ظهر الرئيس بوش وبجواره وزير الدفاع رامسفيلد ليؤكد في خطابه الذي طال انتظاره ومن جديد انعدام الثقة في الرئيس عرفات وسلطته ودعا لعزله علناً وبطريقة لم تحدث من قبل.. وطالب الفلسطينيين باختيار قيادة جديدة وبمكافحة الارهاب وتطبيق ديمقراطية تقوم على الحرية وتقبل الاخر. والقضاء على الفساد للحصول على الدعم الاميركي، وبعد تحقيق هذه الشروط يتم حل المشكلة وقيام الدولة خلال ثلاث سنوات، اما قضايا الخلاف القدس واللاجئين وانهاء الاحتلال فيجب ان يتم حلها عن طريق التفاوض. واكد على حق اسرائيل في الدفاع عن نفسها كما طالبها السماح للفلسطينيين العودة لاعمالهم وتحرير الاموال المجمدة لديها للسلطة الفلسطينية. ولم يشر الى مبادرة الامير عبدالله لكنه طلب من الدول العربية التطبيع مع اسرائيل واقامة علاقات دبلوماسية وتجارية الخ. وكانت هذه خلاصة اجتماعات ولقاءات تواصلت مع قيادات عربية عديدة من حلفاء اميركا في الشرقالاوسط.. وهكذا فقد سكب الرئيس بوش ماء بارداً على آمال العرب، حيث يبدو ان خطة شارون الذي ارادها مفاوضات مرحلية طويلة الامد لن تنتهي بأي حال في عهده هذا اذا بدأت.. حينها يكون عرفات قد زال او ازيل وهذا اقصى ما يريده شارون لهزيمة غريمه عرفات والى الابد. الخطاب حول رؤية الولايات المتحدة الاميركية لحل القضية الفلسطينية جاء بعد عدة محاولات الغيت جميعها تحت ذرائع ولغط كثر الحديث حولهما اهمه الخلاف الدائر بين اركان الادارة الاميركية، فقد انقسمت الى معسكرين، معسكر الخارجية والمعتدلين يتزعمه كولن باول والذي يظهر تفهماً للمصالح القومية الاميركية والسياسة الخارجية ويتعاملان مع الملف باتزان فيه قدر كبير لتفهم مواقف مختلف الدول العربية خاصة بعد مبادرة الامير عبدالله بن عبدالعزيز وحلفاء اميركا وضرورة التوصل الى حل سياسي عادل يضمن امن اسرائيل والفلسطينيين معاً ومصالح اميركا في الشرق الاوسط. ومعسكر البيت الابيض وهو معروف بتشدده وهؤلاء هم عادة الجناح اليميني في الحزب الجمهوري، بقيادة رامسفيلد وزير الدفاع وديك تشيني، وكوندوليزا رايس ونائب وزير الدفاع وهم يدافعون عن مصالح اليمينيين ويوافقون على كل ما تطلبه اسرائيل ويدعمونها بلا حدود، ويعملون لتهميش عرفات واضعاف سلطته، والاصلاحات التي ستؤدي الى سلطة بديلة والتركيز على امن اسرائيل بدلاً من حل سياسي شامل. باول تحدث عن دولتين تتعايشان جنباً الى جنب بسلام تبدأ بضمان استتباب الامن وانهاء دورة العنف وتأهيل الاقتصاد الفلسطيني واعادة اعمار البنية التحتية واصلاح السلطة الفلسطينية لا تبديلها لبدء عملية تفاوضية تصل بالاطراف الى اتفاق نهائي يفضي الى قيام دولة فلسطينية حقيقية. قبل الحادي عشر من سبتمبر طالعتنا مجلة الـ Time واسعة الانتشار بغلاف عنوانه (هل سيتمكن باول من الصمود؟) وكان قد بدا واضحاً ان الرجل الذي كان قد رشح اثناء الانتخابات الرئاسية لمنصب (نائب الرئيس) واعتذر عنه يدخل وحده في صدام متكرر مع التيار اليميني ولسان حاله يقول ما فائدتي كوزير للخارجية ان لم استطع وضع معالم السياسة الخارجية وصياغتها؟ وتكررت حوادث وجد باول نفسه في مواقف لا يحسد عليها. ويتمحور الخلاف على سبيل المثال حول قضية فلسطين وان حلها يتوقف على القضاء على بؤر الارهاب في العالم.. والرأي الاخر يقول ان الحرب على الارهاب لن تؤتي ثمارها الا اذا حُلت قضية فلسطين. ان كولن باول يدرك انه محاصر من صقور الادارة الاقوياء الذين يجدون الدعم من الرئيس شخصياً واغلب الظن ان باول سوف يترك منصبه بعد انتخابات نوفمبر 2002. وردد وزير الخارجية اكثر من مرة ان عرفات هو الرئيس المنتخب وان الشعب الفلسطيني حر باختيار زعيمه، وفي الوقت الذي يقول فيه الرئيس بوش ان عرفات قد خيب امله ويدعو الى تغييره. في غمرة الازمة في ابريل الماضي وعرفات محاصر سافر كولن باول للشرق الاوسط وبذل مساعيه، وكان واضحاً اثناءها انه يعاني وليس لديه الحرية الكاملة في التصرف لكنه روج لمؤتمر السلام ولكن بعد عودته وضع المتنفذون في الادارة كل خططه على الرف وحجتهم انه لا توجد قناعة لدى عرفات للتقدم نحو السلام وايجاد حل ينهي الصراع فالبون شاسع في قضايا عديدة خاصة عودة اللاجئين وحدود 1967 والمستوطنات والقدس. وزير الخارجية كولن باول أطلق تصريحات حول الدولة الفلسطينية المؤقتة والتي لا يوجد لها تعريف في القانون الدولي فهناك (حكومة مؤقتة) وليس (دولة مؤقتة)، والسؤال هو هل تعني تصريحات باول عودة الخيار الأردني الى السطح؟ على أية حال عكست تصريحاته اختلافا في وجهات النظر وسط الحكومة الاميركية مما أظهرها وكأنها انقسمت الى فريقين متنافسين، فقد قال آري فلايشر المتحدث باسم البيت الابيض أكثر من مرة ان ادارة بوش لم تستقر على (سيناريو) بعينه لحل أزمة الشرق الأوسط على الرغم من تأكيد الرئيس بوش مرات عديدة انه يلتزم (بحل) يتضمن دولتين فلسطينية واسرائيلية، وتحدث ايضاً عن مؤتمر للسلام يحضره جميع الأطراف ما عدا عرفات ربما في سبتمبر المقبل. إن مثل هذا المؤتمر لن يكون مفيداً وفاعلاً ما لم يكن الرئيس بوش وادارته على استعداد لوضع خطط عادلة للسلام ثم يتم الضغط على الاسرائيليين والفلسطينيين دون محاباة للالتزام بما يتم الاتفاق عليه، لأنهما لن يفعلا ذلك طوعاً وذلك على غرار ما حدث مع الرئيس كلينتون عام 2000. لا يختلف معظم الاميركيين هنا على ضرورة ان تأخذ الادارة الاميركية بزمام المبادرة بعد التردد والتضارب الذي جبل عليه المسئولون الأميركيون في الآونة الأخيرة بعد تفاقم المشكل الفلسطيني ووصول جميع الاطراف الى طريق مسدود بعد العمليات العسكرية التي أعادت بواسطتها اسرائيل احتلال الأراضي التي كانت تخضع للسلطة الفلسطينية ومحاصرة الرئيس عرفات حيث وضح انه موت طبيعي لاتفاقية أوسلو وكل الآمال التي توهجت بعدها. وتكرر حديث الرئيس بوش عن عدم قناعته بقيادة عرفات وضرورة ان يفعل أكثر لضبط الانتحاريين وعمل اصلاحات وينسى ان