في العاشر من شهر مايو الماضي وجه نبيل يعقوب الحمر وزير الإعلام البحريني انتقادات شديدة لأداء قناة «الجزيرة» القطرية، بلغت حد وصفه إياها، بأنها «تمثل الاختراق الصهيوني في المنطقة»، ورفض تعامل بلاده معها معلنًا أن «الجزيرة» تتعمد الإساءة للبحرين وشعبها وقيادتها وأن «هناك العديد من الأسباب الموضوعية التي تحتم منع دخولها إلى البحرين أو فتح مكاتب لها». وردت «الجزيرة» برفض هذه الاتهامات وإعلان العزم على «المضي في رسالتها الإعلامية دون الالتفات إلى مثل هذه التصريحات». وعلى الرغم من قوة الانتقادات البحرينية لقناة الجزيرة ويزيدها قوة أنها صدرت عن مسئول رفيع المستوى، فإن الملاحظ أن أزمة لم تثر على صعيد العلاقات بين دولة قطر مالكة القناة الفضائية وبين مملكة البحرين التي صدرت عنها الانتقادات. كما أن اللافت للنظر كذلك، هو عدم انعكاس الانتقادات البحرينية أو رد الجزيرة عليها، في صورة مادة إعلامية مثيرة كما كان يحدث في السابق، بل على العكس من ذلك فإن الكّتاب القليلون الذين تناولوا هذا الحدث انحصرت تعليقاتهم في مطالبة الوزير البحريني بالإعلان عن الأدلة التي تستند إليها اتهاماته للجزيرة، والإشارة إلى أنه من الضروري الإيمان بـ «حرية الرأي وأهمية الحوار» في العمل الإعلامي بمجمله. ولعل ذلك يعود إلى أنها ليست المرة الأولى -وليست الأخيرة على كل حال- التي تثار فيها حالة من التوتر تأسيسًا على المادة التي تبثها قناة الجزيرة، بحيث أصبح معتادًا أن يوجه مسئول إعلامي عربي انتقادات حادة لتلك القناة، فضلاً عما تتعرض له على صفحات الصحافة العربية. ومنذ أن انطلق البث الفضائي للجزيرة قبل ست سنوات، راهن الكثيرون على أن هذا البث لن يستمر بسبب الضغوط العربية والمقاطعة الإعلانية. وتوقع آخرون أنه ومع استقرار الحكم الجديد في قطر، والذي سبق ولادة الجزيرة بعام واحد، ومع توصل القطريين إلى حل خلافاتهم الحدودية مع الجيران، سيتم إغلاق القناة التي لا يخفي المسئولون العرب أنها أثارت العديد من القضايا التي تسبب قلقًا لهم ولحكوماتهم. والواقع أنه خلال السنوات الست التي تكاد تنقضي من عمر الجزيرة، لم تتعرض قناة من القنوات التلفزيونية الفضائية إلى مثل ذلك الكم من النقد والإشادة الذي تعرضت له. وعلى الرغم من أنها قناة إخبارية بالدرجة الأولى، ولا مكان فيها للترفيه أو المواد الدرامية أو الغنائية التي عادة ما تستحوذ على جل اهتمام المشاهدين، فإن «الجزيرة» أصبحت، في كثير من الأحيان، حديث المنتديات من فاس إلى مسقط، بحيث أصبحت طرفًا مهمًا في معادلة الإعلام العربي. أما فيما يتعلق برهان البعض على إقدام الحكومة القطرية على إغلاق «الجزيرة» أو ترحيلها، فإن المطلعين والمقربين من دوائر صنع القرار في قطر يستبعدون مثل هذا الإجراء لعدة أسباب أهمها أن الحكومة القطرية انتهجت نهجًا ليبراليًا في سياساتها الإعلامية، فألغت الرقابة على الصحافة وسمحت لأجهزتها الإعلامية الرسمية بهامش حرية واسع، وألغت وزارة الإعلام بوصفها «خطرًا على الفكر» كما صرح بذلك المسئولون القطريون، وفتحت الأبواب لجميع المطبوعات المؤيدة والمعارضة، وطلبت من الصحافة عدم التهاون في كشف أي خلل إداري أو مالي. وعندما منحت ترخيصًا لإنشاء قناة تلفزيونية خاصة، لم يكن في عقد الترخيص أي شروط أو توجيهات تتعلق بعمل هذه القناة. أما الخلافات التي ثارت بين قطر والدول العربية بسبب المواد الإعلامية للجزيرة، فيحسب للحكومة القطرية تمكنها من استيعاب هذه الخلافات بهدوء، على الرغم من وصول الأمر في بعض الأحيان إلى قيام دول عربية بسحب سفرائها في الدوحة احتجاجًا على برامج «الجزيرة»، مثل