كل احاديث الرئيس الاميركي بوش عن الشرق الاوسط، وليس حديثه الاخير فقط، يمكن فهمها على ضوء مؤثرات الحادي عشر من سبتمبر، ان بوش يحاول ان يبدي نوعاً من التشدد المبالغ فيه، حتى لا يقال انه خضع لمطالب اسامة بن لادن، او لان لها، وتلك سياسة اميركية قديمة منذ ايام ريجان تقول بحرمان الارهابيين من جني اي ثمار لحركاتهم الارهابية وحرمانهم حتى من الظهور على شاشات التلفاز او المنابر الاعلامية الاخرى لعرض مطالبهم، وقد صاغ تلك السياسة اصلاً بعض خبراء الاعلام، وتقبلتها الادارة الاميركية، وتبنتها كسياسة عليا في هذا الشأن. ولكن لسوء حظ الخبراء الاعلاميين فإن السنوات العشر الماضية التي انتشرت فيها شبكة المعلومات العالمية، جعلت من عملية احتكار المنابر الاعلامية امراً متعذراً، خاصة في اميركا، حيث اخذ الناس يعتمدون اكثر في اخذ المعلومات والتعرف على الآراء على الانترنت، ولكن الادارة الاميركية ماضية مع ذلك في تبني تلك السياسة في مواجهة الارهاب، وقد زاد عليها بوش تشدده في تبني سياسات مضادة لمطالب الارهابيين لمجرد معارضتهم، ولذلك فما ان اعلن بوش انه بصدد اعلان سياسة اميركية جديدة في نزاع الشرق الاوسط، حتى سارع زعيم الاقلية في مجلس الشيوخ ترينت لوت، وعضو مجلس الشيوخ رتشارد شلبي، بدعوة بوش للحذر والامتناع عن اعطاء اي تنازلات او اعطاء اي انطباع للمراقبين بأن الادارة الاميركية بصدد الاستجابة لمطالب الارهابيين. وقد ذكر النائبان ان الوقت غير مناسب على الاطلاق لاعلان سياسة اميركية رسمية لموضوع النزاع العربي الاسرائيلي، وبالتأكيد فإن الرئيس بوش يشاطر هذين النائبين الرأي، وقد كان يسوف طيلة الفترة الماضية في اعلان تلك السياسة ولكن اعتبارات عملية كثيرة فرضت عليه اخيراً ان يعلنها في هذا الوقت بالذات. وقد اتضح ان تجاهل تطورات تلك الاحداث ليس في مصلحة السياسة الخارجية الاميركية، فهي تتطور سريعاً نحو الاخطر وقد فشلت كل سياسات شارون المتطرفة في احتوائها او تخفيفها، وفي داخل الادارة الاميركية اصبحت بعض مراكز صنع السياسة الخارجية تضغط في سبيل صياغة رؤية او سياسة اميركية واضحة حيال الموضوع، وكذلك تتالت بعض الضغوط العربية لاسيما من جانب الامير عبدالله وغيره من الزعماء العرب، ولذلك فقد كان بوش مكرهاً لا متطوعاً لاعلان سياسة ما لبلاده في موضوع النزاع العربي الاسرائيلي. الشروط القصوى وقد كان طبيعياً، كما كان منتظراً، الا تأتي تلك السياسة طبيعية او معتدلة او عقلانية، فهي مثل مفرط في الشطط والتطرف، وذلك باعلانها لرفض قيادة الرئيس الحالي ياسر عرفات للدولة الفلسطينية، وهو رئيس يفترض ان يكون زعيماً منتخباً، وبالواقع فهو زعيم تاريخي لشعبه، ولكن مع ذلك ساغ لبوش ان يطالب بعزله، وبنى على الاستجابة لذلك المطلب بقية سياساته. ولأن بوش يريد ان يبرز فقط بمظهر التشدد فقد شاء ان يرفع ذلك المطلب الذي لم تطالب به ـ جدياً ـ اسرائيل نفسها، التي هي احرص الجميع على الحفاظ على سلامة عرفات وزعامته، فهو الزعيم المعروف لديهم ـ منذ الستينيات وقد اجروا عديداً من الدراسات على نفسيته وعلى نمطه في القيادة واتخاذ القرار وتعودوا على التعامل معه، وبالتالي فهم لا