عرفات فقد الكثير من قواته وامكاناتهم ومكاتبهم ومعنوياتهم بل وسجونهم ابان الغزو الاسرائيلي الشهر الماضي. ومع ان عرفات اجرى بعض التغييرات، إلا انه أخفق في كسب الادارة الاميركية، خاصة المتشددين فيها ولم تقنع أحداً منهم، فقد اعتبرت تغييرات وليست اصلاحات حقيقية. وكانت أكبر الضغوط تتمثل في تعيين عبدالعزيز اليحيى وزيراً للداخلية ليندرج تحت ادارته اثنا عشر جهازاً أمنياً فلسطينياً. المتشددان رامسفيلد وديك تشيني يريان في غمرة حربهما ضد الارهاب ان اسقاط صدام واضعاف الأنظمة الشبيهة هو الهدف الاستراتيجي الذي سيفتح آفاقاً واسعة للسلام حيث سيكون هناك (شرق أوسط) جديد ومختلف تماماً حيث لن يجد الانتحاريون عوناً لهم وسيلقى هؤلاء الراغبون في التعاون مع الغرب والتعايش مع اسرائيل الأبواب مشرعة. الرئيس بوش يقول في كل مناسبة وتحت ضغوط هائلة للخروج من العموميات والحديث الفضفاض عن دولة مؤقتة الى تفاصيل سلام حقيقي يتعايش فيه الشعبان جنباً الى جنب ويؤدي الى قيام دولة فلسطينية حقيقية. ان الولايات المتحدة ستعمل مع الفلسطينيين والاسرائيليين وانه يعرف ان عامل الزمن جوهري لكنه ليس على استعداد لعمل جدول زمني لانشاء دولة فلسطينية لأنه لابد من بناء المؤسسات الضرورية لاقامة الدولة لمنح الشعب الفلسطيني الأمل ولتثبت للعالم الحر انها مستعدة للعيش مع جيرانها بسلام. أما الرئيس عرفات فقد أدلى مؤخراً بتصريحات لصحيفة اسرائيلية قال فيها انه يقبل (بالاتفاقية التي رفضها في العام 2000 ابان عهد الرئيس كلينتون) فرد عليه ايهود باراك رئيس الوزراء الاسرائيلي حينها بأنها لم تعد صالحة، ولاشك ان عرفات يحن لتلك الأيام حينما كان يزور البيت الأبيض من حين الى حين، وهو يشاهد اليوم الرئيس بوش يستقبل غريمه شارون لأكثر من ست مرات منذ توليه العام الماضي. وشارون صرح علناً انه لا أمل في أية مفاوضات طالما بقي عرفات في السلطة في الوقت الذي تعمل فيه اسرائيل لايجاد سلطة بديلة. يبدو الرئيس بوش في غاية الحيرة وهو يتعامل مع قضايا عديدة ومتعددة وكبيرة في العام الأول لتوليه السلطة، فمنذ أحداث سبتمبر والتي لم تشهد الولايات المتحدة لها مثيلاً، إلى حرب افغانستان، ثم دول سماها «محور الشر» العراق وكوريا الشمالية وايران، وكوبا والصين ولكل منها قضية خلافية قائمة بذاتها ثم مشكلة المشاكل الشرق الأوسط وتداعياتها بالاضافة الى متاعب متفرقة حول العالم. ومع قلة خبرته في مضمار السياسة الخارجية لأسباب عديدة ومتعددة تجده غارقاً وسط تقارير طائلة من عدة جهات في وقت واحد مما يصعب التركيز معه خاصة وان خلافات وزرائه ومستشاريه باتت واضحة وبالتالي تنعكس في رؤاهم وتوجهاتهم وتوصياتهم التي تناقض بعضها بعضا مما يضفي على هذه الادارة نوعا من الارتباك والغموض بل والسرية المطلقة التي انتقدها معظم الاميركيين. والرئيس بوش هاجسه هذه الايام فوز اخيه حاكم فلوريدا في انتخابات نوفمبر والتي تتزامن مع انتخابات مجلس