نعم دخلت المأساة في الملهاة، وبتنا مدمني اجترار المرارة بمختلف قوالب السخرية. مراقب الدولة العبرية غولدنبيرغ اعلن مؤخرا انه ينتظر معلومات من جيش الاحتلال ليبدأ على الفور التحقيق في مجزرة جنين. تلك المجزرة التي اذهلتنا وابكتنا ومن ثم نسيناها بأسرع من البرق. السلطة الفلسطينية اسقطت مطلب التحقيق الدولي، في غمرة انشغالات صراع البقاء، والحكومات العربية سارعت بدورها لطي هذا الملف في غمرة انشغالاتها بابراز كل ما يتعلق بفروض الطاعة الخاصة بحقبة ما بعد 11 سبتمبر. وهناك بين الانقاض مازال طفل يحلم بانتشال عظام ابويه بحثا عن الحنان. تخيل هذا الطفل مؤتمرا للعالم اجمع، تقدم مرتبكا والقى خطابه التأبيني الاخير: ايتها الكائنات والكهنة،ما زالت في بقية من روح. كنت احلم كاطفالكم بدمية وثياب نظيفة وبيت عصي على براثن الغول. مؤسسة نوبل للسلام مدعوة لمنحي جائزتها انني تمكنت من الحلم بين قذائف الاحتلال المتربصة.مختبرات الغرب العسكرية مدعوة لتكريمي انني انتمي لسلالة كان لحمها ميسرا لتجارب الاسلحة وبالمجان. حدقوا في عيني جيدا تكتشفون عماكم. صرخة امي المذبوحة تبحث عن اذن، ورائحة تحلل ابي تحلم بأي انف عابر، وانا صدقت ان الامم المتحدة بديل الوالدين وسلم اللاجئ الى الجنة. تمعنوا يدي، لا آثار للخبز عليها منذ المجزرة، وثيابي فسيفساء كمامات المنظمات الاهلية التي تركت قرفا، وحذائي فقط ما يجود به التراب من رفق بالقدمين. تمعنوا في تضاريس وجهي، تكتشفوا خريطة الفجيعة منذ شج قابيل رأس اخيه للاستفراد بالشهوة المزدوجة. لا رسالة لدي سوى الخراب. لكني لن اهديكم ما يعينكم على لعبة الارهاب. عائد الآن الى خرائبنا هناك،بينها مئات الحكايا المدفونة، والصرخات المخروسة ببقايا الاسمنت، هناك اكتب وصيتي المبكرة، فقد غادر الرجال ارضنا.. ولم يبق ما يستر الفضيحة. غرس الطفل شجرة زيتون على مدخل المخيم، علق عليها لافتة بدائية : هنا ترقد مجزرة جنين وضمائركم «أمناء الهيكل» يحشدون الدعم الأميركي لنسف الأقصى الاسبوع الماضي تحدثنا عن جماعة «ميغا» الاميركية الصهيونية التي تعد لجيش من القتلة يكون مؤهلا لخوض حرب الحضارات التي يدفع اليهاالمتطرفون الاميركيون اليهود والمسيحيين على حد سواء وفي ظل السبات العربي المعهود حتى في مجال «اعرف عدوك» حيث اموالنا تراق في الملاهي بدل انشاء او حتى استئجار مؤسسات بحثية تعنى بهذا الامر فان مصدر معلوماتنا الوحيد يظل اصحاب الضمير في الولايات المتحدة وفي طليعتهم المرشح الرئاسي المقبل ليندون لاروش وطاقم مساعديه. والسؤال الجوهري هذه المرة يتركز في العلاقة بين رأس المال الغربي والدين. اعتدنا في آلية التفكير النمطية ان نلقي الضوء على التناقض بين المصالح المادية وبين الدين كممثل لمجاميع المبادئ والقيم، لكن التطورات تفرض نظرة جديدة للامر برمته. يصل صاحب رأس المال الى مرحلة السأم من تراكم الثروة، فيبدأ التفكير في