قبل عام من الآن أطلق برنامج الأمن العالمي الذي انشيء ضمن مركز الدراسات الإستراتيجية في واشنطن، دزينتين من الدراسات والأبحاث ركزت على السبل الكفيلة بتحقيق ضمانات ضد التهديد عبر الحدود الذي اكد عليه مرارا الرئيس الأميركي جورج بوش منذ ماقبل دخوله البيت الأبيض. وضعت هذه الدراسات ماسمي بالإستراتيجية الجديدة والتي لم نسمع عنها إلا بعد اندلاع حرب الإرهاب رغم ان هذه الدراسات أنجزت قبل احداث سبتمبر السوداء، واستندت أهداف هذه الإستراتيجية بشكل رئيسي الى ماجاء في تقرير جورج تينيت رئيس المخابرات الأميركية السابق لسنة 2000 حيث حدد بشكل رئيسي مصادر القلق الأميركي والذي مثله مفهوم فضفاض له اليوم عنوان كبير هو «الإرهاب»، فالدراسات حددت مصادر الخطر ضد أميركا ب: الإرهاب، انتشار اسلحة الدمار الشامل، تراجع دعم الحلفاء، وتطور القدرات القتالية لدى دول كثيرة ومنها من تطمح لدخول النادي النووي، وكما نرى هي ليست جديدة قدر كونها أخرجت من جعبة الجمهوريين لبناء سياسة لمن ليس لديه سياسة واضحة. الباحثون الأميركيون كانوا يرسمون الخطى الأميركية في عالم ملغوم بالكره للمارينز الأميركي أو كما يطلق عليهم بذوي القبعات الخضر، ويفصلون السبل الكفيلة بحماية ارض تحولت من ملاذ آمن كما كان يحلو للبعض القول، ومن أرض الأحلام الى جحيم لايطاق، ومع هذه الخطى وضعوا لافتات عريضة لما لايجب ان يفعله العالم كي يأمن الأميركيون وحدهم دون سواهم. ما أطلق عليه بالإستراتيجية الجديدة، ينظر للآخرين من منطلق الإنفراد بالقوة ومن منطلق الخوف الذي ساد كل من أشر موقعه خارج دائرة الظل الأميركي ورفع شراع العصيان لمنطق الهيمنة الأميركية، وهو بالتالي يرى في حيازة السلاح المتقدم تكنولوجيا وفي تحويل القدرات الدفاعية العسكرية التقليدية الى قدرات غير تقليدية حق اميركي محض لايمكن ان يكون لغير أميركا. ولتمكين ذلك من التحقيق شرعت السياسة الأميركية بوضع لوائح للدول والمنظمات العدوة لها أو بشكل أدق ووفقا لسياسة القرن الجديد الدول التي لم تكن «مع أميركا» اذا ماتذكرنا خطاب بوش عشية انهيار ابراج التجارة العالمية في مانهاتن «من لم يكن معنا فهو ضدنا» ،هذا التخصيص الذي تجاهل عامدا دور الحياد وعدم الإنحياز وعدم الرغبة في التدخل وهو مبدأ سياسي مازالت الكثير من الدول تنهجه. ومن سياسة الإحتواء التي سادت حقبة مابعد الحرب العالمية الثانية ، مرورا بنظريات الردع والتوازن النووي ووصولا الى سياسة الهجمات الوقائية الأخيرة التي يروج لها الرئيس الأميركي الحالي، يمر علينا سرب طويل من قائمة المصالح والأهداف الأميركية التي حققتها هذه الإستراتيجيات والتي هي بصدد تحقيقها. وفي الواقع إن الاستراتيجية الاميركية وسياستها الخارجية والعسكرية أمر شديد التعقيد، مثلما هو شديد التعقيد أمر اتخاذ القرار الأميركي الذي يحكمه دستور وصف بأنه اعجب وثيقة في تاريخ العالم السياسي، إذ كان ثمرة سلسلة من الحلول الوسطى الصعبة كما كان اتفاقات سياسية. اسئلة كثيرة تبرز وتبحث عن إجاباتها، وفي خضم حقائق كثيرة وتعقيدات سياسية كثيرة، يزيدها التخبط الذي يصيب الإدارة الأميركية التي مازال الكثيرون يؤكدون انها إدارة جاهلة. وبالطبع فان الإستراتيجيات الأميركية تتأثر بعوامل كثيرة لكنها لاتتغير ويمكن ملاحظة ان التغيرات الهيكلية التي شهدها النظام الدولي منذ انتهاء الحرب الباردة، وانهيار الاتحاد السوفييتي، دفعت بصانعي القرار الأميركي إلى إعادة تقويم وترتيب منظومة مصالحهم وأولوياتهم القومية. ورغم تباين الاتجاهات والأفكار المطروحة في هذا الصدد بضمنها ما يخص قادة الرأي في المجتمع الأميركي، فان ثمة اتفاقا على ضرورة دفع ودعم دور ومكانة الولايات المتحدة في شتى أنحاء العالم. لقد عمدت أميركا بناءً على ذلك إلى تهميش دول ومناطق إقليمية كاملة في منظومة التفاعلات الدولية مما سمح لبعض دوائر صنع القرار في الإدارة الاميركية الملتزمة بنشر القيم والمبادئ الاميركية بطرح رؤية أميركية جديدة تجاه