الحوادث اليومية والتصريحات الدبلوماسية التي تقال امام العدسات.. فان هذه محاولة للاقتراب من جوهر الخلافات ما بين المملكة العربية السعودية والولايات المتحدة تلك الخلافات القائمة على عمد بعضها تاريخي وبعضها ديني وبعضها الثالث حضاري وان ارتدى حللا مزيفة وأقنعة يتم تصنيعها خصيصا لاستخدامها ذرائع من قبل الطرف القوي. ـــ طوال فترة الحرب الباردة كانت الولايات المتحدة تبني تحالفاتها عبر العالم سياسيا على قاعدة مناهضة الشيوعية واقتصاديا على قاعدة تشبه ما قاله فولتير في رسالته الفلسفية السادسة «في السوق.. ليس هناك محمدي «مسلم» او مسيحي او يهودي ـ الكافر الوحيد هو المفلس». اما بعد انتهاء هذه الحرب.. وقيام النظام العالمي الجديد في قمة هلسنكي عام .1989. حينما استسلم آخر رئيس سوفييتي للادارة الاميركية، فقد بدأ المنظرون الاستراتيجيون قراءة الواقع الجديد. ومن أوائل هؤلاء المنظرين باري بوزان الذي نشر مقالا في مجلة شئون دولية أميركية بتاريخ 3 يوليو 1991 بعنوان السياسة الواقعية في العالم الجديد انماط جديدة للأمن العالمي في القرن الواحد والعشرين. قسم بوزان العالم الى مركز وأطراف. المركز يتمثل في كتلة رئيسية من الاقتصادات الرأسمالية المسيطرة على العالم.. اما الاطراف فهي مجموعة من الدول الاضعف من النواحي الصناعية والمالية والسياسية تتحرك ضمن نمط علاقات ينسجها المركز. ويتبين من مجرى تفكير بوزان ان الأمن العالمي هو امن الغرب وحده.. اما الآخر فهو غير مهدد في امنه.. وحينما يبحث الكاتب عن الاخطار ونقاط الضعف التي تتهدد الامن الاجتماعي في علاقة المركز بالأطراف يعتبر ان اهمها الهجرة من الجنوب الى الشمال وما يسميه بالتصادم بين الهويات الحضارية وهو أوضح ما يكون بين الغرب والاسلام، هذا التحليل يعود بالعلاقات الدولية الى ما قبل الحرب الباردة حينما انقسم العالم الى نصفين غرب مستعمر وشرق مستعمر «بفتح الميم». وساعدت احداث الحادي عشر من سبتمبر على تسريع وتيرة ما كان يفترض ان يستغرق عقودا.. ووجد المجتمع الاميركي نفسه في حالة تحفز شديدة غير مسبوقة دفعته لان يستدعي الافكار الطليبية من أعماق التاريخ كما يتلقف من افواه المنظرين الاستراتيجيين ما يمكن ان يمثل حائط صد ضد الهجوم الذي هز اوتاد مجتمعه وربما حضارته هزا لم يكن في الحسبان. وفي حال السعودية وعلاقاتها مع الولايات المتحدة بعد احداث 11 سبتمبر فانه يمكن اعتبارها اختزالا للعلاقات الاميركية مع العالم الاسلامي في عمومه والعربي بشكل خاص.. فهذه الدولة الصديقة التي ظلت في اغلب الاحيان بعيدة عن خطوط التناقض مع الادارات الاميركية المتعاقبة وانما عملت دوما في اطار استراتيجياتها وجدت نفسها في قلب دائرة التنشين الاميركية.. فهناك خمسة عشر سعوديا تعتبرهم الادارة الاميركية من بين 19 شخصا مسئولين عن انفجارات سبتمبر حتى الآن. كما ان أسامة بن لادن عدوها اللدود سعودي وان سحبت منه الجنسية واسقطت عنه حقوق المواطنة. وبدأت سهام العداوة تنطلق باتجاه البنى الاساسية للمجتمع السعودي متهمة اياها بخلق المناخ الذي مهد لابن لادن يضم عددا كبيرا من السعوديين الي تنظيمه وبدأت