ما يمكن تسميته الوجاهة او الريادة في المجتمع ومن ثم تسيده بوسائل جديدة من اهمها السياسة، وهنا تنولد علاقة استثمار بين رأس المال والدين، سيما اذا ما انضاف عامل آخر يتعلق بالفراغ الروحي الناجم عن الاغراق في الناحية المادية، وهو ما يدفع صاحبه لاعتناق الغيبيات في ظل العجز البشري المزمن امام الاسئلة الفلسفية الكبرى. هذه المقدمة تؤشر الى اتساع ظاهرة ارتداد حيتان المال في الغرب الى التطرف الديني والانضمام الى جوقة النافخين في صراع الحضارات. اما انعكاسات هذه الظاهرة المرعبة، وتحديدا علينا نحن العرب والمسلمين فهي كالتالي: جيش القتلة الآنف الذكر يستعد للحرب الشاملة ضد المسلمين فيما أغنياء اليهود والمسيحيين المتطرفين يتولون اشعال فتيل هذه الحرب في فلسطين. كيف ذاك، لا بد من عرض تاريخي: تزامن ظهور الحركة الماسونية في بريطانيا مع تنامي ظاهرة «البريطانيين الاسرائيليين» التي تستند الى خرافة انتقال روح السحر والشعوذة اليهودية الى البريطانيين اثر استعمارهم من قبل بني اسرائيل «وهو ما لم تشر اليه اية دراسة تاريخية وبقيت اوهاما مفبركة». وفي العام 1850 اسس الامير ادوارد البرت ابن الملكة فيكتوريا قبل ان يصبح ملكا بدوره «صندوق استكشافات فلسطين» والذي ارسل بعد 17 عاما اول بعثة استكشافية الى فلسطين برئاسة الجنرال تشارلز وارين الذي كان احد الكبار التسعة في قيادة الحركة الماسونية، وعمل هذا الجنرال على اطلاق ما يسمى «مشروع جبل الهيكل» الرامي لبناء المعبد اليهودي المزعوم مكان المسجد الاقصى. وابان الانتداب البريطاني في فلسطين عينت لندن الحاخام اليهودي المتطرف افراهام اسحق كوك مسئولاً عن اليهود الغربيين «الاشكيناز» وهو الذي اسس لاحقا «حركة امناء جبل الهيكل» التي ورثها ابنه بعد مماته، قبل ظهورحركة اخرى اكثر تطرفا دعيت «غوش امونيم» التي يتزعمها حالياموشيه ليفينجر واليعازر فالدمان. بعد حرب يونيو 1967 دخل مسيحيو الولايات المتحدة على خط التحالف مع نظرائهم اليهود البريطانيين، عن طريق الحركة «الداربية» التي انطلقت من معهد اللاهوت في دالاس، وأسست لانتشار المسيحية الصهيونية في جنوب غرب الولايات المتحدة. بعد ذلك ومع تقدم الاحتضان الاميركي للمشروع الاسرائيلي على البريطاني، بدأت المساعدات الاميركية تتدفق على متطرفي «امناء جبل الهيكل». احد ابرز الممولين لهذه الحركة هو تشاك ميسلر الضابط السابق في البحرية الاميركية، والذي يدير سلسلة من شركات تصنيع الاسلحة، حيث اصطحب 77 من «الحجاج» الاميركيين الى القدس في العام 1994 ونظم هناك المؤتمر السنوي الثالث للهيكل والذي يبحث ما تم انجازه باتجاه تدمير المقدسات الاسلامية في الحرم القدسي الشريف. في ديسمبر 1995 تم تأسيس «محفل اورشاليم» الماسوني في «كهف الملك سليمان» تحت الحي الملاصق للحرم. وفي اكتوبر من العام 2000 حاول زعيم «امناء جبل الهيكل» الجديد غيرشون سالومون واتباعه اقتحام