هذه المناطق أو الدول ترمي إلى دمجها في منظومة الاقتصاد العالمي وتحويل قناعاتها الأيديولوجية باتجاه مبادئ الفلسفة الليبرالية. كانت هذه سياسة الولايات المتحدة تجاه معظم دول العالم وقاراته بعد تغير الأوضاع الدولية والإقليمية بزوال مناخ الحرب الباردة وظهور الولايات المتحدة كقوة عظمى تحاول بسط هيمنتها على النظام الدولي الجديد، ولذا فقد ولت الخطوط الإرشادية التي كانت تحكم الرؤية الاميركية وبقيت الإدارة الاميركية تبحث عن رؤية جديدة تؤسس لعلاقاتها مع العالم ومن هنا نجد هاجس التغيير او صياغة إستراتيجية جديدة يؤرق القادة الذين تلوا ريغان ولم يستطع أحد منهم ان يضيف جديدا، فالمصالح هي المصالح القديمة نفسها أضيف اليها مكاسب الحروب التسعينية وفوائد انتهاء الحرب الباردة التي منحت الولايات المتحدة انفرادا على الساحة الدولية. عناصر كثيرة تشكل أركان السياسة الاميركية الجديدة، لكن أهمها أخطرها هو ما يتعلق بالسياسة الخارجية الاميركية والسياسة العسكرية والتي شكلت عماد سياسة الرئيس الحالي جورج دبليو بوش. فقدربط بوش بين هذين العنصرين على اعتبار أن أحدهما يكمل الآخر، ونلمس ذلك في كثير من تصريحاته التي أشرت ذلك ومنها على سبيل المثال قوله: «أن السياسة الخارجية يجب أن تخدم خلال السنوات المقبلة مصالحنا الوطنية، وان تعمل إدارتنا مع حلفائنا في أوروبا والشرق الأقصى، سندافع عن مصالح أميركا في الخليج العربي وسنشجع على سلام دائم في الشرق الأوسط أساسه أمن إسرائيل، وان نفوذ الولايات المتحدة ليس له منافس». تربط السياسة الاميركية الجديدة بين مصالح أميركا بالاقتصاد وبالدفاع بروابط تسمى أولويات وتشير إلى انه يمكن انجاز ذلك بالتركيز على مصالح قومية ثابتة وان على أي رئيس أميركي أن يعمل مع حلفاء أميركا الديمقراطيين الاقوياء في أوروبا وآسيا لتوسيع ما سمي برقعة السلام ورقعة التجارة الدولية معا. وعليه فان وجوب الدفاع عن مصالح أميركا في منطقة الخليج ودعم عملية السلام في الشرق الأوسط تستند على أساس ضمان أمن إسرائيل، وكبح «جماح الانتشار المعدي في أسلحة الدمار الشامل ووسائل إطلاقها» وان تقود أميركا التحرك نحو عالم يتاجر بحرية ولكن تحت مظلتها. وعود على بدء، فإن الإستراتيجية الجديدة تركز على قضية إقامة الدرع الدفاعية الصاروخية التي كانت ومازالت الهاجس الذي يؤرق بوش ويعده إنجازه الذي يجب ان يتم قبل رحيله، ومازاد سوى ان أميركا نجحت في إيجاد مبرر لإقامته بعد ان رفض العالم ذلك وأضافت اليه عنصر الرعب من احتمالات كثيرة قد تحدث وقد لاتحدث، وقد تكون وهما في الذهن الأميركي المريض، ويكفي ان نسترشد بقول كوندوليزا رايس: «استباق فعل التدمير الذي يمكن ان يقوم به عدو ضدك». رايس نفسها اشارت الى انها سياسة خارجية دون ان تؤكد على انها فعل سيحدث داخل أميركا، بمعنى ان استراتيجية التحرك الوقائي تهدف الى تدمير أعداء اميركا خارجا وذلك يتضمن شن حروب خارجية لا الدفاع عن اميركا وعن داخلها وامن ذلك الداخل، وبوش يستعجل إطلاق ما اسماه بالإستراتيجية الجديدة لكي لايفطن أحد الى ماوراء ذلك. ونجده يؤكد انه لن ينتظر التهديد فيقول في البرلمان الألماني: «إذا انتظرنا الى ان يتحقق التهديد فسننتظر طويلا» وذلك يؤكد انه لايوجد تهديد حقيقي أو بمعنى آخر إنه قد لايتحقق وهكذا نرى ان مبررات أميركا زائفة ككل شيء فيها بدءا من مباديء غير حقيقية وانتهاء بادعاءات الحفاظ على السلم والأمن العالميين. وبالطبع فإن الولايات المتحدة لن تحتاج إذا ما أطلقت الإستراتيجية الجديدة الى موافقة مجلس الأمن أو المنظمة الدولية للقيام بأي فعل عسكري بدعوى التحرك الوقائي واستباق سوء النية ضد أميركا، ويكفي ان نتذكر ان أحدا اذا ما فكر لمجرد التفكير بانه ضد الرغبة الأميركية فلا يستغرب إن شنت أميركا برمتها حربا ضده أو اقتادته الى قاعدة غوانتانامو أو أطلقت خططها السرية والمعلنة لاغتياله، انه منطق عنصري صهيوني بحت سينقلب على اميركا نفسها ولاعزاء للضعفاء..... ل.ع