تحدث كاتب إسرائيلي يدعى روني شكيد عن ثقافة بطولية احدثت انقلاباً في المجتمع الفلسطيني تمثل بحسب مقاله في «يديعوت احرونوت» امس، بترسخ العمليات الاستشهادية كسلاح استراتيجي رادع لإسرائيل لا يستطيع ياسر عرفات الرئيس الفلسطيني وقفه مهما حاول. قال الكاتب في مقاله 120 انتحاريا وانتحارية، لا يشكلون ظاهرة هامشية، بل يعكسون نموذجا اجتماعيا يجسد الثقافة الفلسطينية الجديدة. إنها ظاهرة تحظى بتأييد الشارع الفلسطيني وقيادته، ليس في استطلاعات الرأي فحسب، وإنما عبر مظاهر الفرح التي تلي كل عملية، وفي جنازات الانتحاريين، وفي صورهم المعلقة في كل زاوية في الشوارع، وفي الأغاني التي تمجدهم. وتنعكس تعابير هذه الثقافة، أيضًا، في المؤتمرات وفي المسيرات التي يشارك فيها عشرات لابسي الأكفان الذين يعلنون: «نحن اللاحقون»، وكذلك في المدارس وفي المخيمات الصيفية التي تقام في السلطة الفلسطينية. خلال الشهرين الأخيرين، انضمت إلى المشجعين أمهات الشهداء، أيضًا. إذ يزداد عدد الأمهات اللواتي يتصورن مع أولادهن قبل خروجهم لتنفيذ العمليات، فيشجعونهم ويباركن طريقهم. يوم السبت الماضي، قبل خروج محمود حسن عبدالله، من بيته في حي الشيخ رضوان، في غزة، لتنفيذ العملية في مستوطنة دوغيت، تصور مع امه وسلاح الكلاشنيكوف. وبعد مقتله لم تحزن أمه، بل على العكس، لقد احتفلت ووزعت الحلوى على أبناء عائلتها. كما فاخرت والدة حمزة صمودي، من قرية يعبد، بابنها الذي نفذ عملية مجدو في الخامس من يونيو، وقالت: «لقد أراد حمزة ادخالي إلى الجنة.. إنه يحظى بالنساء، بحسان الجنة، لقد عاش ومات كالبطل، بطل مبارك» . الشارع الفلسطيني يسمي والدة الشهيد بالخنساء، كناية بالخنساء بنت عمرو، التي شكلت مثالاً يحتذى به، انها بالنسبة للفلسطينيين، مثل «حانا وأولادها السبعة» عند اليهود. شاركت الخنساء في معركة القادسية، إحدى المعارك المهمة في تاريخ الاسلام، وشجعت أولادها الأربعة على المحاربة حتى لو كلفهم الأمر حياتهم. وقالت لهم: «تذكروا إن عالم الخلود (الجنة) افضل بكثير من العالم الزائل». لقد أحدثت هذه الثقافة البطولية انقلابا في المجتمع الفلسطيني، ذلك أن العمليات الفدائية لم تعد تعتبر عمليات تنم عن اليأس أو الخيبة والانتقام، وإنما أصبحت عمليات تزرع الأمل. وحسب مفهومهم إن الهدف من الانتحار هو ليس القتل من أجل القتل، وإنما وسيلة من أجل تحطيم قوة الصمود الاسرائيلية، وتقويض المجتمع وتدمير الاقتصاد وإسقاط حكومة شارون، وإجبار إسرائيل على قبول شروط الفلسطينيين المتعلقة بالحل الدائم. ويشعر الفلسطينيون أنهم نجحوا في إحداث هزة أرضية خفيفة شققت الجدارين الاجتماعي والاقتصادي في إسرائيل. إنهم يؤمنون أنه مع بذل مزيد من الجهود سيحققون إنهيار إسرائيل. لقد قال قادة حماس، هذا الأسبوع، إن «الانتحاريين هم السلاح الاستراتيجي من أجل تحقيق الردع والتوازن. الفلسطينيون يخلقون حياة جديدة عبر بوابة الانتحار».