منذ ان تفجرت مشكلة جنوب السودان عام 1955م واخترق إسماعيل الأزهري رئيس اول وزارة بعد الاستقلال حجاب التوتر الذي ساد البلاد والرصاص ينطلق من «توريت» احدى اكبر مدن الجنوب ليحصد ارواح الشماليين الأبرياء من الموظفين والتجار، ليعلن ذلك الزعيم ، انه سيحمل علماً ابيض ويذهب الى توريت ليفاوض المتمردين، منذ ان ادرك السودانيون ان القضية تم وضعها في حجمها الطبيعي، رغم الخسائر وان حلها سيكون سودانياً رغم غزارة الدماء والدموع. بعد ذلك هدأت الخواطر وجرت المحاكمات فيما يشبه العتاب بين الأشقاء الشماليين والجنوبيين، وكانت الطرق سالكة والتجارة منتعشة بين شطري السودان والرحلات لا تنقطع حتى ان كبار زعماء العالم استراحوا لايام في الجنوب ومنهم الزعيم القومي العربي جمال عبدالناصر الرئيس المصري الاسبق وتيتو رئيس الاتحاد اليوغسلافي الاسبق جوزيف، وامتد هذا السلام الى منتصف عهد الفريق ابراهيم عبود وهو اول نظام عسكري للبلاد، ولكن ما ان تم تلوين القضية بانها سباق بين الدعوة الاسلامية والتبشير المسيحي بدأ الصراع يتصاعد ولم يتوقف الا بعد ان فطن الحكم العسكري الثاني بقيادة المشير جعفر نميري الى تجاوز الصبغة الدينية وسبر اغوار القضية باعتبارها احقاقا لسلطة الجنوبيين اكثر منها صراع حضارات او ديانات. وكان يمكن ان تكتب الاستدامة لهذا الحل لولا المشاكل السياسية التي احاطت بنظام نميري وكان يلجأ لسياسة التحالفات التي انتهجها مع القوى السياسية والأحزاب المعارضة واستفاد من خبرتها في اضعاف الاخرين الى ان اكملت هذه التحالفات دورتها واصبحت كل تلك القوى خارج السلطة ووظفت معرفتها من الداخل مفاصل النظام الى اضعافه والاجهاز عليه بالانتفاضة الشعبية والعملية الفنية العسكرية.الى هذا التاريخ لم يعرف السودان اصدقاء او حلفاء لحركة التمرد والجنوب من الشماليين كما يحدث حالياً مع حركة قرنق التي تعاطف معها بعض الشيوعيين عندما كانت ترفع شعارات الماركسية حينما كان يدعمها نظام منفستو هيراماريام حاكم اثيوبيا المخلوع الذي كان واقعا تحت سيطرة الاتحاد السوفييتي. وعندما انهار نظام منفستو تراجعت حركة التمرد الى دول اخرى محيطة بجنوب السودان لها علاقة باوروبا واميركا. وقامت الحركة بتوظيف هذه العلاقة مع الغرب بعد انهيار الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية. ورغم هذا التطور لم تفقد الحركة اصدقاءها من الشيوعيين الذين تمكنوا من توظيف تجمع المعارضة الشمالية لصالح قضيتها. ويدعم هذا الخط عناصر ماركسية تسيطر على بعض مفاصل النقابات التي تشكل احد أضلاع تجمع المعارضة، وكذلك بعض كتاب الأعمدة في الصحف العربية المهاجرة وبعض الصحفيين في بعض الصحف العربية. وقد وجد هؤلاء فرصتهم الذهبية لتعميق هذا الخط عندما قامت الحكومة الحالية في سنواتها الاولى باعلان «الجهاد» للقضاء على حركة التمرد مما احدث تحولاً في أوساط اقليمية وعالمية مؤثرة والمنظمات الدولية باتجاه التأييد الشامل والدعم للحركة ووفر لها جرعات من الحيوية لم تكن تحلم بها مما جعلها تنقل مطلبها التاريخي من الحكم الاقليمي الى الانفصال.في هذه المرحلة تساوى وسط الشماليين خطأ نهج «الجهاد» مع خط المطالبة بالانفصال وفقدت حركة التمرد العطف الذي وجدته من البعض عندما علا صوت الجهاد في الجنوب على شعار السلام واصبح الكثيرون من اصدقاء التمرد في موقف حرج وبخاصة الذين في صفوف المعارضة. وتعمق هذا الحرج عندما وقفت مصر بصلابة ضد الانفصال للمحافظة على مصالحها الحيوية في تدفقات مياه النيل. وتراجع هذا الحرج الى درجة الصفر في اوساط قوى سياسية كثيرة بعد ان أعلنت اميركا في مذكرة مبعوث البيت الابيض للسلام في السودان «دانفورث» بان الادارة الاميركية ضد انفصال جنوب السودان. ومع ذلك مازالت قلة من اصدقاء حركة قرنق الذين اشرنا لهم سلفاً يقومون بتقديم مساهمات خجولة لها لدعم خطها المتشدد لتصعيد الحرب والاصرار على خروقات اتفاقيات وقف اطلاق النار وتهديد تدفقات البترول والتصلب في المفاوضات المتقطعة بحثاً عن السلام. ولاشك ان التاريخ لن يرحم هؤلاء الذين كان يفترض ان يقدموا النصح والمشورة للمتمردين بالجنوح الى خط الوفاق المطروح في الساحة السودانية، والذي وجد استجابة من الحكومة السودانية وكافة القوى السياسية تقريباً بينما لم تزل حركة التمرد تناور حول هذا الموضوع، والتاريخ ينبيء بأن أصدقاء حركة قرنق لن يحصدوا سوى الثمار المرة عندما تصل البلاد الى مرافيء السلام.