تعتبر الادارة الاميركية الحالية من اكثر واميز الادارات المتعاقبة في الولايات المتحدة من حيث الانقسام على نفسها والتردد في اتخاذ المواقف والقرارات ازاء القضايا الدولية الراهنة فمنذ وصولها الى البيت الابيض سجلت هذه الادارة رقماً قياسياً في مسألة انقسام فريقها حول طريقة التعاطي مع مشكلات العالم وأزماته، حتى باتت توصف بأنها ادارة منفردة على هذا الصعيد لانها لم تستطع ان تحسم امرها مع اية قضية أو مشكلة دولية بل ظهرت على السطح العديد من المواقف والاتجاهات التي عكست وجود عدم انسجام وخلل في تركيبة الادارة من الناحية السياسية. ويؤكد المحللون ان السبب في ذلك يعود الى امرين بارزين: الاول هو ضعف شخصية الرئيس الحالي جورج بوش حيث تظهر المعطيات السائدة بأنه رجل متردد وغير قادر على ان يتخذ اية مواقف محددة، وربما كان ذلك يرتبط بشخصيته السياسية وربما بطريقة وصوله الى البيت الابيض فقد فاز بفارق بسيط في الاصوات لم يتجاوز المئات الامر الذي جعله ضعيفاً ومتردداً ولا يمتلك الارادة الكافية من اجل حسم الامور المعلقة، اما السبب الثاني فهو ربما يكون نتيجة للسبب الاول وهو اعتماده على المستشارين والخبراء الذين يقدمون تحليلات متقاربة حول القضايا التي تواجه الولايات المتحدة وبالتالي فإن الرئيس يجد نفسه حائراً في طريقة التعامل مع هذه الآراء والتغيرات غير المتجانسة. ويرى الكثير من الاميركيين ان هذا الانقسام الذي تعيشه ادارة الرئيس جورج بوش قد انعكس ـ بصورة سلبية ـ على اداء الولايات المتحدة في مناطق كثيرة من العالم. وبالتالي فإن قدرة واشنطن على التحكم بادارة الازمات الدولية قد اصبحت محدودة أو غير فاعلة في كثير من الاحيان. القضايا العربية لا حاجة للتأكيد ان اكثر ما يظهر هذا الانقسام الاميركي هو ازاء القضايا العربية عامة والقضايا المتصلة بالصراع العربي ـ الصهيوني خاصة ـ فقد سجلت التطورات والاحداث وجود اكثر من تيار داخل الادارة الاميركية يحاول كل طرف ان يفرض شروطه على الطرف الآخر ويبدو واضحا وجليا ان هناك تيارين بارزين: الاول يمثل التشدد والتطرف وهو ممثل بوزير الدفاع الاميركي ـ دونالد رامسفيلد ـ ونائب وزير الخارجية الاميركي ومستشارة الرئيس جورج بوش لشئون الامن القومي كوندوليزارايس فهؤلاء جميعاً يؤكدون انحياز الولايات المتحدة السافر الى جانب اسرائيل وهم يعتبرون العرب كافة بأنهم اعداء للسلام والحضارة الغربية وبالتالي يتوجب على الولايات المتحدة ان تتخذ مواقف متشددة منهم وألا تظهر لهم اية مرونة سياسية أو دبلوماسية. وفي المسار الفلسطيني فإن هذا التيار يضغط باستمرار على الرئيس الاميركي للتعامل مع السلطة الفلسطينية على انها قيادة ارهابية وهي تهدد بالتالي ليس أمن اسرائيل بل امن ومصالح الولايات المتحدة في الشرق الاوسط. اما التيار الثاني فيوصف بأنه معتدل ويمثله بالدرجة الاولى كولن باول وزير الخارجية الاميركي ووليم بيرنز مساعده لشئون الشرق الاوسط الى جانب عدد من المستشارين والسفراء. ويطلب هذا التيار من الرئيس جورج بوش السعي الى ايجاد حل عادل لقضية الشعب الفلسطيني والعمل على اقامة دولة فلسطينية الى جانب اسرائيل كحل نهائي للصراع كما ان اصحاب هذا التيار يرفضون مبدأ استخدام القوة ضد الدول التي تصفها واشنطن بالمعارضة في الشرق الاوسط مثل العراق وايران وسوريا وهو يدعو الى فتح حوار مع هذه البلدان، وخاصة مع دمشق لان دورها يعد مركزياً على الصعيد الاقليمي وعلى الرغم من ان هذا التيار يعد هو الاقل نفوذاً داخل الادارة الاميركية الحالية إلا انه استطاع ان يحقق بعض التوازن في سياسة جورج بوش الخارجية لدرجة يمكن معها التأكيد انه لولا وجود هذا التيار لاقدمت الولايات المتحدة على ارتكاب الكثير من الحماقات والمغامرات ضد العرب عامة