يعتبر مبنى «المقاطعة» في الخليل الذي دمرته قوات الاحتلال، واحداً من مجموعة ابنية في فلسطين عرفت بعدة اسماء طول عقود، أولها بأنها «بنايات تارغيت». وتارغيت مهندس بريطاني وضع مخططاً لبناء «عمارة» في كل مدينة فلسطينية بعيداً عن الاكتظاظ السكاني لتكون مقراً لجنود جيش الاحتلال البريطاني، وتحميهم من هجمات الثوار الفلسطينيين. وفعلاً تم بناء هذه البنايات، التي أطلق السكان على الواحدة منها اسم «عمارة»، على مشارف المدن الفلسطينية، ولكن وان كان تنفيذ بنائها كان دقيقاً الا انها لم تفلح في حماية جنود الاحتلال من ضربات المقاومين. ووضع الكثير من المناضلين في اجزاء بهذه البنايات، التي حولت الى سجون، اعدم فيها خيرة المقاومين. وعندما دخل الجيش الصهيوني الضفة الغربية، وجد امامه الامور سهلة بأكثر مما توقع، ومنها هذه البنايات التي تحولت الى مقرات لجيشه واستخباراته، وحول بعضها الى سجون مركزية، مع اشتداد المقاومة مثل عمارة الخليل، وعمارة نابلس كما يطلق عليها السكان المحليين، وتحولت الى «سجن الخليل المركزي» وسجن نابلس المركزي وسجن جنين المركزي، وهكذا. ولا يعرف لماذا بالضبط وقع اختيار المحتلين الجدد على «عمارة الخليل» ليكون فيها قسم للتحقيق المركزي مع المقاومين الفلسطينيين، في السنوات الاولى للاحتلال، ولكن هذا القسم المكون من زنازين تحت الارض «من تصميم تارغيت» وزنازين فوقها وغرف تحقيق، شهد ابشع أنواع التعذيب الذي مارسته سلطات الاحتلال بحق الشبان الفلسطينيين، وكان المحتلون يركزون خصوصاً على التعذيب الجسدي، ومن أساليب التعذيب التي استخدمت وقتها، مع بعض قادة المقاومة هو وضع نفط أو احد مشتقاته على ظهر المعتقل ثم اشعال النار فيه. وسقط عدد من الشهداء في مسلخ الخليل كما اسماه المواطنون آنذاك، الذين استمروا كما فعلوا طوال عقود مع تعاقب الحكومات والاحتلالات بالذهاب إلى «العمارة» وهذه المرة لزيارة ابنائهم، وكان مسموحاً بفترة ربع ساعة كل شهر، لزيارة افراد معدودين لابنائهم. وشهد سجن الخليل المركزي عدة محاولات للهروب، رغم التشديد الامني الهائل، ونجح البعض بالهروب وبعض من هرب سقط شهيداً وهو يحاول الهروب، ومن اشهر محاولات الهروب الناحجة تلك التي قام بها شادي درويش عام 1989م، وتمكن درويش من القيام بعمليات فدائية بعد هروبه حتى سقط شهيداً في احدى المواجهات مع الاحتلال. والمفارقة المحزنة بالنسبة لدرويش جاءت فيما بعد، فأهل درويش واصدقاؤه وجماهير شعبه شيعت جثمانه إلى مثواه الاخير بعد تسلمه من قبل سلطات الاحتلال، التي رفضت في حينه اعطاء «شهادة وفاة» لأهل الشهيد، امعاناً في الانتقام من الشهيد الذي كسر حواجز الأمن الصهيونية، وعندما تسلمت السلطة الفلسطينية مقاليد الأمور، ذهب والد شادي ليستخرج «شهادة وفاة» لابنه ولكنه صد على اعقابه، ولم تفلح كل المناشدات التي وجهت للسلطة في اعطاء «شهادة وفاة» للشهيد شادي درويش، وبقي والده يعاني آلم الفراق والم ذوي القربى. وعندما تسلمت السلطة الفلسطينية «العمارات» اطلقت على كل واحدة منها اسم «مقاطعة» وعندما خرج جنود الاحتلال من هذه المباني، هرع المواطنون لرؤيتها من الداخل وليتذكر البعض الأماكن التي عذب بها.