الإجراء الذي اتخذته ليبيا في شهر مايو 2000، بسحب سفيرها المبروك المعداتي إثر توجيه أحد المشاركين في برنامج «الاتجاه المعاكس» الذي تبثه «الجزيرة» انتقادًا لسياسة العقيد معمر القذافي داخليًا فيما يتعلق بالحريات. كما أقدمت تونس على إجراء مماثل بعد توجيه الجزيرة عبر برنامج «أكثر من رأي» انتقادات شديدة اللهجة للحريات وحقوق الإنسان في تونس، ثم قيام المغرب باستدعاء سفيره في الدوحة العربي الدلائي بسبب ما تعرضت له «الجزيرة» في برنامج الاتجاه المعاكس عن الملك الراحل الحسن الثاني، وما وصفه أحد المشاركين بـ «عمالته لإسرائيل». على أن الخلافات بين «الجزيرة» والدول العربية لم تقتصر انعكاساتها على الجانب الدبلوماسي فقط، أو حتى الجانب المهني المتمثل في الإجراءات العقابية التي اتخذتها بعض الدول مثل البحرين، كما تقدم، أو هددت بها مثل مصر التي لوحت على لسان وزير إعلامها صفوت الشريف في غير مناسبة بسحب ترخيص مكتب الجزيرة في القاهرة ووقف التعاون معها وإلغاء بثها على القمرين المصريين احتجاجًا على بعض برامجها. لم تقتصر الخلافات على هذه الجوانب، وإنما وصل الأمر أحيانًا إلى ملاحقة القناة القطرية قضائيًا على النحو الذي قام به محامون وكتاب كويتيون عام 2000، عندما أقاموا دعوى ضد الجزيرة ومذيعها سامي حداد أمام محكمة كويتية، قضت في العام التالي «2001» بتغريم القناة والمذيع مبلغ 5001دينار تعويضًا مؤقتًا لصالح اللجنة الوطنية لشئون الأسرى والمفقودين الكويتيين بسبب ما أصاب المدعين من أضرار نتيجة أحد برامج الجزيرة التي اعتبرها حكم القاضي منحازة ضد قضية الأسرى. وتكرر الأمر مرة أخرى أوائل العام الجاري عندما هدد أربعة محامين كويتيين برفع دعوى قضائية ضد قناة الجزيرة ومقدم برنامج «الاتجاه المعاكس» فيصل القاسم، لما قال المحامون الأربعة أنه تضمن في إحدى حلقاته إساءة واضحة للكويت وشعبها. وبعيدًا عن تاريخ الأزمات التي أحدثتها قناة الجزيرة منذ ولادتها في نوفمبر عام 1996 وحتى اللحظة الراهنة، فإنه مما لاشك فيه أن الاختلاف سوف يظل قائمًا حول ممارسات «الجزيرة» الإعلامية وأسلوب بعض مذيعيها وشكل تقديمهم للبرامج، بسبب جرأتها وسبقها إلى طرح الآراء الأخرى المسكوت عنها وذلك على حد وصف البعض. ولعله من المفيد قبل التطرق إلى نشأة الجزيرة ومصادر تمويلها وتقييم أدائها الإعلامي، أن نتناول محطة مهمة في تاريخ عملها. محطة مهمة في مسيرة القناة إذا كان هناك من يعتبر أن حرب تحرير دولة الكويت دشنت الريادة الإعلامية على المستوى الدولي لصالح قناة «سي إن إن» الأميركية الشهيرة، بشكل مكنها من الاحتفاظ بمكانة فريدة خلال عقد التسعينيات من القرن الماضي، فإن هذا الوضع قد تغير ولاشك ضمن ما تسببت أحداث الحادي عشر من سبتمبر في تغييره على مستوى العالم. فخلال عقد التسعينيات كانت «سي إن إن» النظير المكافئ للولايات المتحدة على المسرح الإعلامي..إذ بينما كانت الولايات المتحدة قد حسمت في أوائل التسعينيات حربها الباردة مع ما كان يسمى «الاتحاد السوفييتي» قبل انهياره في أعقاب حرب تحرير الكويت، وإعلان جورج بوش الأب الرئيس الأميركي الأسبق آنذاك بدء حقبة جديدة في العلاقات الدولية وانتظام الدول في سلك المجتمع الدولي، أسماها بـ «النظام العالمي الجديد».. بينما كانت هذه التطورات تتسارع بشدة على المسرح السياسي، فإن «السي إن إن» هي الأخرى كانت تمر بوضعية مشابهة ولكن على المسرح الإعلامي. ولكن الهجوم الذي تعرضت له مدينتا نيويورك وواشنطن في الحادي عشر من سبتمبر الماضي، ثم اندلاع أولى حروب القرن الجديد التي قادتها واشنطن ضد ما أسمته بـ «الإرهاب»، وبدأت