شغلت الاستراتيجية الأميركية العالم منذ وضعت، وأرقت المعسكر المعادي للولايات المتحدة عقوداً طويلة من الزمن، دفعت خلالها الدول التي وقعت بين معسكري الحرب الباردة أثمانا باهظة. و رغم أن الاستراتيجية الأميركية وقعت في أزمة عام 1998، لكن أحداً لايستطيع القول أن هذه الاستراتيجية قد تغيرت منذ قدم جورج كينان عام 1947 أسسها الواضحة و التي تركزت على مفهوم الاحتواء أو بمعنى أدق «نظرية الاحتواء». وليس المقصود بذلك أنه لم تكن لأميركا قبل ذلك خطط إستراتيجية ولكن يمكن القول أن الاستراتيجية الأميركية وضعت خططها الثابتة وبنيت على أسس علمية و دقيقة على يد كينان بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية، حيث ظهرت هناك الحاجة لحماية المصالح الأميركية و مصالح حلفائها من التهديد الذي شكله المعسكر المعادي بعد أن قسمت الحرب العالمية الثانية العالم إلى نصفين، اشتراكي ورأسمالي. ارتبطت السياسة الخارجية الأميركية باستراتيجية صممت و وضعت لتواجه ما أسمته بالتهديد الذي تمثله الدول الشيوعية الحليفة للاتحاد السوفييتي وهو العدو الأول لأميركا، ومن هنا جاء المزج بين معنى السياسة و معنى الاستراتيجية رغم أنهما يختلفان في المضمون والتعريف. وبشكل طبيعي استندت هذه الإستراتيجية للمفاهيم مختلفة لتجد لنفسها مبررا للوجود جميعها ارتبط بمصطلح الإخضاع أو التركيع الذي وجد لنفسه مرتعا خصبا في البيت الأميركي وفي العنجهية الأميركية التي تطمح للإنفراد بقيادة العالم. ومع إطلالة عقد جديد وعهد رئاسي جديد دشن الألفية الثالثة وجدنا نزوعا أميركيا لصياغة إستراتيجية جديدة تنبني على العناصر القديمة نفسها مضافا اليها فوائد عالم مابعد الحرب الباردة وبترتيب جديد للأولويات حلا للرئيس الاميركي الحالي تسميتها باستراتيجية التحرك الوقائي. كيف نقرأ السياسة الأميركية الجديدة في إطار صناعتها القديمة وأهدافها الحالية والمستقبلية وفي ضوء التغيرات الدولية منذ انتهاء الحرب الباردة وماأفرزته من حرب الإرهاب؟ ماهي عناصر الإستراتيجية الأميركية للسنوات المقبلة في ظل حكومة عمادها جنرالات الحروب الأميركية، وكيف نفهم الإصرار الأميركي على تسويق فكرة التحرك الوقائي أو الدفاع عن الأمن القومي التي تشكل سمة القرن الجديد لعقد على الأقل؟ بتراجع التأييد للولايات المتحدة بعد أن خفتت الدعوات للإنتقام الذي قادته الأخيرة ضد ماأسمته بالإرهاب وجدنا جورج بوش الرئيس الأميركي ينزع باتجاه إطلاق ما اسماه بسياسة جديدة واستراتيجية عسكرية تستند الى تحرك عسكري وقائي بهدف منع اي تهديد بالإرهاب أو تدمير الدول الأعداء لأميركا وسياساتها. وفي حملة دعائية كبيرة هدفت لحرف الإنتباه عن القضية الفلسطينية وإعادة التركيز على حرب اميركا ضد العراق والدول التي اسمتها الولايات المتحدة بالمارقة، تم التسويق لإستراتيجية جديدة نسبت الى جورج بوش الرئيس الأميركي الذي اشار في اكثر من مرة الى انه يريد وضع نظام امني جديد يتناسب مع مكانة الولايات المتحدة الجديدة وعالمها الجديد بمتغيراته التي تفترض وجود من يهدد «الأمة الأميركية» كما يقول بوش، رغم إن أميركا ليست باي حال أمة إذ لاتوجد عناصر الأمة الواحدة فيها لتعدد وتنوع أعراقها وتاريخهم وثقافاتهم وهم أقرب الى خليط من الشعوب المندغمة منها الى أمة.