في الاوقات العصيبة لا نملك الا رصد حالة الواقع مهما كانت مرارتها، فذاكرة الشعوب لن تعرف المجاملة او محاباة الاشخاص، ولن تغفر الامم ذنوباً لمحترفي نسج عبارات الالتفاف حول اسس وجذور الحقائق، فالشعب الفلسطيني يقدم يومياً عشرات الشهداء من ابنائه، ودماؤه تسيل.. وبيوته تُدمّر.. وكرامته تهان.. وغير ذلك الكثير والكثير الذي يفعله جيش الاحتلال ضد شعب اعزل، واصحاب الياقات البيضاء من مختلف الجنسيات والاعراق يزورون ويتزاورون، يجلسون حول طاولة المفاوضات، في حوار الطرشان، بينما مصابو الشعب الجريح لا يجدون زجاجات الدم التي تعوض القليل مما يفقدونه الساعة تلو الاخرى، ووسط مرارة هذه الحالة التي اقل ما توصف به انها عصر التخاذل والتقاعس، نبحث.. نستجدي كلمات السلام من عدو احمق غادر، ذلك العدو الذي كان يستجدي ويحلم بالامس القريب ان ينطق العرب باعلان مجرد قبولهم التفاوض حول السلام، وهذا الامس القريب حينما كانت الفصائل الفلسطينية تثير الرعب في نفوس الاسرائيليين في كل مكان واي مكان، تزلزل الارض من تحت اقدامهم. فهل جهود السلام العربية ستجدي؟ وهل من مبادرات تعيد القضية لخطوط الحوار بالسلاح؟ وهل اميركا صادقة النوايا؟ ام ان المسألة لعبة سياسية كبرى للتضحية بالشعب الفلسطيني؟ حول هذه المحاور وغيرها التقى «الملف السياسي» بـ «هينو بوس» خبير الشئون الاستراتيجية الشرق اوسطية في حوار نستكشف منه ابعاد التعنت الاسرائيلي المستمر. وتالياً نص الحوار: ـ هل الادارة السياسية لواشنطن صادقة فيما تعلنه عن ارادتها لتحقيق السلام بالشرق الاوسط؟ ـ لم تكن اميركا في اي مرحلة تاريخية ما صديقة للعرب، وما يربطها بالعرب علاقة مصالح فقط، لن ترقى لمستوى علاقتها باسرائيل ابداً، طالما ان القوة بيدها، وطالما ان الجيوش العربية كامنة لا تتحرك، وحتى ان كانت واشنطن غير راضية داخلياً عن سلوك اسرائيل، فإن الامر لن يتغير، وهذا وفقاً للمعطيات الحالية، والمؤشرات السياسية المستقبلية، مع تحفظ واحد فقط وهو اذا تغيرت موازين القوى في منطقة الشرق الاوسط، او تكرر حدث حرب اكتوبر بشكل اشمل وأوسع، لكن الامر يتطلب وجود شبيهين للرئيسين الراحلين السادات والاسد، ويتطلب ايضاً مرحلة تاريخية متشابهة مع زمن 1973، وباختصار شديد لقد اقامت اسرائيل جداراً نفسياً جديداً بينها وبين العرب لن يتحطم إلا بالسلاح، كما ان الحائط الفاصل الذي تبنيه بطول 130 كيلومترا والذي سيمتد حتى طول 360 كيلومتراً على حدود الضفة الغربية ينذر بمرحلة صراع جديدة في الشرق الاوسط اضافة الى ان رئيس الوزراء الاسرائيلي شارون قد احرق اوراق السلام المتبقية في زيارته لواشنطن، في الوقت الذي يتخبط فيه عرفات وسط قيادته على حساب المصالح الفلسطينية فالامر يستوجب الصراحة حيث ان السلطة الفلسطينية تعاني من خلافات داخلية خطيرة. ـ لكن توجد جهود سلام عربية بالتعاون مع اميركا؟ ـ لا اخفي عليك حقيقة، ربما تكون قاسية.. الحكومات العربية في مأزق اكثر من صعب، فهي اشبه بالقط المحاصر الذي يقفز قفزات غير محسوبة، وقد سمعنا عن مبادرات عربية عديدة، هناك مبادرة اردنية مصرية، ومبادرة سعودية، واقتراح ليبي، ثم اخيراً مبادرة مصرية، وكلها تصب في اتجاه محدد يمكن ان ينهي قضية الصراع في الشرق الاوسط، بشرط ان تكون الاطراف المعنية على استعداد حقيقي لاقامة هذا السلام خاصة اسرائيل، فكل المبادرات تتجه في النهاية الى: ـ ضرورة اعلان دولة فلسطينية. ـ استعادة الاراضي المحتلة حتى حدود 67 . ـ حل ملف اللاجئين. ـ حل قضية القدس واعتبارها عاصمة فلسطينية. ولكن كل هذه العناصر محل خلافات وتحفظ بل ورفض من اسرائيل، على الرغم من العلم التام لدى اسرائيل انها حال استجابتها لاي مبادرة فسوف تعطي اسباباً قوية للفلسطينيين لوقف العمليات الانتحارية والتفجيرات التي تهدد امنها، والتي تعد السبب الاول لتحجر الموقف الاسرائيلي، ولكن حتى نكون منصفين علينا ان نرصد ان اسرائيل لا يمكنها تقديم كل هذه العطايا او التنازلات للشعب الفلسطيني لعدة اسباب: ـ هناك متطلبات أمن على حكومات اسرائيل تحقيقها للشعب الاسرائيلي، وهذا لا يتحقق