تشهد الساحة الأردنية حالة ركود سياسية شاملة سواء على المستوى الرسمي او الحزبي بقطبيه المعارض والموالي، وتتباين اراء الأوساط السياسية ، في مبررات هذا الركود بين ملق للمسئولية على الرسميين، او المسئولية المشتركة بين الجهتين الرسمية والمعارضة بحيث تعاقد الطرفان على الهدوء دونما توقيع على ذلك تحت وطأة الأحداث الكبرى التي تشهدها المنطقة. وكانت حركة الشارع الاردني سجلت فتورا غريبا منذ فشل مسيرة المليون او ما اطلقت عليها المعارضة في حينه «الزحف المقدس» رغم كل ما يقوله نشطاء العمل النقابي والحزبي من انهم يقومون بفعاليات مستمرة، حيث تقتصر هذه الفعاليات على مشاركة ضئيلة من قبل الجمهور الذي يوصف بالمحبط. وهذا الركود غير متصل بما يحدث في الأراضي الفلسطينية من احداث دامية، وانما ايضا بالمتغيرات الاقتصادية على الساحة الأردنية كان اخرها حالة رفع اسعار 87 سلعة أي من هذه السلع لم تدفع أحدا لقول كلمة واحدة بصددها. اما على الصعيد البرلماني فان شيئا لا يدل حتى الان على ان الساحة الاردنية مقبلة بعد الثلاثة اشهر على مرحلة الانتخابات البرلمانية. والحديث في هذا السياق يستثني التحركات التي يقوم بها الملك عبدالله الثاني العاهل الاردني تلك المتعلقة بالتطورات الجارية على الساحة الفلسطينية والتي يقوم من خلالها بالتواصل مع الخارج من اجل عرض التصورات الاردنية حيال امكانية تهدئة المنطقة ووقف التسخين فيها. «بيان الاربعاء» راجع اراء عدد من الأوساط السياسية لمعرفة رأيهم في هذا الحالة فاجمعوا على ما وصفه البعض بالبيات الحركي على ان احدا منهم لم يجد شيئا ليقوله فيما يتعلق بعدم رفض أحد ـ علنا على الأقل ـ لما قامت به الحكومة من اجراءات رفع سلع ذات صلة حساسة بحياة كافة المواطنين.المحلل السياسي الاردني زياد ابو غنيمة من جهته أكد أن فتور المسار الرسمي امر لا يعد مستغربا، على أن الأمر المستهجن ان تشارك وتزاحم المعارضة العربية والإسلامية النظام العربي بهذا الصمت، لتقوم بدور اكثر ما يمكن وصفه بالتنفيس، مشيرا الى ان الحالة السياسية في المنطقة عمدت الى التأثير حتى على الحالة الداخلية في المملكة، مؤكدا انه لو كانت الأوضاع السياسية في المنطقة كما كانت عليه قبل الانتفاضة الفلسطينية لما جرت الامور في الاردن داخليا كما تجري الان من حيث القوانين المؤقتة ورفع الاسعار بصورة غير مسبوقة وغيرها من القضايا. ومن هنا يركز ابو غنيمة على الوضع الخارجي او بصورة اكثر تحديدا على ما يجري بالتواصل مع الساحة الفلسطينية. ويقول ان ابرز الاسباب الداعية الى هذا الفتور وفي الدرجة الاولى هو نجاح الحكومات العربية في «تدجين» المعارضة او على الأقل زعامات وقيادات المعارضة. وقال اذا كان الرهان على الانظمة خاسراً، فان الرهان على قيادات ما تسمى بالمعارضة العربية والإسلامية غير مجد. فيما يعد الرهان الحقيقي الأول على الشارع العربي نفسه. وينفي المحلل السياسي ردا على سؤال حول ان الشارع العربي بحاجة الى الزعامات والقيادات لتسييرها ان يكون المواطنون في الوطن العربي يلتمسون تسيير امورهم العامة من قبل هذه الزعامات الشعبية وقال ان جميع الثورات الناجحة بدأت بالجماهير وهي التي خلقت قيادات هذه الثورات، لافتا الى ان معظم الحركات الاسلامية والعربية اقترب عمرها من المئة عام ولم تنجح حتى الآن في تغيير اي نظام عربي، فيما اشار الى