يبتغون بديلاً قد يكون اسوأ بالنسبة لهم بكثير. ان هذا هو اسوأ اقتراح يقدمه بوش على الاطلاق، وهو اقتراح سواء في سوئه بالنسبة للاسرائيليين والفلسطينيين. وقد تقدّم الحديث عن جانب سوئه بالنسبة للاسرائيليين، اما بالنسبة للفلسطينيين فانه لن يؤدي الا الى تصاعد الاستقطاب والنزاع بين قياداتهم العليا الطامعة في ان تحل محل عرفات. وبعد ذلك لا يقبض الجانب الفلسطيني اي ثمن مقدر لقاء التخلي عن عرفات، فتحقيق هذا المطلب الاميركي العسير ليس سوى البداية لتلبية مطالب اخرى ستتالى سراعاً، وبعضه تم الافصاح عنه فعلاً في خطاب بوش الاخير، اذ المطلوب من القيادة البديلة ان تشن حرباً لا هوادة فيها على حماس حتى تخمد انفاسها تماماً لتتهيأ بذلك لتحقيق المطلب الثالث وهو اجراء انتخابات «ديمقراطية» على الشروط الاميركية الاسرائيلية، اي لتفرز القيادات التي يمكن ان تقبلها هاتان الادارتان، ولا يكاد يصدق مراقب سياسي أن من المنطقي ان يفرض المحتل على حركة تحرير ان تكون ديمقراطية كشرط لتسليمها مقاليد الامور. الوعد الباهت ولكن هذا هو بالضبط ما ركز عليه بوش منذ مطلع خطابه حيث ذكر «ان السلام يتطلب وجود قيادة فلسطينية جديدة، وعند وجود تلك القيادة يمكن ان تولد الدولة الفلسطينية، إنني ادعو الشعب الفلسطيني لانتخاب قيادة جديدة، لا تتساهل ولا تتساوم مع الارهاب، واذا ما تبنى الفلسطينيون خطا ديمقراطياً فإن اميركا والعالم اجمع سيدعم جهودهم ليصلوا الى اتفاق مع اسرائيل ومصر والاردن!!» وقد شاء بوش ان يساوي بين مشاكل الفلسطينيين مع الاسرائيليين بمشاكلهم مع مصر والاردن، وتلك مغالطة وتعمية للرأي العام الاميركي، وفيها تمييع للموضوع برمته، وتشدد مغالى فيه وأنفة عن الوصول الى حد معقول في التفهم والانصاف، ومواصلة لخط التشدد، الى قريب من غايته القصوى لم يشأ بوش ان يقدم اي وعد صلب للفلسطينيين، فهم حتى بعد ان يستجيبوا لكل المطالب فهم ليسوا موعودين سوى بدولة انتقالية ليست مضمونة الحدود، ولا الامن، ولا الاستقلال، ولا السيادة. ان الدولة الفلسطينية لن تتحرر عن طريق الكفاح، وانما عن طريق ايجاد برلمان جديد مسئول لدى الشعب، وايجاد مؤسسات اقتصادية رأسمالية لا سيطرة للدولة عليها، وسلطة قضائية منفصلة عن الجهاز التنفيذي. واما عن الدستور الفلسطيني فقد وعد بوش بأن الولايات المتحدة ستقوم بوضعه بمساعدة دول اوروبية وعربية!! كما ستقوم الولايات المتحدة بمراقبة الفساد الاقتصادي المستشري لدى السلطة الفلسطينية الحالية والقادمة، واما عن الانتخابات المحلية فقد حدد لها موعد بنهاية هذا العام على ان تتلوها الانتخابات القومية. وعندما يتحقق كل ذلك يمكن البدء ببحث الشئون الكبرى المتعلقة بالانسحاب الاسرائيلي اولاً الى حدود عام 2000م ثم الى حدود 1967، وقرارات مجلس الامن التي لم تنفذها اسرائيل، ومستقبل القدس، ومصير اللاجئين الفلسطينيين، واتفاق الصلح بين لبنان واسرائيل من جهة، وسوريا واسرائيل من جهة اخرى. ان كل هذه المسائل الكبرى كما ذكر بوش في احدى الفقرات الاخيرة من خطابه لم يتأخر حلها الا بسبب القتلة الذين تتسامح القيادة الفلسطينية معهم. التحيز الفاضح وبعد تلك الضغوط الهائلة