ما من شك في ان الخلافات داخل البيت الأبيض بين وزير الخارجية كولن باول وبين وزير الدفاع رامسفيلد ومن خلفه جنرالات الجيش المؤيدون لسياسته العسكرية المتشددة تجاه العالم الخارجي والراغبة في فرض نفوذ أميركا بالقوة العسكرية قد فرضت نفسها بقوة على ساحة السياسة الأميركية، ولم تقف انعكاسات هذا الخلاف عند حدود البيت الأبيض أو أميركا كلها بل تجاوزتها بالبديهة إلى السياسة الخارجية الأميركية لتخلق مناخاً متناقضاً للسياسة الأميركية تجاه العالم الخارجي وبصفة خاصة الشرط الأوسط، سواء تمثل ذلك في مواقف أميركا ازاء الصراع بين اسرائيل وفلسطين وقضية السلام أو موقفها تجاه بلدان عربية بعينها كالعراق وليبيا والسودان. كولن باول الذي يميل إلى سياسة التهدئة ودبلوماسية الوساطة والتفاهم يتزايد صدامه يوماً بعد يوم مع سياسة رامسفيلد الذي يرغب في الانشغال طيلة فترة تواجده بالسلطة بخطط حرب أميركية هنا وهناك تارة على الارهاب وتارة على الدول المارقة، وبين هذا وذاك تأتي مواقف الرئيس الأميركي مهتزة ومتذبذبة، فهناك تصريحاته المتناقضة حول السلام، وهناك مواقفه الغامضة تجاه الدول العربية، ولا يمكن لأحد التكهن بسهولة لأيهما ستكون الغلبة، لحمائم الدبلوماسية الهادئة أم لصقور الحرب والعسكر وإلى أي مدى سيقود هذا الصراع، وما مدى خطورة تأثيراته، وما هو موقع جورج بوش بين القطبين المتناقضين؟ حول هذه الأسئلة اجرى «الملف» الحوار التالي مع الدكتور الهولندي ديك فان دي فيلدا خبير الشئون الاميركية ومراقب العلاقات مع الشرط الأوسط. ـ ما هي خلفية تخبط وتردد المواقف الأميركية في سياساتها الخارجية خاصة تجاه الشرق الأوسط؟ ـ لم يخف الرئيس الأميركي «جورج بوش» منذ مجيئه لسدة حكم الادارة السياسية في واشنطن رغبته في عدم الغوص في دهاليز القضايا الخارجية، واعلانه بأنه يفعل ذلك في سبيل النظر لمصالح أميركا أولاً بالداخل محاولة منه التغطية على جانب كبير من القصور الواضح في خبرته ومعرفته بشئون الكثير من القضايا الدولية، ومنها ملف الشرق الأوسط ومن ناحية أخرى لتنفيذ وعود قطعها على نفسه تجاه الناخب الأميركي ابان حملة انتخابات الرئاسة الأميركية. لكن الرئيس «بوش» قد فشل في عزل البيت الأبيض عن ملفات السياسة الدولية، وتأكد انه أمر مستحيل تحقيقه، فكيف تطالب بلاده بمزيد من العولمة والليبرالية الدولية من الدول الأخرى دون مشاركة فعلية منها، هذا اضافة إلى ان الاحداث الدولية المتلاحقة، وعلى رأسها احداث 11 سبتمبر وتبعاتها فرضت عليه التراجع عما أعلنه في الماضي، وعاد مجبراً لاتباع أساليب السياسة التقليدية على المسرح الدولي، إلا ان هذا التراجع واكبه ارث تنافسي داخل القيادة السياسية خاصة بين وزير الخارجية «كولن باول» ووزير الدفاع «رامسفيلد» وهو الأمر الذي تمثل في ظهور تصدعات داخل الادارة السياسية الأميركية، وجعلها بين الفينة والأخرى تتخبط في المواقف والقرارات، وقد انعكس ذلك على الصراع القائم في الشرق الأوسط، سواء الساخن منه كالاسرائيلي الفلسطيني أو المؤجل الذي يتسم بشيء من البرودة مثل قضية الجولان السورية، ودفع سوريا واسرائيل للجلوس حول مائدة مفاوضات بغية التوصل لاتفاق يعيد الأرض لأصحابها الشرعيين وأخيراً بالنسبة لقضية العراق التي تعلو وتهبط حرارتها حسب مجريات الأمور في المنطقة، اضافة إلى أن صراع الخارجية الأميركية وجنرالات البنتاغون أدى لتغييب موقف واشنطن في الشرق الأوسط. ـ وكيف يمكن رصد هذه الصراعات والتناقضات؟ ـ رأينا مثلاً وزير الخارجية الأميركي «كولن باول» ينصح بوش بتبني وثيقة السلام أو مبادرة السلام السعودية وانتهازها فرصة للعب دور جديد وفعال في مشكلة الشرق الأوسط، واتخاذها وسيلة لعودة أميركا لهذا الدور المهم في الصراع ومحاصرة الانتقادات العالمية والغضب العربي خاصة بعد التحذيرات العربية التي أبلغها ولي العهد السعودي الأمير عبدالله بن عبدالعزيز من تداعيات فقدان الثقة العربية في أميركا وفقدانها المصداقية وتأثير ذلك على المصالح الأميركية في المنطقة. في حين يضغط على «بوش» وزير دفاعه «رامسفيلد» للتخلي عن تبني أي مبادرة للسلام وتقليص الدور الدبلوماسي الأميركي في أي خطة سلام، في الوقت الذي يرجح فيه الرئيس بوش شخصياً تبني ما ورد في الوثيقة، غير ان شخصية «رامسفيلد» تبدو مهيمنة للتحكم في زمام الخطط العسكرية التي تعول عليها أميركا اهدافاً مرحلية مقبلة مع العراق، ويقف وراءه عدد من جنرالات الجيش الجمهوريين ممن لهم توجهات يمينية، كما يرغب رامسفيلد في مزيد من تهميش الدور الأميركي الدبلوماسي في الشرق الأوسط لفتح المجال أمام التصرفات العسكرية الأميركية مع العراق، واستئناف حرب القرن على الارهاب في مناطق أخرى آسيوية ذات تماس عربي. في الوقت ذاته يضغط الجمهوريون من أعضاء الكونجرس الأميركي على بوش لترك الفرصة للنهاية لرئيس الوزراء الاسرائيلي شارون لتنفيذ ما بدأه من تكتيك في الأراضي الفلسطينية، بهدف الوصول لنقطة القوة الاسرائيلية للتفاوض من منطلقها مجدداً مع الفلسطينيين، وذلك بغية وضع الجانب الفلسطيني في مكان القبول بأية شروط تطلبها اسرائيل من الجانب الفلسطيني، ولقد لاحظنا ان التكتيك الشاروني الذي يدعمه الكونغرس الأميركي هو انهاء حلم الدولة الفلسطينية، وتقليص الوجود الفلسطيني في بقع ممزقة ومتناثرة وضمان بقاء ضعف القيادة الفلسطينية ورامسفيلد يؤيد التصرفات الاسرائيلية تجاه العمليات الاستشهادية الفلسطينية دون ان يعبأ بتبعات سلسلة الفعل ورد الفعل من الطرفين، وانخراطهما في حلقات سياسية مفرغة. ـ أين موقف الرئيس جورج بوش من هذه الصراعات ولمن ستكون الغلبة؟ ـ كما سبق الاشارة، الرئيس بوش يفتقد الى الخبرة السياسية خاصة درايته بمجريات الامور في الشرق الأوسط، وهو يعتمد في تحركاته وسياسته وخططه على مستشاريه، ولا يمكن اغفال ان وزارة الدفاع تمثل أهم ركن لقوة الادارة الاميركية، ولذلك فهو يميل الى السير وراء سياسة وزير خارجيته حتى وان أكد على ضرورة الاحتفاظ بوقت كاف لنفسه للاختيار بين الجانبين، وقد تلاحظ هذا بصورة واضحة في تناقض تصريحات البيت الابيض مع التصريحات التي يعلنها كولن باول في جولاته بالخارج سواء حول فلسطين أو العراق، فباول يعلن انه مع قيام الدولة الفلسطينية ومع وجود جدول زمني للتفاوض وانهاء الوضع المعلق، بينما يعلن في اليوم التالي البيت الابيض ان مسألة اعلان الدولة أمر سابق لأوانه وانه يجب وقف العنف أولاً، وان مسألة الجدول الزمني المحدد لاتزال في طور تفكير جورج بوش، وفي مسألة العراق يسعى كولن باول لدفع المباحثات السياسية بين الأمم المتحدة والعراق حول عودة المفتشين وحول امكانية اعادة النظر في العقوبات وفرض ما يسمى بالعقوبات الذكية، بينما يؤكد البيت الابيض وجورج بوش في تصريحاته بان العراق دولة مارقة ومن محور الشر وان الضربة العراقية قادمة ولكن يبقى تحديد وقتها فقط... الخ. وبوش يعتمد في ذلك على تقارير اجهزة الاستخبارات «سي.