عملية ضخمة لخلط الاوراق.. فالتدين تحول الى ارهاب.. وجرى تعميمه على كل ما له صلة بالاسلام من مظاهر او شعائر وبدأت تتوهج من جديد حكاية الصراع المتوهم بين الحضارات بعد ان كانت قد اوشكت على الذبول.. والدخول في طي النسيان. وواجهت قضية الاصولية الاسلامية ـ حسبما تقول المستشرقة الايطالية ايزابيلا كاميرا دافليتو ـ تضخيما مبالغا فيه من قبل أجهزة الاعلام الغربي.. وتضيف «يكفي ان ترى نشرات الاخبار وهي تذهب لتصوير الناس وهم يؤدون مشاعر دينية او يصلون في المساجد وتربط ذلك بالعنف الاسلامي». ثم تتساءل ترى لماذا لم تفكر محطات التلفزيون في الحديث عن الظاهرة الاصولية في الديانات الاخرى وهي موجودة بالفعل من خلال الربط بينها وبين مشهد الاف المؤمنين الذين يؤمون ساحة القديس بطرس في الفاتيكان كل يوم احد، او أولئك الذين يقفون امام حائط المبكى في القدس؟ ثم ـ تضيف ايزابيلا ـ من اجاز لهؤلاء الصحفيين ان يطلقوا على بشر عاديين يؤدون شعائرهم الدينية صفة الاصولية، كل هذا يدفعنا الى اكتشاف درجة الزيف في الاعلام الغربي. صك غفران رغم ان المجتمعات الاسلامية وفي قلبها حركات الاسلام السياسي ادانت هجمات سبتمبر الا ان ذلك لم يشفع لها. واستدعى الغرب من خزانة وعيه ما يكفل له اسباب العداء، كان هناك اعتباران وراء رفض الهجمات اولهما اخلاقي يجد جذوره في فلسفة الجهاد في الاسلام.. وهي فلسفة ترفض استهداف غير المقاتلين وتمنع قتل النساء والاطفال واتلاف الاموال بغير حق. وثاني الاعتبارات سياسي وهو ان الطريقة التي تم بها الهجوم يعسر تبريرها والدفاع عنها من الوجهة السياسية مهما كان الموقف الاخلاقي منها ولم يختلف موقف الجماهير المسلمة في أغلبها عن موقف كاتب فرنسي بصحيفة «لوموند» قال «ان ضحايا هجمات 11 سبتمبر ابرياء لكن اميركا ليست بريئة» ورغم اعلان البراءة لم تمنح اميركا مجتمعا اسلاميا واحدا صك غفران يعفيها من المسئولية عما حدث، وتعبيرا عن توجه استعماري جديد بدأت تصريحات اميركية تتسرب ومفادها ان مهمة الاميركان بعد الانتهاء من الحرب ضد الارهاب هي نشر الحضارة الغربية في العالم.. وقبل ان يهدأ غبار القصف الموجه الى افغانستان ارسلت وزارتا الخارجية والخزانة ومجلس الامن القومي الاميركي وفدا الى السعودية للتفاوض حول ما أسماه الاميركان جهود مكافحة الارهاب. تضمنت مهمة الوفد مراقبة مصادر تمويل وانفاق الجمعيات الخيرية داخل وخارج المملكة. وعقب الزيارة صرحت مصادر سعودية بان هناك نية لمراجعة المناهج الدراسية المتعلقة بالدين الاسلامي. وكان هذا التدخل جزءا من مجموعة اجراءات شملت العالم الاسلامي وركزت بشكل خاص على السعودية وباكستان، تضمنت الآتي: ـ تخصيص حوافز لخطباء المساجد داخل البلدان العربية والاسلامية لمن يلتزمون بالخط الاميركي في خطبهم ومواعظهم. ـ انشاء برامج لرقابة المدارس الدينية بالتعاون مع السلطات الوطنية داخل العالم الاسلامي والتسلل الى تلك المدارس ومعرفة ما يدور داخلها. ـ دمج المدارس الدينية في مراحل التعليم المدني وذلك لسلبها خصوصيتها. ـ عقد دورات تدريبية للمدرسين على تدريس المواد التي ستقدمها الادارة الاميركية حتى يتم