وبشكل عام لانستطيع ان نفهم الإستراتيجية الأميركية دون المرور بظروف نشأتها وتطورها واسباب هذه النشأة وهذا التطور، لكي نتمكن من الولوج الى أهداف الأستراتيجية الأميركية ونوازعها وحاضرها ومستقبلها. وبشكل عام كانت الأستراتيجية الأميركية قبل عام 1947 لاتستند الى اسس ثابتة وكانت مزيجا من الخطط العسكرية التي دافعت عن فكرة إقامة دولة فيدرالية تلم الولايات المشكلة لها تحت جناح دستور وهيكل، ودخلت الحرب العالمية الثانية خلوا من أية استراتيجيات سوى الإنضمام الى ركب الدول الكبيرة فاشتركت في الأحلاف التي قامت ضد المعسكر النازي آنذاك. ويعد جورج كينان أول من وضع استراتيجية استندت على اسس عام 1947 واعتمدت على نظرية الإحتواء، رغم انه كانت لأميركا قبل ذلك خططا استراتيجية، لكن كينان هو من وضع لها أسسا علمية ودقيقة بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية. وأهم أسس هذه الاستراتيجية كانت مواجهة ما وصفه صانعو السياسة الأميركية بالتهديد الذي أخذ أشكالا مختلفة، ففي أيام الحرب الباردة كان يعني مواجهة الاتحاد السوفييتي وبعد الحرب الباردة أخذ مفاهيم وأشكالاً أخرى مثل «الدول المارقة، الإرهاب، والإسلام الأصولي»، وهم جميعاً في المفهوم الأميركي يعنون «أعداء المصالح الأميركية». ارتبطت السياسة الخارجية الأميركية باستراتيجية صممت لمواجهة هذه التهديدات وترافق ذلك بتصعيد في ابتكار ووضع استراتيجيات مثل الردع ومكافحة الإرهاب، الدرع الدفاعي الصاروخي، وأخيرا استراتيجية التحرك الوقائي التي يريد إطلاقها الرئيس الأميركي الحالي. أوكلت الولايات المتحدة الأميركية للقوات العسكرية مهمة مواجهة المعسكر الشيوعي بعد الحرب العالمية الثانية بهدف وقف التوسع والمد الشيوعي ولكن الدراسات أثبتت ان هدف الإستراتيجية الأميركية لم يكن المد الشيوعي بحد ذاته منذ هدفت للحفاظ على مصالحها في بقاع العالم المختلفة،والتي اصطلحت على تسميتها «بمناطق الديون القومية» وهي المناطق التي التزمت تجاهها أميركا دفاعاً عن المصالح الأميركية. واستندت السياسات الأميركية التي توالت بتوالي الإدارات متنقلة بين جمهوريين وديمقراطيين إلى فكرة البقاء كأساس للاستراتيجية الكونية الأميركية، فتدرجت من كونها مشروعاً سياسياً للدفاع القومي إلى مشروع يهدف لإلحاق الهزيمة بالإرهاب الدولي. وبالطبع وضعت مصطلحات كثيرة لإنفاذ هذه الإستراتيجية منها الردع والردع المتوازن، الإخضاع والتركيع، وغيرها مما مهد للسلوك السياسي الأميركي وأخذت هذه المصطلحات تنويعات مختلفة وعنت مفاهيم متنوعة لتفسير الرؤية الأميركية للنظريات التي سادت العالم على امتداد نصف قرن من الزمان، فكيف نظر الأميركيون لهذه النظريات؟ بدءا لابد من القول ان استراتيجية الردع سادت لفترة طويلة منطق الفعل السياسي الأميركي وعليها بنيت الترسانة الضخمة التي جاءت نتيجة للحرب الباردة وسباق التسلح النووي. واستراتيجية الردع تعتمد على منطق الرد بهجوم مدمر على فعل عسكري نووي يهدف للتدمير، ووفق ويدي وولت الخبير الإستراتيجي الأميركي فان استراتيجية الردع هي ركوب الموجة إذ يقول: «عندما تواجه تهديدا خارجيا كبيرا فان الدول اما ان توازن موقفها او تركب الموجة»، ويعني بركوب الموجة الانحياز إلى مصدر الخطر. فهناك إذن فرصتان مميزتان حول كيفية اختيار الدول لشركائها في التحالف يمكن تعريفهما بناء على موقفها ضد التهديد الخارجي والرئيسي أو معه وهما: ـ الموقف المتوازن «التحالف مع الآخرين في مواجهة التهديد الماثل». ـ وركوب الموجة. وهناك مصطلح آخر يندرج تحت مفهوم الردع هو «الاكراه»، ويعرفه