والمغالطات الفادحة والوعود الباهتة، لم يطلب بوش من الطرف الاسرائيلي الا مطالب هامشية، ولم تأت المطالب على نفس الدرجة من الحسم والتحديد الفوري، وانما جاءت ملطفة ومشفوعة بالاعتذارات والمجاملات «انني افهم مشاعر الغضب الشديد الذي يعتور الاسرائيليين. انكم عشتم طويلاً مع الخوف ومشاهد الجنازات، واضطررتم الى تفادي الاسواق والمواصلات العامة واجبرتم على وضع الحراسات على فصول مرحلة الروضة في مدارس الاطفال وذلك بعد ان رفضت الادارة الفلسطينية عروضكم، وصدرت اليكم الارهابيين! ان لكم الحق كل الحق في ان تعيشوا حياة عادية آمنة، وانني لأؤمن ان من حقكم ان توجد دولة فلسطينية معدّلة ومطورة على حدودكم تكون مسئولة عن امنكم» ومن تلك النقطة انطلق بوش لا ليطالب اسرائيل بشيء محدد، وانما ليضغط مجدداً على الطرف الفلسطيني مكرراً مطالبه الديمقراطية الى حد الاثقال والاملال. وما كان بوش جاداً لذلك ولا مبادراً انما كان مزايداً بذلك التكرار، فهو يعلم قبل غيره باستحالة تطبيق المطالب في الوقت الراهن، لاسباب شتى. ولو كان متقدّماً بأي مبادرة لاختار ان يكون وسيطاً مقبولاً للطرفين كما كان كلينتون من قبل، ولكن هاهو يطالب بازاحة احد الطرفين، قبل بدء التفاوض، فأي دبلوماسية تلك، واي وسيط ذاك الذي يقدم على تقديم طلب مثل هذا؟! انها المزايدات ليس الا وما ذلك الا لأن خطاب بوش كان موجهاً لطرف آخر ليس هو الطرف الفلسطيني ولا الاسرائيلي. ان تلك هي عقدة 11 سبتمبر، التي ربما تطبع النزاع العربي الاسرائيلي بطابع جديد، ان تلك العقدة هي خلفية خطاب بوش ومحركه الاساسي، وعلى ضوئها ينبغي ان يفهم محور الخطاب وهوامشه، والغريب ان ذلك الفهم لم يتأت لشخصيات فلسطينية قيادية انتهازية خاسرة هرعت لتفاوض عسى أن يتشكل منها البديل القيادي (الديمقراطي)، المختار، اميركياً. ظنت تلك الشخصيات ان عرفات سينزاح عن السلطة قريباً جداً، وما وعت ما يجري على سطح الواقع حيث لاتزال اميركا تتعامل مع عرفات الذي تنوي ازاحته وتطالب باستقالته، وما وعت ان عرفات الذي قضى حياته كلها في المناورة سيناور، وقد بدأ مناوراته بالفعل بتشكيل حكومته الجديدة التي نالت بعض الرضا الاوروبي، وبتقديمه لمزيد من التنازلات لاسرائيل وتوقيعه للقانون التأسيسي الذي اصدره البرلمان الفلسطيني في 1996 بشأن تحديد القوة التنفيذية لرئيس الدولة الفلسطينية، ومنع تعديه على السلطتين البرلمانية والقضائية وهو الامر الذي قد يجلب له بعض الرضا الاميركي. الاستدراك القاصر ان معلقاً اميركيا معروفاً بتحيزه لاسرائيل هو جوزيف ليبرمان استدرك على بوش تطرفه، واستنكر عليه الا يعد الفلسطينيين، الا بدولة انتقالية، وطلب منه ان يقدّم وعداً جازماً باقامة دولة فلسطينية دائمة، لأن المكافأة ينبغي ان تكون مغرية ومشجعة، ومتكافئة مع ضخامة المطالب التي عددها بوش، لقد ادرك ليبرمان مدى مغالاة بوش في التحيز ولذلك استدرك عليه ولكن هل يا ترى ادرك سر الخطاب ولمن كان موجهاً في الاساس، وهل ادرك ان بوش ما كان يطلق مبادرة اصلاً، حتى يستدرك عليه ذلك التفاوت في حجم المطالب والوعود؟! بقلم: د. محمد وقيع الله ـ استاذ العلاقات الدولية ـ الولايات المتحدة