تدريسها في البلاد الاسلامية. ـ مراقبة مصادر تمويل المدارس الدينية المحلية والخارجية واغلاق تلك المصادر. ـ انشاء قناة تلفزيونية اميركية للشباب المسلم. كان من الصعب على المجتمع السعودي ان يستوعب المطلوب اميركيا.. فالتدخل في المناهج الخاصة بالتعليم الديني مسألة تنطوي على قدر كبير من المجازفة. وحتى الاستعمار الاوروبي الذي كانت قواته رابضة في البلاد العربية والاسلامية لم يجرؤ على اتخاذ هذه الخطوة ادراكا منه بان التعليم الديني يمثل حقل الغام لا تنبغي المخاطرة بالدخول فيه. وامام رفض سعودي متكرر للمطالب الاميركية بدأ برفض استخدام قيادة القوات الاميركية في الظهران.. كقيادة عمليات خلال الحرب الافغانية.. وامتد الى رفض مهاجمة العراق واعتبار ذلك الهجوم يشكل خطرا على المنطقة والعالم وانتهاء بعدم التنازل عن حد أدنى من المطالب لحل الصراع العربي الاسرائيلي.. امام كل ذلك بدأت موجات من الهجمات المتعاقبة على السعودية في الكونغرس وأجهزة الاعلام الاميركية وعلى السنة السياسيين.. هذه الهجمات اخذت ذرائع شتى منها ان المملكة لا تسعى بما فيه الكفاية لمحاربة الارهاب وانها خيبت آمال الاميركيين.. وانها لم تتصد للحملة الدعائية المعادية لأميركا.. وانها لم تتحاش تغذية الفوضى والحقد القائم حاليا ضد اليهود! حملة علاقات عامة امام هذه الهجمات المتتالية.. لجأت المملكة العربية السعودية الى بدء حملة علاقات عامة في وسائل الاعلام الاميركية كلفت ملايين كثيرة.. وفي اطار هذه الحملة ولدت مبادرة الامير عبدالله لحل الصراع العربي الاسرائيلي اثناء مقابلته خلال فبراير الماضي للكاتب الاميركي المتنفذ توماس فريدمان، وبدأت المبادرة بعبارة «انني مستعد للتطبيع مع اسرائيل لو انسحبت الى حدود 67» وما لبث التصريح ان تحول الى مبادرة سلام مكتملة حصلت على شرعية عربية كاملة وبمقتضاها اعتبر العرب لأول مرة ان صراعهم مع العدو الاسرائيلي سينتهي تماما بانسحابه الى حدود .1967. اما الاراضي التي تم اغتصابها قبل هذا التاريخ فلم يعد احد يتحدث عنها. البعض وجد مبررات للمبادرة السعودية والبعض اعتبرها اقحاما من دولة عربية كبيرة لنفسها الى دوائر التطبيع.. ودعا العقيد القذافي اشد الزعماء العرب رفضا للمبادرة السعودية الى عدم تلويث نفسها وتاريخها بالدخول الى مستنقع التطبيع.. والبعض الثالث اعتبر ان ما جرى جزءاً من العوبة اميركية تستهدف خلق ضغائن بين الدول العربية الكبرى التي تتصدى لقيادة النظام العربي.. واثارة احقاد المطامع في القيادة للحصول على اقصى تنازلات ممكنة. بالقطع لم يقصد الاميركيون اعطاء دور جديد للسعودية في قيادة العرب نحو حل الصراع العربي الاسرائيلي.. وهو الدور الذي كان دوما لمصر عبر كونها اكبر كتلة بشرية عربية وانها الدولة التي خاضت اربع حروب وقدمت تضحيات كثيرة، كما انها الدولة العربية الاولى التي ابرمت اتفاق صلح مع اسرائيل.. وكان المستهدف اميركيا الحصول على تنازل جديد وتقديم مكافأة لاسرائيل او التلويح لها بالتطبيع مع دول الخليج الغنية ودخولها من بوابة الرياض الواسعة اذا ما أبرمت اتفاق سلام يحل القضية الفلسطينية وينهي صراعها