الحرم القدسي لوضع حجر الاساس للهيكل الثالث المزعوم، وقال في بيان «آن الاوان لبناء بيت الرب على جبل الهيكل المقدس وموقع المعبدين الاول والثاني. ان الرب تهيأ لهذا الحدث وهو ينتظر من شعب اسرائيل ان يحرر جبل الهيكل من العرب الوثنيين ولبناء بيته ليكون قلب وروح ومقصد اسرائيل وكل الامم،تعالوا بانفسكم واشهدوا هذا الحدث الذي يأذن بآخر الزمان». البنتاغون تحذر من حرب الثلاثين عاماً ما الذي يعنينا من هذه الخزعبلات؟ ببساطة ان لها انعكاسات خطرة حيث تغلغل هؤلاء المتطرفون المعروفون بـ «الحسيديين» في صفوف الجيش الاسرائيلي،الذي بدأ يتجه نحو تعاليم الحرب الدينية. اضف الى ذلك ان ارييل شارون هو وسيلة تحويل المساعدات الاميركية لحركات الهيكل والمستوطنين، فيما منافسه الابرز بنيامين نتانياهو يدرس وبصفة منتظمة تعاليم الحاخام كوك مؤسس «امناء الهيكل» على يد اتباعه. وما يجدر الاشارة اليه ان والد نتانياهو كان السكرتير الشخصي لفلاديمير جابوتنسكي اليهودي النازي الاشد تطرفا من مؤسسي الحركة الصهيونية. في الرابع من اكتوبر العام 1995 تجمع نفر من المتطرفين اليهود اما منزل اسحق رابين، ومارسوا فنون الشعوذة اليهودية، اطلقوا خلالها «لعنة الموت» ضده والتي تعني انه سيموت بعد ثلاثين يوما بالضبط، وهو ما حدث على يد احد متطرفيهم المدعو ايغال عمير. وهو ما يذكر بـ «نبوءة» الحاخام كوك باندلاع حرب 1967 بعد ثلاثة اسابيع.. وهو ماحدث ايضا. وبعد فضيحة اليهودي الاميركي جوناثن بولارد الذي تجسس لصالح اسرائيل، كلف برنامج البحوث الدفاعية التابع للبنتاغون البروفيسور الاميركي ايان لوستك اعداد دراسة عن ظاهرة التطرف الديني في اسرائيل. خلص لوستك الى انه اذا ما قدر للمتطرفين اليهود السيطرة على الجيش والسلطة في الدولة العبرية التي تمتلك ترسانة نووية فانها ستصبح اكبر تحد لاميركا. وكان من وجهة نظره السيناريو الاخف هو اندلاع حرب دينية في المنطقة لثلاثين عاما، فيما الاسوأ اندلاع حرب عالمية ثالثة لكن نووية هذه المرة. غير ان الاهم في الموضوع ان المسيحيين الصهاينة ومن ابرزهم «الالفيين» ينتظرون حرب الخلاص ونهاية العالم، التي ستحل مع عودة المسيح فور ابادة اليهود، وهم لذلك يدفعون الى هذه الحرب ولو كان الثمن ملايين القتلى المسلمين واليهود على حد سواء. قال ابرز هؤلاء الاميركيين المدعو راندل رايس لمجلة لاروش انه لا يكترث للخسائر المذهلة المتوقعة، بل ان تتحقق «النبوءة» السالفة الذكر، والتي تتضمن إبادة اليهود. لاروش يرى ان الخطر الحقيقي هو التغلغل الجاري لنشطاء المسيحيين الصهاينة في مؤسسات الولايات المتحدة العسكرية والسياسية، بالتزامن مع تغلغل المتطرفين اليهود في مؤسسات اسرائيل المماثلة، وبدأوا في تشكيل قوة مستقلة تضم خبراء في كافة المجالات لا تؤمن بحكومة او سلطة، ما يجعلها وحشا يستحيل بعد حين السيطرة عليه ولو اجتمع كل عقلاء العالم. خالد ابو كريم