من الواضح أن لعبة رفض «الدولة المؤقتة» قد استهوت قادة فضائيات هذا الزمان . كان هناك إلتباس ما في الترجمة أو في التصريح. إذ أن الإتجاه لدى إدارة بوش ، بعدما إقترب من حسم الأمور نحو شيء من أطروحات كولن باول مع إبقاء هامش من الإتفاق مع دونالد رامسفيلد وديك تشيني: القوي والمتشدد رغم أنه نائب الرئيس وحيث لا صلاحيات أساسية له بموجب القانون، الإتجاه هو الإعلان عن دولة فلسطينية مع نهاية المؤتمر الدولي أو الإقليمي تكون حدودها مؤقتة وتتفاوض مع إسرائيل: مفاوضات بين دولتين مستقلتين لتخطيط الحدود، لكن الدولة ليست مؤقتة، إذ لا يوجد مثل هذا الوضع لا في القانون الدولي ولا في حقائق التاريخ: القديم والوسيط والمعاصر. قادة الفضائيات الذين أدمنوا على رفض كل شيء تمسكوا بهذا الإلتباس وقاتلوا أشباحاً كما يفعلون في حالات عديدة ورفضوا «الدولة المؤقتة» التي لم تتحدث عنها أحد. الفكرة التي تبلورت في تفاهمات بيريز أبو العلاء وقد وافقت عليها في حينه القيادة الفلسطينية بإستثناء صائب عريقات، نتحدث عن دولة تقام خلال ثمانية أسابيع على أراضي أ،ب وربما يحدث إنسحاب ثالث، نبضة ثالثة كانت مقررة في إتفاقات أوسلو وطابا والقاهرة وواي ريفر وشرم الشيخ، وجرفتها التطورات العاصفة. ثم تفاوض هذه الدولة على حدودها النهائية. الخلاف الذي نشأ في حينه، وسينشأ إذا تضمنت رؤية بوش نفس تفاهمات بيريز أبو العلاء التي تحمّس لها في حينه السفير الأميركي في تل أبيب، هو أن المطلب الفلسطيني يتلخص في ضرورة الإقرار المسبق بأن حدود الرابع من حزيران 1967م هي الحدود النهائية من حيث المبدأ للدولة العتيدة، ويتم بعد ذلك تعديلات حدودية متبادلة متساوية في القيمة والمساحة. بيريز لم يستطع إعلان ذلك صراحة وفضل أن يكون تفاهماً غير مكتوب بضمانات أوروبية الإتجاه لدى إدارة بوش أن تتساوق الحدود النهائية مع قرارات الشرعية الدولية: 242،338. شارون لا يمانع في ذلك لأن لديه تفسيره للقرار 242 الذي نشره في «النيويورك تايمز» عشية وصوله واشنطن في زيارته الأخيرة، وهو متطابق مع تفسير إسحق شامير حين ذهب لمؤتمر مدريد 1991م على أساس القرار 242 الذي لا يعني عند شامير أو شارون الإنسحاب من جميع الأراضي المحتلة بعد حزيران 1967م بل الإنسحاب من أراضٍ حسب النص الإنجليزي للقرار الصادر بعد أسابيع من تلك الحرب الحزيرانية وهو مخالف للنّص الفرنسي الذي صوت عليه في حينه العرب والإتحاد السوفييتي وأصدقاؤهم والذي ينّص على الإنسحاب من الأراضي المحتلة «وليس أراضٍ محتلة». شارون يصر على مرحلة إنتقالية طويلة الأمد حتى لايكون في السلطة وهو في الرابعة والسبعين من العمر الآن، وحتى لا يكون مضطراً لتنازلات كبرى «حسب مفهومه للتنازلات» سيفرضها المجتمع الدولي الذي يقترب من قبول فكرة «فرض الحّل»، وتقترب أطراف في الولايات المتحدة الأميركية وفي إسرائيل ذاتها من قبول الفكرة أمام صعوبة التفاوض الثنائي نظراً لسيول الدماء التي تفصل بين الشعبين: الإسرائيلي والفلسطيني. لدي شعور أن عرفات لا يريد هو الآخر أن يوقع في حياته على إتفاق نهائي ينهي الصراع التاريخي بحلول مؤلمة يشرب معها كل طرف نصف الكأس المرّ والصعب المذاق. كانت لديه طوال وقت التفاوض في كامب ديفيد وفي طابا هاجس التوقيع على إنهاء الصراع. قلت له في حينه، إن الصراع لا ينتهي بالتوقيع على ورقة. لقد وقعوا بعد الحرب العالمية الأولى على إنهاء الصراع ومهر الألمان الأوراق المتضمنة طيّ صفحة التاريخ بتواقيعهم، ومع ذلك إندلعت الحرب العالمية الثانية بعد أقل من ثلاثة عقود على نهاية الحرب الكونية الأولى، رغم ورقة إنهاء الصراع. بعد الحرب العالمية الثانية لم يوقع الألمان على ورقة إنهاء الصراع ولم تنشب حرب عالمية ثالثة لأن الصراع قد إجتثوا جذوره. هذا هو المقياس. إذا توصلنا لسلام عادل ومستقر وقادر على الديمومة وتقبل به الاجيال القادمة فإن التوقيع أو عدم التوقيع على عبارة إنهاء الصراع الذي كان ياسر عرفات مهموماً بالبحث عن كلمات غامضة لتوصيفه، يصبح بلا معنى. الألمان وحين إندفعوا للحرب الكونية الثانية لم يكلفوا أنفسهم جمع قانونيين للإفتاء لأسباب مخالفة الإتفاق 1918م الذي ينص على إنهاء الحروب. نحن إذن مقبلون، في أحسن الأحوال، على دولة تقيمها فوق نصف أراضي الضفة وغزة، وستفاوض حول حدودها النهائية بضع سنوات وربما أكثر من ذلك. كان مطروحاً علينا دولة فوق 96% من الأراضي مع تبادل أراضي 2% وعاصمتها القدس مع إزالة مئة مستوطنة، والخيارات الخمسة لكل لاجئ فلسطيني ورفضنا الصفقة. ومع ذلك يتجرأ بعض هؤلاء الذين أضاعوا علينا الفرصة التاريخية بإنكار كل هذه الحقائق. حسب المذكرات المنشورة، فإنّ المفاوضين الفلسطينيين أبلغوا نظراءهم الإسرائيليين في حينه، أننا أمام فرصة تاريخية، يجب أن نستقيل ويحاكمنا الشعب الفلسطيني إذا فشلنا في إستثمارها. لماذا لم يفعلوا ذلك؟