المزمن. بالقطع لم تكن السعودية بعيدة في اي وقت عن مجرى الصراع العربي الاسرائيلي.. فهي طرف اساسي في هذا الصراع وان لم تكن من دول المواجهة.. وانغمست فيه قبيل حرب اكتوبر 73 بشكل كامل، كما لعبت الدور الرئيسي في قطع البترول عن الغرب اثناء هذه الحرب ومن المحطات الرئيسية في الانغماس السعودي قول الملك فيصل رحمه الله بعد حرب عام 1973، انه وبلاده مستعدان ان يعودا الى التمر اذا لم يخلص القدس من يد الصهاينة وتعود لايدي العرب. واعتبرت الدوائر الصهيونية والاميركية هذه العبارة تهديدا لا يطاق.. وما لبث الملك فيصل بعدها ان اغتيل!! هناك ايضا مبادرة الملك فهد التي عرضت في قمة فاس .1982. والدور الذي لعبته في مؤتمر مدريد من خلال سفيرها النشط والمفوض في واشنطن الامير بندر بن سلطان. لكن المبادرة السعودية لم تكن كافية.. فقد اريد البدء بتحصيل الثمن دون تقديم البضاعة وبدء عملية تطبيع ثم البحث في عملية الانسحاب.. من اي ارض.. والى اي مدى وضمن اي حدود. ومن حظنا السييء ان هناك هوى اميركيا لاسرائيل يشبه ـ وفق رؤية ادوارد سعيد ـ ذاكرة جماعية اميركية قديمة ترى الصهيوني في فلسطين امتدادا لرواد الغرب الاميركي.. مما يفقد الاميركان قدرتهم على التقييم العقلاني لاي تصرف يبدر من الدولة الصهيونية! ليس ذلك فحسب بل ان، انشاء دولة اسرائيل بمعونة غربية كاملة انطوى على مجموعة مفارقات منها: ـ ان الديمقراطية او العلمانية الغربية في اوج انتصارها على ايديولوجية الصليب المعقوف ارتضت ان تؤسس دولة دينية عنصرية عرقية للصهاينة. وكأن الليبرالية الغربية افتتحت عصرها الكوني الذهبي بحفر جماعي لليبرالية في الشرق الاوسط دفنت فيه اي امكانية للتخفيف من المشاعر والعوامل الدينية لشعوب المنطقة التي تقع على بعد اميال قليلة من قلب اوروبا نفسها. ـ ان الحكمة «العلمانية، العقلانية، الديمقراطية» كانت تقتضي من الغرب سلوكا مختلفاً لو أنه كان يريد طي صفحات الماضي ونسيان الحروب الدينية حقا. غير أنه عن سابق اصرار فيما يبدو ـ كان يريد العكس.. ومن هنا شاعت في الغرب مقولة ان اسرائيل هي الحملة الصليبية العاشرة على بيت المقدس والمشرق عموما. استحالة اسرائيل والنفط.. هما عنوان كل مصلحة اميركية في المنطقة.. لا صداقة ولا علاقات استراتيجية ولا اي من تلك الاوهام التي يتم ترويجها.. واذا كانت المملكة العربية السعودية على مدى عقود طويلة.. قد تمكنت من تلبية المصالح الاميركية او التواؤم معها والسير معها في الاتجاه نفسه ـ سواء بقصد او دون قصد ـ فيما يخص تدفق النفط الى الغرب او تأمينه وتوفيره في الاسواق بما يضمن حدا معقولا ومناسبا للمصالح الغربية في الاسعار.. فان تطبيق الامر نفسه فيما يخص اسرائيل يعتبر من قبيل المستحيل.. فهناك تناقض على طول الخط وهناك رهان عربي دائم في ان تلعب اميركا دور حكم الكرة العادل بين العرب واسرائيل.. فان لم يكن فدور المتحيز الذي يتمتع بدرجة من الاخلاق لا تسمح له بايقاع ظلم فادح بخصوم من يناصرهم.. لكن كل هذه الرهانات تبددت.. فاسرائيل قدمت نفسها باعتبارها تخوض جزءا من الحرب الاميركية ضد الارهاب.. واصبحت دوائر محددة في الادارة