بول هاث وبروس راسيت بأنه: «محاولة من صانعي القرار في دولة ما لاجبار صانعي القرار في دولة اخرى على التجاوب مع مطالب الدولة الاولى بما في ذلك على سبيل المثال لا الحصر، المطالب المتعلقة بأجراء تم اتخاذه عن طريق استخدام التهديد أو تطبيق العقوبات». اما الإكراه فيعرفه جاك ليفي بأنه استخدام التهديدات لحث الخصم على فعل شيء أو التوقف عن فعل شيء وليس الامتناع عن فعل شيء لم يقم به بعد، وهنا يشير الإستراتيجيون الى ان هذه النظرية أو هذا التعريف يعد جوهر نظرية الإحتواء الشهيرة. سادت نظرية الاحتواء في السنين التي تلت الحرب العالمية الثانية، وعدت الاستراتيجية الاميركية في حقبة الحرب الباردة، و قد تعاملت هذه الاستراتيجية مع العالم في حقبة ثنائية الأقطاب: الولايات المتحدة وحلفاؤها ضد الاتحاد السوفييتي وحلفائه، وكانت تهدف لمنع الاتحاد السوفييتي من توسيع مدى تأثيره ليس فقط في نطاق الولايات المتحدة وحلفائها وانما أيضاً في نطاق الدول غير الحليفة معها أيضاً. و كدعم لهذه الاستراتيجية أوكلت الولايات المتحدة للقوات العسكرية وقف التوسع الشيوعي في كوريا و فيتنام، و تحت هذه الاستراتيجية واجهت الولايات المتحدة قيادات التمرد الشيوعي في عدد من دول العالم المتطورة، كما دعمت المجاهدين الأفغان في حربهم ضد الجيش السوفييتي الذي أحتل أفغانستان في الثمانينيات. ونجد في تعريف السياسيين الأميركيين لهذه النظرية أن السياسة الخارجية ارتبطت بالاستراتيجية الأميركية في تحقيق هدف واحد هو القضاء على المد الشيوعي، و لكن المد الشيوعي بحد ذاته كان هدفاً فرعياً لأن الهدف الحقيقي للإستراتيجية الأميركية كان الحفاظ على مصالحها في بقاع العالم المختلفة، و ليس غريباً أن نجد صناع السياسة الأميركية يضعون على جدران مكاتبهم خرائط تضم أكثر من أربعين بلداً تمثل المصالح الأميركية مثلما تمثل ما أسمته الولايات بمناطق الديون القومية بمعنى المناطق التي التزمت تجاهها أميركا بالدفاع عنها دفاعاً عن مصالحها هي. و قبل الدخول في هدف الإستراتيجية الأميركية بعد انتهاء الاتحاد السوفييتي وانتهاء الحرب الباردة بدورها، ينبغي المرور بصياغات الاستراتيجية الأميركية وزمنها، مثلما ينبغي تحديد مفردات هذه الاستراتيجية قبل وبعد الحرب الباردة، ليتسنى لنا المقارنة بين الزمنين في إطار محاولتنا إثبات تغير الاستراتيجية الأميركية من عدمه وينبغي ايضاً المرور عبر مفهوم الإستراتيجية و ما يتعلق به من مصطلحات، و عناصر لهذه الإستراتيجية من ثوابت ومتغيرات والتي تشكل جوهر المصالح الأميركية. الدفاع القومي تعتبر فكرة البقاء أساسا للاستراتيجية الكونية الأميركية التي تدرجت من كونها مشروعاً سياسياً للدفاع القومي مروراً بضرورات الردع، والدفاع عن الأمن القومي وصولاً إلى استراتيجية إلحاق الهزيمة بالإرهاب الدولي. لقد أعتمدت السياسة الخارجية الأميركية في تحقيق أهدافها الإستراتيجية دائماً على سياسة دفاعية، لمواجهة التهديد الذي تجلى في صور كثيرة لعل أخطرها كان اثنان: ـ الاتحاد السوفييتي «1945 ـ 1991» ـ استخدام النفط كسلاح «1973 ـ 1991» ونجد أن عام 1991 قد حسم الكثير من مشاكل أميركا لتتفرغ بعدها إلى تحقيق مشروعها في الأمن القومي أو لنقل المشروع الكوني الذي هو هدف استراتيجيتها منذ وضعت هذه الاستراتيجية. والاستراتيجية في أدبيات كثيره هي فن توظيف عناصر القوة للأمة أو الأمم لتحقيق أهداف الأمة أو التحالف في السلم و