من المناسب إلقاء نظرة على الجانب الانساني للانتحاريين. فمنفذ العملية في حي غيلو، محمد الغول، كان يدرس للقب الثاني في جامعة النجاح في نابلس، الجامعة التي حظيت باسم «كلية الانتحاريين»، ذلك انه خرج منها أكثر من 30 انتحاريا. وكان نصف الانتحاريين الـ 120، يملكون ثقافة أكاديمية، وقرابة 35% يملكون ثقافة ثانوية، والبقية امتلكوا ثقافة ابتدائية. هذا يعني أنه ليس المقصود هنا متهورين وطائشين، وإنما انتحاريون يعرفون جيداً، ما هو السلاح الذي يُفعلونه. في لقاء أجري معه عبر موقع للانترنت (إسلام أون لاين) قال صلاح شحادة، مسئول الجناح العسكري في حركة حماس، هذا الأسبوع، إن اندفاع الأشخاص الذين يطلبون التحول إلى انتحاريين يشير إلى حالة نفسية صحية ولا يعتبر هروباً من حالة يأس وإحباط. لقد حدد أربعة مبادئ لاختيار الانتحاريين: «التمسك بالدين الحرص على أداء الصلوات، وإتيان الصدقة والأعمال الحسنة. رضى الوالدين اننا نفحص ما إذا كان الانتحاري محبوبا في عائلته ولا يعتبر معيلها الوحيد، كما أننا لن نرسل لتنفيذ عملية انتحارية من هو وحيد أبويه. مقدرته على تنفيذ المهمة التي ستناط به، والأهم من ذلك كله، اننا نهتم بأن تكون العملية الانتحارية محفزة للجمهور على تنفيذ عمليات انتحارية أخرى ومشجعة لهم على الجهاد». في المصطلحات الفلسطينية، الرسمية منها أيضًا، لا يتحدث أحد عن عملية انتحارية وإنما عن تضحية. حتى سري نسيبة وحنان عشراوي، في بيانهما الذي صدر يوم الاربعاء، والذي دعا إلى وقف مثل هذه العمليات، وصفا العمليات الانتحارية بأنها «عمليات عسكرية تستهدف المدنيين في اسرائيل». في الأسبوع الماضي، عقد في رام الله، لقاء تحت شعار «العمليات الانتحارية والحوار القومي»، شارك فيه ممثلا عن السلطة الفلطينية، سكرتيرها أحمد عبد الرحمن، الذي قال: «إن العمليات الانتحارية هي أسمى أشكال نضال الشعب الفلسطيني». الفلسطينيون يشعرون بأنهم طلائعيون، وقد ساعدتهم شبكات التلفزة العربية على نشر هذا الشعور في العالم العربي. كبار المفتين في العالم الاسلامي، وعلى رأسهم الشيخ القرضاوي، من قطر، الذي يعتبر أكبر المفتين، باركوا هذه العمليات، حتى تلك التي تنفذها النساء، بل ان شيخ الأزهر، محمد طنطاوي، نشر فتوى تعتبر الانتحار عملا شرعيا من ناحية دينية. لقد تحولت المقولة التي يرددها عرفات بشكل متواصل «على القدس رايحين، شهداء بالملايين» إلى شعار يتردد في التظاهرات في مصر والأردن والعراق. وفي التظاهرات المؤيدة للانتفاضة، التي يجري تنظيمها في ألمانيا وفرنسا او بلجيكا، يشارك أولاد يحملون على اجسادهم أحزمة ناسفة خيالية. «اذا لم يحارب هذا السرطان، فمن الممكن أن يصل إلى اوروبا، أيضًا»، قالت جهات أمنية، اسرائيلية هذا الأسبوع يوم الاربعاء ليلاً، بعد وقوع العملية في التلة الفرنسية في القدس، وبعد أن وضع سيف الطرد على رقبته، فهم عرفات انه قد ينهي حياته كرئيس لدولة فلسطين. وعندها، فقط، دعا أبناء شعبه إلى وقف العمليات ضد المدنيين الاسرائيليين. لكن دعوته هذه متأخرة جداً، فبعد أن ترسخت ظاهرة الانتحاريين بفضله أيضًا لم يعد بامكانه وقف هذا المعيار.