التجربة الفلسطينية التي خلقت فيها الجماهير قياداتها والتفت حولها دون التفات الى القيادات المعروفة. وفيما اذا كان قصد بقوله ان معظم المعارضة العربية مضى عليها ما يقارب من المئة عام دون ان تغير شيئاً اي جماعة الاخوان المسلمين التي استقال منها منذ فترة طويلة بعد ان كان ابرز قياداتها قال قصدت كل المعارضات العربية في الوطن العربي سواء القومية أو الاسلامية ومنهم الاخوان المسلمين، بالاضافة الى اليسار العربي. وتابع قائلاً: ان جميع حركات المعارضة على الساحة العربية فشلت في التناغم مع نبض الجماهير ولم تستطع قياداته القيام بأي تغيير. واضاف اعتقد ان المعارضة التي لا أشكك في اخلاصها وفي توجهاتها اذا ارادت فعلا التناغم مع غضب الجماهير عليها الانتقال مما يسمى بالمعارضة الى اسلوب عمل آخر غير هذا التخبط الذي تتعامل معه يوميا. وشدد ابو غنيمة على ان ركود عمل الحركات الحزبية في العالم العربي انما هو اختيار طوعي قبلت به تمشياً ـ دون سوء نية ـ مع الاملاءات الاميركية. ولكن في الوقت الذي لاحظنا فيه خروج المواطنين العرب والمسلمين والاوروبيين الى الشوارع احتجاجاً على ما يجري في فلسطين عند بدء الازمة والاجتياح نلاحظ الآن فتوراً شديداً لدى الجميع على الرغم من استمرار تصاعد حدة العنف في الاراضي الفلسطينية. يجيب ابو غنيمة على ذلك بالتأكيد على ان الشارع العربي لا يعتمله الفتور فالغضب بحسب المحلل السياسي ذاته يتزايد والاصرار على الدعم يتضاعف، لكن الجماهير احبطت من القيادات الحركية والحزبية بعدما كانت محبطة أصلاً من الأنظمة، فقامت حينها الجماهير على أساس اتكائها على زعامات المعارضة ولكنها لاحظت ان هذه الزعامات ليس في نيتها تقديم شيء وحين وجدت هذه الجماهير قيادات لا تتناغم مع نبضها احبطت، مشيرا إلى انه إذا ما عادت هذه الزعامات العودة من موقعها المستجيب للضغوطات الأميركية تعود في المقابل الجماهير إلى عنفوانها، وإلا فإن الأمر سيبقى على ما هو الى ان يبلغ الغضب مداه فينفجر دون استئذان. ورداً على سؤال حول قصده بقوله الأخير، وهل ما يعنيه ان هذه المرحلة إنما هي مرحلة الهدوء الذي يسبق العاصفة يؤكد أبو غنيمة على ان المنطقة العربية ينتابها هدوء ظاهري فإن المطلوب وما يقوم به الأميركيون هو ملاحقة كل صوت معارض للمشروع الصهيوني وللهيمنة الأميركية، مشيرا إلى ان ذلك دليل على انهم يخافون من القادم. وحول تعامل الاعلامي العربي مع ما يجري في فلسطين في هذه الفترة ومساهمة الاعلام العربي في تخفيض نسبة «التعاطف مع معاناة الشعب الفلسطيني أشار المحلل السياسي الأردني إلى الاملاءات الأميركية التي تتحدث عن ضرورة اجهاض مد التعاطف مع انتفاضة الأهل في فلسطين، معرباً عن أسفه ان الحركات العربية والاسلامية السياسية على امتداد الوطن العربي تجاوبت مع هذه الاملاءات باستثناء بعض المظاهر كما في حزب الله في لبنان وبعض الحركات الأخرى. وفي ذات السياق يؤكد المحلل السياسي الأردني ان الأميركيين يعرفون ان المنطقة في حالة تأهب وانتظار ليس إلا لهذا هم يخشون من ضرب العراق في هذه الفترة لئلا يعمل هذا التحرك للتحول إلى صاعق مفجر لغضب المواطن العربي فتنفلت الأمور. ويضيف: مخطئ من يظن ان أميركا تريد الضرب من أجل النظام العراقي أو من أجل سواد عيون بعض الدول العربية بل الضربة ستكون فقط لمصلحة التمدد الصهيوني والمشروع الصهيوني وذلك