الحرب. وهو أيضا فن القيادة العسكرية في ساحة المعركة، ومن هنا نجد الربط بين الاستراتيجية وقوة الدفاع. وبشكل نظري فإن التخطيط الاستراتيجي يرجع للمصالح القومية و هو تعبير يعني بشكل عام المصالح الأكثر حيوية بالنسبة للأمة، و قد أعيد تعريف المصالح القومية مراراً عبر العقود الماضية، ليعطي للاستراتيجية ومفهومها أبعادا أكيدة. وفي تعريف لمركز الدراسات الاستراتيجية ومقره جنيف ينظر للاستراتيجية على أنها «نظرة عمل لتصميم وبناء حاضر يتيح إنجاز أهداف في المستقبل، بمعنى أنها تستوعب مستقبلها فتشرع إليه من حاضرها، فهي عملية خلق معطيات الواقع على الجملة، و هنا بالذات تظهر الحاجة إلى التحليل و التأمل و ملاحقة الظواهر و إخضاعها للربط المتفاعل و ليس الربط المجزأ والآلي». ورغم أن الاستراتيجية لا تسير حسب قواعد ثابتة إلا انه كما يقال لا مبدأ ثابت في الاستراتيجية سوى مبدأ ثباتها، فهي تستلزم استيعاب حكم الضرورة المطالبة بالتغيير. تعني الاستراتيجية أولاً واخيراً بالوسائل ومنطق ذلك مقرون بحقيقتين جديدتين هما: ـ الأهداف المتوخاة. ـ و القدرة. و كلتاهما تخضعان للسياسة، فهي التي ترسم الأهداف وتسخر القدرات. سعى الرؤساء الأميركيون وفق استراتيجية وضعت بعد انتهاء الحرب العالمية الثانية وبدء حقبة الحرب الباردة التي امتدت طوال خمسين عاما، وهدفت إلى خلق تحالفات استراتيجية لضمان تحقيق مصالحها بعيدا عن سياسة الحروب وسباقات التسلح. وسعت الولايات المتحدة منذ الخمسينيات لوضع سياسة قومية متماسكة، تماشيا مع مبدأ ترومان إلى توضيح سياسة الاحتواء والاعتراف بالحرب الباردة كوضع من أوضاع العلاقات الدولية. وقام ايزنهاور بتحديد تلك السياسة مؤكداً على الرد الشامل، واعترفت الإدارة الأميركية منذ كيندي حتى جونسون بالاستراتيجية الاندفاعية التي هدفت للتوازن النووي بين الاتحاد السوفييتي و الولايات المتحدة، وهو مبدأ نيكسون الذي تابع الرئيس فورد الالتزام به في التفاوض مع الخصوم المحتملين و طرح مبدأ الشراكة مع الأصدقاء و الحلفاء. وحدد صناع السياسة الاميركية تلك الأهداف بخلق ماسمي بالردع مروجين إلى أن المجتمع الدولي يواجه وضعاً مخيفاً تمثل في الترسانة النووية السوفييتية، وان الأمر اصبح يستلزم التفكير في إيجاد طرق فاعلة للحفاظ على السلم العالمي، وظهرت اتفاقيات سالت التي مهدت لفكرة الحد من التسلح والتي تجاوزتها السياسة الاميركية مطلع هذا القرن ودعت الى نبذ الاتفاقات القديمة، ولتجاوز فكرة الأحلاف التي سارت على منهجها الإدارات الاميركية في السبعينيات والثمانينيات. بدأت الخطوط العريضة لسياسة الأمن القومي لدى الإدارة الأميركية الجديدة بالظهور بعد منتصف السبعينيات، إذ لم تحصل أية تغيرات تذكر على سياسة إدارة الرئيس فورد، و سعت استراتيجية كارتر إلى خلق توازن مع القوى النووية والتقليدية السوفييتية وفي الوقت نفسه تنمية التعاون الاقتصادي والسياسي مع الاتحاد السوفييتي. دأب مخططو استراتيجية الولايات المتحدة على وضع «التهديد» في الاعتبار الأول، والذي يشمل في مفهومهم مختلف الدول أو ائتلافات الدول التي تشكل الخطر الأعظم على سلامة وبقاء الولايات المتحدة. والتهديد الذي تواجهه الولايات المتحدة متعدد الأبعاد ويشمل الأصدقاء والحلفاء، مثلما يشمل الأعداء المحتملين، وحيث أن الاقتصاد الكوني ديناميكي بشكل غير عادي، فإن توازن القوى الكوني لا يصلح أن يكون قاعدة للاستراتيجية القومية. وكان عائق الاستراتيجية الوطنية بشكل اساسي هو فقدان مجموعة واضحة من الاهداف فلم تكن هناك خطة خمسية ولاميزانيات يمكن الاعتماد عليها لاكثر من عام كل مرة.