إلا بالقوة العسكرية وفقا لمفهوم الشعور الاسرائيلي التاريخي بالاضطهاد او الاقلية أو كراهية العرب لهم، فهم يعلمون انهم لن يكونوا اصدقاء للعرب يعيشون في امان اذا ما سلموا للمطالب العربية، أو بمعنى ادق «استسلموا» لذلك فلغة القوة لغة معترف بها دوليا على غرار النهج الاميركي وذلك لفرض النفوذ وتسيير المصالح. ـ حلم اليهود بدولة كبرى يجعلهم يتمسكون بما حققوه من مكاسب حتى الآن ولا يمكنهم التغاضي أو التنازل عن هذه المكاسب بسهولة بعد ان انتزعوها بالقوة. ـ الحاجة السكانية أو الديموغرافية لاسرائيل.. والتي تدفعها للبحث عن توسع في مساحة الاراضي بجانب الرغبة في جذب وجلب مزيد من اليهود، وقد كشفت تقارير اسرائيلية فعلية عن هذا المخطط باتفاق اميركي وروسي وبه طرف فرنسي يقضي بجلب اكثر من مليون يهودي من الدول الثلاث لتوطينهم في مستوطنات جديدة باسرائيل وهذا يقتضي بالفعل التوسع في بناء المستوطنات. ومساحة الارض الحالية يجب توسيعها. ـ ثبت ان تجربة السلام التي خاضتها اسرائيل مع مصر ثم بعدها الاردن انها لم تكن مستفيدة من هذا السلام، بل تنازلت عن مكاسب حققتها بالقوة بدون أي مقابل أو دعم للمصالح خاصة مع مصر، ولذلك مستبعد ان تكرر تجربة اتفاق سلام بدون مقابل مع بلد عربي آخر على غرار فلسطين وسوريا ولبنان. ـ الثقة الاسرائيلية من الموقف الاميركي الداعم لها في كل خطواتها، والاعتماد على اميركا مؤخراً في التمويلات والمساعدات لسد العجز أو مواجهة الأزمة الاقتصادية، إنما يجعل اسرائيل غير مستجيبة للجهود الاوروبية المتوازنة والرامية لتحقيق السلام، ولهذا نجد الموقف الاوروبي رغم حياديته النسبية لا يضطلع بدور قوي واضح، لأن كل خيوط اللعبة في يد أميركا. وحتى لو لوحت دول الاتحاد الاوروبي بوقف المساعدات الاقتصادية لاسرائيل، أو وقف مشروع الشراكة أو غيرها من العقوبات الاقتصادية التي تنادي بها اصوات بين حين وآخر، فإن هذا لن يؤثر كثيراً في اسرائيل لوجود بديل قوي يمكن ان يعوضها عن ذلك وهو اميركا. ومع كل ما تقدم نجد الموقف الاسرائيلي قوياً ولا يمكن تجاهل هذه القوة والتعامل معها من أي منطلق آخر. ـ إذن هل تتوقع اعادة القضية لخطوط الحوار بالسلاح؟ ـ لقد ثبت في حالات كثيرة لصراعات حول الأرض وحق تقرير المصير لشعوب مستعمرة ان استخدام السلاح يكون حلاً، وهذا ليس معناه ان النصر سيكون للعرب حال الدخول في مواجهة مع اسرائيل، مع العلم ان حدوث حرب في الشرق الأوسط سيكون في أقصى سرعة مواجهة مباشرة مع اميركا وحلفائها، وخطورة الموقف الآن ان واشنطن ترتكن لتبريرات قوية، لأنها ترجع حروبها لمحاربة الارهاب، والعالم كله شبه متفق معها على ذلك، في ذات الوقت من الممكن ان يكون التلويح أو الدخول في حرب محدودة أو خاطفة يدفع اسرائيل لاعادة حساباتها من جديد، فور شعورها بالخطر، إلا ان عملية بناء السور بينها وبين الضفة الغربية قد تنذر بمرحلة صراع جديدة فعلية في الشرق الأوسط، خاصة اذا تمكنت حكومة اسرائيل حقيقة من توفير الأمن لشعبها، وفشلت الفصائل العسكرية الفلسطينية بالدفع لتنفيذ عمليات انتحارية جديدة داخل اسرائيل، فهذا من شأنه تقوية الموقف السياسي لحكومة شارون، ويدفعها بعيداً عن طاولات المفاوضات أو حتى الحديث عن السلام، حيث سيلتقط أنفاسه ويكسب الوقت ويرتاح من أعباء الضغوط التي تشكلها العمليات الانتحارية، لكن الجانب الآخر هو لو تمكن الفلسطينيون من اختراق هذا الجدار الفعلي، وحدثت عمليات انتحارية بالداخل، فسيتحول الموقف بنسبة 180 درجة لتكسب السلطة الفلسطينية أوراقاً سياسية جديدة وقوية، لأن جدار الأمن سيسقط نهائيا، حيث ان شارون لن يستطيع اقامة جدارات أمنية داخل اسرائيل، ومن الواضح انه بعد تأكد الفلسطينيين انهم وحدهم في الساحة يدفعون الثمن، فليس أمامهم إلا اللعب بهذه الورقة لاسقاط جدار الامن الاسرائيلي، وهز الاستقرار الاجتماعي في الداخل، ويبقى موقف العرب فعليهم الخروج من عنق الزجاجة، وذلك بالمغامرة مع واشنطن، واستخدام أوراق المصالح جيدا، بدون انذارات أو تهديد دبلوماسي مسبق حتى تتأكد اميركا من جدية العرب. لاهاي ـ د. سعيد السبكي