آي.ايه» وتقارير الاستخبارات العسكرية، وعلى تقييم رامسفيلد ومن خلفه في ان فلسطين تدعم الارهاب ضد اسرائيل ويجب القضاء على هذا الارهاب واعتبار ما تقوم به اسرائيل جزءاً مكملاً لحرب أميركا على الارهاب، وان العراق يقوم بتصنيع أو يمتلك أسلحة الدمار الشامل ويجب القضاء عليه واسقاط صدام حسين ونظامه، وهكذا نجد ان الكفة ترجح في اتجاه القوة العسكرية أو بعيداً عن الدبلوماسية الهادئة وسياسة الحمائم التي يتبناها باول. ـ هل يمكن ان يؤثر الصراع على المستقبل السياسي لكولن باول؟ ـ يجب أولاً رصد أن ما يحدث من شقه خلاف في قطبي الأهمية بالسياسة الاميركية وهما الخارجية والدفاع يعد الأوضح أو الأضخم من نوعه في تاريخ الادارة الاميركية وحكوماتها المتعاقبة، فلم نشهد من قبل مثل هذا الخلاف الواضح، وقد تكون خلافات حدثت على هذا المضمار في عهد جورج بوش الأب أو الرئيس ريغان ولكن بصورة لم تكن ملحوظة، ولم تسجل مواقف تحسب عليها أو تؤثر بصورة سلبية في السياسة الخارجية، أما ما يحدث الآن فمن المتوقع سياساً ان يؤثر على مستقبل كولن باول، لأن أميركا يمكن ان تغير سياستها الخارجية وفقاً لمتطلبات مصلحتها أو ما تفرضه عليها انعكاسات السياسة الدولية أو متطلبات المرحلة السياسية بصورة أو بأخرى، أما السياسة الدفاعية لأميركا فهي في الغالب ثابتة وركن أساسي تستند عليه اميركا في القوة والهيمنة وفرض النفوذ وترسيخ مفهوم القطب الأوحد، لذلك قد يدفع كولن باول ثمن خلافه مع رامسفيلد من مستقبله السياسي، ولكن لا أتوقع أن يحدث هذا قبل ان تنتهي فترة الرئاسة الأولى لجورج بوش، أما إذا حدث وجاءت الانتخابات الاميركية المقبلة بجورج بوش أيضاً لفترة رئاسية ثانية، هنا فقد أجزم ان كولن باول لن يجد مكاناً سياسياً في حكومة أميركا الجديدة. ـ الى أي مدى يمكن استمرار هذا الصراع؟ ـ الى المدى الذي لا يعرض الادارة الاميركية للخطر أو الانهيار الداخلي، فالبيت الابيض يحاول حتى الآن تدارك هذا الخلاف، وجورج بوش لايزال يتمتع ببعض القوة في حسم الأمر والترجيح أو الخيار بين الجانبين مع الميل الأكبر لرامسفيلد. وحتى الآن تمت التغطية على هذا الخلاف بما لا يضر بأميركا أو مصالحها في الخارج، ولكن يجب ان يتم هذا الاحتواء وسيتم بالطبع لأنه ليس من مصلحة جورج بوش ان يكون بيته منهاراً في الخلافات من الداخل ويستطيع فرض السياسة الاميركية بقوة على معطيات الساحة الدولية أو في القضايا ذات الصلة أو الأهمية بالنسبة لأميركا، لذلك لا أتوقع ان تزداد شقة الخلاف عما هو عليه الآن، بل المرجح ان الخلافات ستتوارى وستضيق الى أقل الحدود الممكنة، وذلك أمام الأهداف الكبرى لأميركا من أجل استمرار حربها على الارهاب واستعادة صورتها وهيبتها بعد ان أحدثت بها أحداث 11 سبتمبر هزة كبرى، لا أتوقع مزيداً من المشاكل بين القطبين أو خلافات الرأي المعلنة، فالمصلحة القومية لأميركا هي التي ستنتصر وان اختلفت التوجهات السياسية. امستردام ـ د. سعيد السبكي