وكانت سمة السياسة الخارجية غالباً سياسة رد فعل ونفعية مثلما هي اليوم مع فارق وجود خطط وأهداف. خيارات اساسية وضعت في اعتبار السياسة الاميركية العسكرية التي سميت بالاستراتيجية،استندت إلي وضع استراتيجية عليا واقعية تحددت وفقها اسس هذه الاستراتيجية وبنيت عليها هي: ـ ان حقوق الانسان هي شعارنا الدولي. ـ ديمقراطيتنا يجب ان تسود العالم كله ومعها شعاراتنا. ـ تحرير العالم من الفكر الشيوعي الهدام والمد الاسلامي. ـ تمكين اميركا من مصادر الطاقة ومناطق مصالحها. طورت اميركا فكرة استخدام الاستراتيجية العسكرية للتدمير الذي قد يصيبها جراء معارض او معاد لهذه الاهداف وافترضت قدرةً لاحداث اصابات ودمار صناعي ترد على اي هجوم نووي استراتيجي وهي فكرة نشأت في الستينيات واخذت في مابعد صيغة الردع او نظرية الردع التي سادت المنطق الاستراتيجي الاميركي لعقود مضت وستبقى سائدة لعقود قادمة. استراتيجية اميركا لتطبيق اهدافها تضمنت عدة مفاهيم مرافقة للاهداف هي: * الردع * الارهاب وهما مفهومان كانا اساساً لانفاذ كل المخططات العسكرية الاميركية ومبرران لكل ماتلا الحرب العالمية الثانية والحرب الباردة، ويمكن بشكل ادق ان نقول ان الردع مفهوم ساد في حقبة السبعينيات والثمانينيات وتطور في التسعينيات ممتداً للقرن الحادي والعشرين، وان الارهاب مفهوم ساد منطق التسعينيات والقرن الحالي وكان مبررا لتطور الردع، ونجد انهما متلازمان مع بعضهما وهما سمة الاستراتيجية الاميركية للحفاظ على مصالحها سابقا وحاليا ومستقبلا. عولمة ودلالات سادت توقعات كثيرة منذ انتهاء الحرب الباردة بان يدخل الأمن سياقات العولمة بعد العولمة الاقتصادية والتقنية والعولمة في بعدها العسكري والسياسي.،وسبب هذا الاعتقاد انه لايوجد نظام اقتصادي محلي أو عالمي يمكن أن يعمل دون حماية قوة عسكرية وقوة سياسية تقوده ومناخ آمن.لذا فان وجهة النظر هذه تطرح عنصراً موازناً في ميزان القوى الذي أصابه تغيير على الأصعدة السياسية والعسكرية، التكنولوجية والمعلوماتية،الاقتصادية، والاتصالات ليكتمل مشروع العولمة. الدلالات التي تطرحها هذه الفكرة تستند إلى عناصر عدة منها: ـ وضع الولايات المتحدة في النظام العالمي ومصادر تهديد أمنها. ـ علاقات الولايات المتحدة بحلفائها ومن بينهم إسرائيل. ـ علاقات الولايات المتحدة بالدول النامية أو دول العالم الثالث أو دول الجنوب أيا كانت التسمية. ـ الداخل الأميركي واثره على السياسة الخارجية الأميركية وتفاعلاتها العالمية. وفي إطار آخر نجد أن العقد الأخير قد افرز محصلات ونتائج تفاعلات ساهمت بدورها إلى تطوير المشروع الأميركي ضد الإرهاب كما ساعدت في وضع الاستراتيجية اللازمة له منها: ـ أن أمن القوة العظمى الأميركية ومصالحها في معزل عن أمن واستقرار بقية مناطق العالم. ـ أن الأبعاد الحضارية الثقافية تشكل إلى جانب الأبعاد الاقتصادية والسياسية مضمون الفجوة بين الشمال والجنوب. ـ أن قيم الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان يتم استدعاؤها وتطبيقها وفق مصالح الشمال فقط بمعنى لـ «منظومة القيم الغربية» ولاتطبق في مكان آخر رغم إضفاء صفة العالمية عليها والعمل على فرضها بشتى الطرق المرنة أو الصلبة. وقد نجد في الإشارة إلى التحالف والقوى الصديقة لمواجهة