الاميركية ترى ان ارهاب القاعدة لا يختلف كثيرا عن العمليات الاستشهادية.. وتهديدات اسامة بن لادن بتحويل حياة الاميركيين الى جحيم اصبحت في نظرهم لا تختلف كثيرا عن تهديدات زعماء حماس والجهاد بمواصلة النضال حتى اجبار الاحتلال الاسرائيلي على الرحيل.. حتى الحجر الصغير الذي يحمله احد الاطفال المذعورين في فلسطين المحتلة يمكن بواسطة الميديا تحويله الى ارهاب ضد الجندي الاسرائيلي المدجج بالسلاح من أعلى رأسه الى اخمص قدميه.. وتمت عملية ابلسه للفلسطينيين.. اي جعلهم هدفا مفترضا لتحويلهم الى أبالسة يتفق الجميع «الرأي العام الاميركي» على ضرورة الحاق اشد العقاب بهم. في الوقت نفسه بدأت عملية تنميط جديدة تحول كل مسلم الى متطرف على النمط الطالباني «يحرم تربية الحمام واللعب بالطائرات الورقية» في وقت يكتشف فيه العالم الآخر الخارطة الجينية ويستنسخ ويغزو الفضاء ويبحر في اعاجيب الليزر والاشعة فوق الحمراء وتحت البنفسجية.. فالغرب يهدف الآن ـ كما في أزمنة استعمارية سابقة الى نشر الحضارة وانتشالنا من وهدة التخلف «الاسلامي» واسرائيل جزء من الغرب تلعب دورا ليس صغيرا في عملية الانتشال المزعومة هذه. من هنا لم يكن غريبا ان يدعي ريتش لوري احد محرري مجلة «ناشيونال ريفيو» ان رسائل قراء كثيرة وصلته تدعو الى ضرب مكة بقنبلة نووية في حال ما تعرضت الولايات المتحدة لهجوم نووي تشنه القاعدة.. وتمنى المحرر ان تكون هناك قنابل نووية نظيفة تضمن حصر الدمار في نقطة الهجوم حتى يصبح بالامكان وضع غزة ورام الله على قائمة الاهداف.. ولم ينس المحرر ان يؤكد ان مكة متطرفة بطبعها. هناك اذن قوى اميركية ترى في الصراع العربي الاسرائيلي جزءا من عملية تأكيد السيطرة الاميركية على الشأن العالمي.. وعلى هذا يجب ان توفر واشنطن الغطاء السياسي الكامل للجانب الاسرائيلي حتى يحسم المعركة مع الفلسطينيين عسكريا قبل ان تبدأ المفاوضات. ومن الغريب ان ارييل شارون تلقى الضوء الاميركي الاخضر لفعل ما يريد بالضفة الغربية ومن فيها بعد ساعات من انتهاء مؤتمر القمة العربي الذي تحولت فيه المبادرة السعودية الى مبادرة عربية فبدى الامر وكأن الاجتياح والمذابح وحصار عرفات واعتقال الآلاف هو الرد على مبادرة السلام هذه. المجتمع السعودي مثل مجتمعات عربية كثيرة سيطر عليه الغضب مما يجري.. فبدأت حركة شعبية تجمع التبرعات التي وصلت في السعودية لمئات الملايين وردت جهات اميركية في الكونغرس باعتبار ذلك نوعا من دعم الارهاب.. واتجهت الحركة الشعبية السعودية بعدها الى المقاطعة.. وأثمرت دعوتها انخفاضا حادا في الصادرات الاميركية للسعودية بلغ نحو 33% خلال الفترة من اول سبتمبر وحتى نهاية مارس 2002 ووصل الى 43% خلال الاشهر الثلاثة الاولى من هذا العام مقارنة بالاعوام السابقة. المستهلكون السعوديون تحولوا عن السلع الاميركية تشجعهم حملة يقوم بها ناشطون يوزعون دعوات المقاطعة في المساجد والمدارس والمراكز التجارية.. والسفارة الاميركية في الرياض تعتبر هذه الدعوات مثيرة للقلق. العلاقات السعودية مع الولايات المتحدة يبدو انها اصبحت في الآونة الاخيرة رهينة لوجهات نظر الاسرائيليين واللوبي