والفلسطينيين خاصة. أجندة سياسية والواضح ان التنافس او الصراع الخفي الدائر بين هذين التيارين ينعكس ـ بشكل واضح ـ على الاداء الاميركي ازاء موضوع الصراع العربي ـ الاسرائيلي حيث انه كان السبب الذي دفع بالرئيس بوش الى التراجع عن الكثير من الوعود التي قدمها للعرب فخلال لقاءات القمة التي عقدها الرئيس الاميركي مؤخراً مع عدد من القادة والزعماء العرب تعهدت الولايات المتحدة امام هؤلاء بالعمل على حل قضية الشعب الفلسطيني عن طريق اقامة دولة مستقلة الى جانب اسرائيل وتفكيك المستوطنات في الضفة الغربية ولكن سرعان ما كان بوش يتراجع عن هذه الالتزامات والوعود امام ضغط التيار المتشدد والذي يعد امتداداً للوبي اليهودي ونفوذه داخل الولايات المتحدة. وثمة من يؤكد ان الانقسام الحاصل داخل الادارة الاميركية سيضعف من دور واشنطن في الشرق الاوسط وعلى الصعيد الاقليمي وسيجعل ازمة الصراع العربي ـ الاسرائيلي تزداد تعقيداً وخطورة وذلك في ظل عجز الادارة الحالية عن ممارسة اية ضغوط فعالة وقوية على اسرائيل لارغام هذه الاخيرة على الالتزام بقرارات الامم المتحدة ومباديء الشرعية الدولية وبالفعل فإن حركة الضغوط الاميركية اتجهت نحو الفلسطينيين والشعب الفلسطيني بدلا من ان تركز على اسرائيل المعتدية وذلك جراء النفوذ القوي الذي يتمتع به التيار المتشدد داخل الادارة الاميركية ويخشى ان يؤدي تردد الرئيس جورج بوش الى تمكين شارون من القضاء نهائيا على السلطة الفلسطينية وبالتالي نسف عملية السلام وفرض معطيات جديدة في المنطقة. الموضوع العراقي ويبدو هذا الانقسام ظاهراً ومؤثراً في الموضوع العراقي حيث ان الفريق المتشدد داخل الادارة والذي يقوده وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد يضغط على الرئيس جورج بوش لشن عدوان فوري ضد العراق واسقاط نظام صدام حسين بحجة ان العراق اصبح يهدد الامن القومي للولايات المتحدة من خلال اسلحة الدمار الشامل لديه وبالتالي لابد من التحرك السريع لمواجهة مثل هذا التهديد. وقد سبق لرامسفيلد هذا ان قام بعدة زيارات وجولات في المنطقة من اجل تسويق نظرياته العدوانية ازاء العراق واقناع الدول العربية بأن الوقت قد حان للتخلص من الرئيس صدام حسين في حين ان التيار الآخر «المعتدل» يدعو الى عدم توجيه اية ضربة عسكرية واسعة ضد العراق لان من شأن ذلك ان يشعل المنطقة كلها وان يلحق الضرر الكبير بمصالح وسياسات الولايات المتحدة كلها في الشرق الاوسط، ولايزال التنافس قائما بين هذين التيارين وهو الامر الذي يجعل الادارة الاميركية في حالة تخبط وتراجع حتى ان احد المعلقين في واشنطن اكد بأنه لا توجد اية سياسة خارجية في عهد الادارة الحالية وذلك في اشارة واضحة الى مستوى التخبط السياسي وغياب الرؤية الاستراتيجية الموحدة. واذا كان العرب هم الطرف الاكثر تأثراً وتلمساً لهذه الازدواجية او الثنائية في السياسة الاميركية بسبب دعم واشنطن لاسرائيل فإن هناك الكثير من الدول الاخرى التي تعاني الامرين من هذا الانقسام ومنها الهند والباكستان حيث ان الضعف الاميركي قد دفع بهما الى حد التهديد بالحرب النووية. وفي ظل هذا الوضع فإن الولايات المتحدة بدأت تفقد مصداقيتها السياسية وتخسر الكثير من دورها المؤثر في مناطق كثيرة من العالم وتحديدا الشرق الاوسط حيث ان التردد الاميركي وصل الى حد لا يطاق من الناحية العملية. وبالمحصلة فإن مصالح الولايات المتحدة الاستراتيجية هي التي تتعرض للخطر والتهديد جراء هذا الوضع لانه عندما تصبح هذه المصالح في دائرة الاحتكاك المباشر مع القوى الدولية الاخرى فإن اسرائيل لن تستطيع ان تفعل اي شيء لاميركا سوى تقديم التعازي بالضحايا الذين سيقعون تباعاً سواء في الشرق الاوسط او مناطق اخرى بالعالم. بقلم: غزوان عمر ـ صحفي سوري