العدو الجديد وفق الرؤية الأميركية، إشارة إلى العالمية التي تقصدها أميركا، لكن هذا الأمر فسره الخبراء على انه اقتسام الأعباء السياسية والمادية لهذه المعركة العالمية الجديدة، فأميركا لن تستطيع الاستمرار في إدارة العالم بمفردها. ولكي نفهم الاستراتيجية الأميركية وابعادها السياسة الجديدة وعناصرها مطلع هذا القرن ولما سيأتي ينبغي لنا قراءة التغييرات التي طرأت على الفهم العام للاستراتيجية ومفهوم المصالح الأميركية. ولاشك في أن التغيرات الهيكلية التي شهدها النظام الدولي منذ انتهاء الحرب الباردة، وانهيار الاتحاد السوفييتي، دفعت بصانعي القرار الأميركي إلى إعادة تقويم وترتيب منظومة مصالحهم وأولوياتهم القومية. ورغم تباين الاتجاهات والأفكار المطروحة في هذا الصدد بضمنها ما يخص قادة الرأي في المجتمع الأميركي، فان ثمة اتفاقا على ضرورة دفع ودعم دور ومكانة الولايات المتحدة في شتى أنحاء العالم. ونجد أن أميركا عمدت إلى تهميش دول ومناطق إقليمية كاملة في منظومة التفاعلات الدولية مما سمح لبعض دوائر صنع القرار في الإدارة الاميركية الملتزمة بنشر القيم والمبادئ الاميركية بطرح رؤية أميركية جديدة تجاه هذه المناطق أو الدول ترمي إلى دمجها في منظومة الاقتصاد العالمي وتحويل قاعاتها الأيديولوجية باتجاه مبادئ الفلسفة الليبرالية. كانت هذه سياسة الولايات المتحدة تجاه معظم دول العالم وقاراته بعد تغير الأوضاع الدولية والإقليمية بزوال مناخ الحرب الباردة وظهور الولايات المتحدة كقوة عظمى تحاول بسط هيمنتها على النظام الدولي الجديد، ولذا فقد ولت الخطوط الإرشادية التي كانت تحكم الرؤية الاميركية وبقيت الإدارة الاميركية تبحث عن رؤية جديدة تؤسس لعلاقاتها مع العالم. وكانت الهجمات على الولايات المتحدة في 11 سبتمبر بمثابة اكثر الأحداث أهمية منذ نهاية الحرب الباردة، إذ أثرت عواقبها بعمق على النظام الدولي، ومثلت ساحة مصيرية لاختبار الأبعاد السياسية للنظام الدولي، وإعادة تشكيله وعلى رأس هذه الأبعاد قيادة الولايات المتحدة للتحالف الغربي ودورها العالمي كقوة عظمى وحيدة، ووضع الأمة الإسلامية في ظل هذه القيادة. ودفع الدخول في الحرب ضد الإرهاب إلى السطح عددا من التناقضات داخل الدول الغربية وبين هذه الدول والولايات المتحدة وبين الدول العربية والإسلامية وواشنطن. أفرزت الحرب ضد الإرهاب في مرحلتها الأولى آثارا سياسية خطيرة انعكست على واقع النظام الدولي، مخلفة خيبات أمل على جانبي هذه الحرب، سواء كانت في الجانب الأميركي أم في الجانب الدولي المقابل. ويبدو واضحاً أن الأميركيين لم يحققوا الشيء الكبير الذي شمله إعلانهم هذه الحرب، فلا هم استطاعوا القضاء على تنظيم القاعدة، ولاهم استطاعوا فرض الاستقرار في القلب الآسيوي المشتعل والذي كان في الثمانينيات ساحة صراع بينهم وبين السوفييت ونعني هنا افغانستان. وهكذا نجد ان من أهم الاطروحات التي سادت مطلع القرن الجديد كانت أن أميركا هي القوة العظمى الوحيدة، وفكرة صراع الحضارات بين الحضارة الغربية وغيرها من الحضارات، ومن ثم كون الجنوب هو مصدر أساسي من مصادر التهديد للاستقرار العالمي ولمنظومة القيم الغربية، ومن ناحية ثالثة سادت فكرة كيفية إقامة نظام عالمي جديد تسوده قيم الديمقراطية والحرية وحقوق الإنسان، وعلى هذا كان النزوع الى ايجاد صيغة جديدة تجسد مفهوم القوة العظمى وتحدد للعالم واجباتهم تجاهها وترسم لها حدودا لامتناهية من الإنفراد.