الموالي لهم. فهذا اللوبي تحديدا هو الذي يثير العواصف ويحاول تحريض الادارة الاميركية ضد السعودية وقد اتضح ذلك بشكل سافر خلال حلقة نقاشية عقدت يوم الثلاثاء 18 يونيو الماضي. الحلقة عقدت في مبنى دريكسون التابع لمجلس الشيوخ تحت رعاية السيناتور سام براون باك ونظمها معهد اسبن برلين والهدسون انستيتوت. كانت محاور الحلقة النقاشية دالة على مضمونها فالعناوين هي السعودية والارهاب ـ أميركا واسرائيل والاسلام ثم البترول والارهاب والمشكلة السعودية. في هذا النقاش تعرضت السعودية لنقد لاذع من اعدائها.. فقد اعتبرها متحدث هو الصحافي مايكل بارون من مجلة «يواس نيوز اندورلد ريبورت» «عدوة لاميركا»، كما كان من بين المتحدثين دوري جولد مستشار رئيس الوزراء الصهيوني الذي انتقد مبادرة الامير عبدالله مؤكدا انها لا تلبي احتياجات اسرائيل الامنية، وتحدث بطريقة عنصرية ضد السعودية ووسائل اعلامها وشعبها متحدث يدعى دافيد برايس جونز الذي أخذ يكيل التهم جزافا. ويكمل الاسرائيليون دورهم.. فهم اول المستفيدين من فكرة المواجهة بين الاسلام والحضارة الغربية.. وسيظلون مرددين لهذه الاسطوانة المشروخة حتى تحقق الاهداف المطلوبة منها اسرائيليا.. وقد فضح هذا التوجه حديث ادلى به ايهود باراك مؤخراً لصحيفة «لوموند» وقال فيه «ان العرب والمسلمين مع الارهاب وضد الحضارة وأن الآخرين «الاسرائيليين» يدافعون عن الحضارة في نمطها الغربي. بين مد وجذر اذن، تستمر حالات عدم الرضا عن السياسات الاميركية داخل المجتمع السعودي. وبالقدر نفسه تستمر الهجمات الاعلامية والسياسية الاميركية ممارسة نوع من الضغط والابتزاز في محاولة لدفع المملكة الى تجاوز خطوط حمراء سياسية او دينية. روح وثنية بعد 11 سبتمبر اصدر المفكر السياسي الاميركي روبرت كابلان الذي يطلقون عليه هناك لقب عراف القرون كتابا بعنوان «سياسة المحارب» يقول فيه لا يكفي ان جورج بوش يتحلى بروح القرون الوسطى ويرتدي دروع الملك آرثر ويلوح بسيوف المائدة المستديرة، بل يجب ان يتحلى بروح وثنية خالصة ففيها حكمة واقعية متحررة من اي «وكل» مثال ومثالية. في مواجهة هذه الروح الوثنية.. تستند السعودية الى جدار خطوط حمراء دينية وسياسية لا تستطيع تجاوزها.. فأي دولة لها ظروف وموقع السعودية ونشأتها وتكونها ونسيجها الاجتماعي من المستحيل عليها ان تتدخل لتفرض قيودا على حركة مجتمع سلفي بطبعه.. متدين.. او ان تحدد له ماذا يدرس من امور دينه وكيف وفي اي مدارس؟ وسياسيا هناك خطوط حمراء متفق عليها عربيا وفلسطينيا.. فليس هناك زعيم مهما كانت سطوته.. او دولة مهما كان امتلاكها لمقدرات العرب تستطيع التفريط في القدس.. او اقناع الفلسطينيين بأن يرتضوا بدولة شكلية تظل راضخة تحت احتلال صهيوني. وان كان الملك فيصل قال انه مستعد للعودة وبلاده الى التمر اذا لم تتحرر القدس.. فان القيادة السعودية الحالية ليست اقل استعدادا لتحمل الضغوط والصبر على سفاهات الاعلام الاميركي واللوبي المؤيد لاسرائيل.. والسياسة دائما هي فن تغيير الواقع والحيلولة دون ان «يصبح الخراب سيدا في زمن مريض مثل السنوات التي نعيشها» تحقيقا لمقولة حكيم يوناني قديم.