النواب كاملاً وثلث اعضاء مجلس الشيوخ وحكام الولايات والتي عادة ما يخسر فيها الحزب الحاكم، ثم مسألة اعادة انتخابه شخصياً في العام 2004، اضف الى ذلك الاجواء التي صاحبت الانتخابات الماضية والتي دار فيها الكثير من الجدل والاختلافات والغموض والصراعات الى ان حسمتها المحكمة العليا. ويخشى الرئيس بوش ان يفقد دعم الناخبين اليهود اذا لم تأت مبادرته بما يرضيهم وفي مخيلته هزيمة ابيه المدوية أمام الرئيس كلينتون عام 1992، وهؤلاء يضغطون باتجاه تغيير عرفات من اجل زيادة احتمالات التوصل الى سلام في الشرق الاوسط. لقد ضاعت اصوات انصار السلام في اسرائيل وسط هذا الكم من الرعب المتواصل لحكومة شارون الذي لم يكن في اي يوم من الايام مستعداً للسلام مع الفلسطينيين، ودعاة السلام وهم غالبية كانوا مستعدين للتنازل عن اراض في سبيل السلام اما شارون وانصاره فيقولون إن أي تراخ في التعامل مع الفلسطينيين سيتسبب في رحلة جماعية من اسرائيل بحثا عن بلاد اكثر أمنا في اوروبا واميركا. فقد التزم بوش بعملية السلام تحت ضغوط واضحة من الحلفاء التقليديين في المنطقة وهم الذين ايدوه في حربه ضد الارهاب ويأمل ان يدعموه في اي هجوم محتمل في اكتوبر المقبل ضد العراق، وهو الامر الذي سيرضي الجناح اليميني المتشدد في الحزب الجمهوري الذي يفرض عليه ضغوطاً لا تحتمل لكنها على كل حال الضمان الباقي له للعودة الى البيت الابيض عند انتهاء مدة ولايته الاولى 2004. اقنع الجناح المتشدد الرئيس باعداد استراتيجية جديدة وجدت اميركا نفسها مجبرة لتبنيها بعد احداث الحادي عشر من سبتمبر وهي مهاجمة الارهابيين والدول المارقة مسبقا بالاسلحة الكيماوية والبيولوجية والنووية بهدف تدمير الاسلحة المضادة بمجرد احتمال استخدامها وهي بذلك تنتقل من سياسة الاحتواء والردع والتي دأبت عليها ايام الحرب الباردة وكانت فاعلة. التدخل الدفاعي المسبق كخيار رسمي لمهاجمة كل من يبدي استعداداً لاستخدام اسلحة الدمار الشامل ضد الولايات المتحدة سيتم اعلانها في الخريف مع المؤتمر الدولي للسلام هذا اذا تم الاعلان عنه اصلا..! الرسائل المتعددة المتناقضة من الادارة اذهلت كل المعنيين بدءاً من اصحاب المبادرات وكل المهتمين بقضية النزاع العربي الاسرائيلي. والمعضلة هنا ان عرفات يتحدث عن استعداد للاصلاح واجراء الانتخابات والرجوع لطاولة المفاوضات ولكنه يربط كل ذلك بالانسحاب الاسرائيلي الكامل وايقاف بناء المستوطنات، المطلب الفلسطيني بانهاء الاحتلال يعني خروج الاسرائيليين من غزة والضفة الغربية والقدس الشرقية بعد خمسة وثلاثين عاماً متواصلة. توالي الاحداث بجسامتها ومخاطرها يحتم على البيت الابيض الدخول الى تفاصيل حل النزاع بدلاً من التصريحات المتضاربة المتناقضة لمختلف مؤسسات الحكم في اميركا في اتجاهات لا تلتقي والعموميات التي مازالت تجتر نفسها من أول مؤتمر للسلام في مدريد وحتى اليوم. بقلم: د. ناصر المطيري ـ اعلامي يمني ـ واشنطن