لأن العراق يشكل بكثرته العددية وبتاريخه العسكري تهديداً حقيقياً للمشروع الصهيوني تحت أي نظام حكم كان. خلدون الناصر الناطق الاعلامي باسم الحزب الوطني الدستوري يؤكد من جهته بروز هذا المشهد في الساحة الاردنية وقال في تصريحات خاصة لـ «البيان» ان الوضع الاقليمي وتوتراته والظروف التي ارتهنت اليها المنطقة دفعت الى حالة من التناقضات بحيث تشكل نوعاً من البيات الفكري والحركي لدى جميع التنظيمات والاحزاب بالاضافة الى نشطاء العمل الحزبي. الناصر اوضح ان العديد من الاسباب الداخلية والخارجية دفعت الى تشكيل هذه الحالة على انها كلها اجتمعت لتصب في خندق هذا البيات. واتهم الناطق الاعلامي السلطة الوطنية الفلسطينية بأنها دفعت بمواقفها المتخاذلة والمطاطية غير المرتكزة على ثابت محدد بالاضافة الى حالة الخنوع العربي ووضع المواطن العربي في بوتقة الذل بعد ان شعر بالعزة والكرامة في الفترة السابقة كل ذلك دعم هذه الفكرة. الأوساط السياسية الاردنية وعندما يطرح عليها محاور او اسئلة ذات علاقة بالداخل الاردني تجدها بصورة من الصور تعود في تقاطع ما للحديث عن القضية الفلسطينية وتفصيلاتها حتى فيما يتعلق بالانتخابات، وكان علينا لزاماً وهذه الحالة ان نسأل الناصر ألهذا الحد ترتبط الساحة الاردنية بالساحة الفلسطينية فأجاب أزعم ان احدا من الشعوب العربية لا يرتبط مع شعب آخر كما يرتبط الشعبان الاردني والفلسطيني مع بعضها البعض، مشيراً الى ان ذلك دعمه عدد من المعطيات والوقائع الموضوعية التي استحقت على مدى تاريخ طويل من العلاقة بين الشعبين ما يعني ان المتغافل لهذه الحقيقة لا يمكن له ان يصنع قراراً سياسياً او اجتماعياً او اقتصادياً له صلة بهذا الامر ويكون قراراً صحيحاً، ولكن ماذا عن القضايا الاردنية الداخلية ذات الصبغة والعمق المحلي ألم ترفع الحكومة اسعار 87 سلعة يعتبر عدد منها سلعا استراتيجية وخصوصاً للفقراء لماذا لم يتم رفع الصوت برفع هذا الاجراء حتى من قبل الاحزاب الاردنية المعارضة؟ واكثر من ذلك هل صحيح ان هذه الساحة ـ الاردنية ـ بالفعل ستشهد حراكا له علاقة بالانتخابات البرلمانية وذلك في اقل من ثلاثة اشهر فقط وعلى حد قول احد الصحفيين «هل هذا منظر ساحة يجري فيها انتخابات؟». اما عن القضية الاولى التي تتعلق برفع اسعار 87 سلعة فإن الناطق الاعلامي للحزب الوطني الدستوري يشير الى ان تفسير هذه الظاهرة له علاقة باستسلام المواطنين لصراع الغنى والفقر ومفهوم سيطرة رأس المال الفاحش على الحياة في هذه الساحة. اما فيما يتعلق بالانتخابات فإن الناصر يؤكد ان حالة الركود السياسي ستستمر حتى لو تم الاعلان عن موعد الانتخابات قريباً مؤكداً على انها ستكون انتخابات باهتة لا معنى لها، خصوصاً وان القانون المؤقت الذي وضعته الحكومة لهذه الانتخابات حولها لانتخابات حارات وأزقة وشوارع وليس انتخابات برلمانية يشارك بها كافة ابناء الوطن. واضاف المرشح الحقيقي الذي يمكن له ان يفوز في الانتخابات المقبلة هو مرشح المال، بحيث لا يكون للبرامج اي صلة. ولكن الى متى ستستمر الظاهرة؟ يقول الناصر الى ان يشير القرار الاميركي الى انتهائها منوهاً بأن المنطقة بأسرها اصبحت الآن اسيرة رحمة الاميركيين. ويعترف الناصر بأن الهدوء الجاري هدوء مخيف ومريب مشيراً الى انه لن يستخدم المصطلح المعروف بالقول انه الذي يسبق العاصفة ولكن يخشى انه كذلك.