أولى فصولها في الأراضي الأفغانية، تسبب ذلك في صعود نجم محطة تلفزيون «الجزيرة» بشكل ظاهر لتنافس «سي إن إن» على مكانتها، بل ولتقوم بدور مناظر لما قامت به المحطة الأميركية قبل عشر سنوات خلال حرب تحرير الكويت، حيث كانت «سي إن إن» هي أول من فكر في بث العمليات الحربية على الهواء مباشرة، وأجرى مراسلها في بغداد «بيتر آرنت» حوارًا مع الرئيس العراقي صدام حسين أثناء القصف، واتهمه وقتها بعض الأميركيين بأنه تحول إلى أداة للدعاية العراقية. واللافت أن الإشادات بالانفرادات الإعلامية التي قامت بها «الجزيرة» خلال تغطيتها للحرب الأميركية على الإرهاب في أفغانستان جاء معظمها من مصادر غربية وليست عربية، فعلي سبيل المثال ذكرت وكالة «رويترز» في تقرير لها في الحادي عشر من أكتوبر الماضي أن «قناة الجزيرة الفضائية التلفزيونية حققت نصرًا على أكبر القنوات التلفزيونية العالمية ببثها اللقطات الحية الوحيدة للضربات التي تقودها الولايات المتحدة ضد أفغانستان، والأحاديث المصورة لأسامة بن لادن وأقرب مساعديه وهو إنجاز إعلامي على المستوي الحرفي بغض النظر عن دلالاته الأخرى- وحققت القناة أرباحًا طائلة حيث تبيع الدقيقة الواحدة من أحاديث بن لادن بعشرين ألف دولار، وتتهافت الشبكات في جميع أنحاء العالم على شراء تصريحاته المصورة تلفزيونيًا. كما اعتبرت مصادر إعلامية إسرائيلية أن «قناة الجزيرة هي الرابح الأول على مستوى العالم في التغطية الإعلامية للحرب الأميركية ضد أفغانستان، وقد قام التلفزيون الإسرائيلي نفسه بالنقل عن الجزيرة على الهواء مباشرة تغطيتها للحرب». بل إن خلافًا قانونيًا وقع بين كبرى محطات التلفزيون الأميركية حول مدى أحقية الانفراد بالتغطية المباشرة للهجوم الأميركي على أفغانستان والذي بثته قناة الجزيرة، بعد أن أبرمت «سي إن إن» عقدًا مع «الجزيرة» يقضي بأحقية المحطة الأميركية بالبث المباشر للهجوم نقلاً عن الجزيرة لمدة ست ساعات قبل قيام أي محطة اميركية أخرى مثل «إيه بي سي» و«سي بي إس» و«إن بي سي» و«فوكس نيوز» بالنقل عنها، غير أن هذه المحطات تجاهلت هذا العقد وواصلت نقل الصور التي التقطتها الجزيرة مباشرة دون إذن مسبق استنادًا إلى أن الأحداث الوطنية الطارئة تعطي الحق في ذلك. وعلى المستوى الحكومي والرسمي، فإن أحداث الحادي عشر من سبتمبر ثم ما تبعها من سبق الجزيرة في عرض تسجيلات مصورة لأسامة بن لادن وكبار مساعديه، دفعت رموز الإدارة الأميركية وعلى رأسها الرئيس جورج بوش إلى إعطاء مقابلات للجزيرة، بعد أن شعروا أن الحديث لشبكاتهم التلفزيونية وحدها الذي درجوا عليه غير كاف لبيان وجهة نظرهم لدى قطاع كبير من البشر وهو العالم العربي، وفي هذا الصدد بادر البريطانيون، وهم الحلفاء التقليديون للولايات المتحدة، بالحملة لصالح الأميركيين، بمقابلة في لندن لرئيس الوزراء البريطاني توني بلير مع الجزيرة، وكان البيت الأبيض قبلها بيوم قد اتصل بمكتب الجزيرة في واشنطن يطلب إعادة إرسال طلب سابق بالفاكس لمقابلة الرئيس بوش، ولكن بعد إذاعة لقاء بلير قيل أن الرئيس الأميركي عدل عن رأيه، وإن عرضت مستشارته للأمن القومي إجراء مقابلة بدلاً منه، وهو ما تم بالفعل. وتبع ذلك بيوم واحد مقابلة أخرى مع «دونالد رامسفيلد» وزير الدفاع الأميركي، ثم بعد أسبوع مقابلة مع رئيس الأركان الجنرال ريتشارد مايرز، فضلاً عن لقاء مع وزير الخارجية كولن باول. نشأة القناة ومصادر تمويلها قال الشيخ حمد بن ثامر رئيس إدارة قناة الجزيرة، إن القناة هي مؤسسة أنشئت بدعم من الحكومة على أساس أن تتحول إلى مؤسسة استثمارية يشارك فيها القطاع الخاص بعد أن تتمكن من تغطية كلفة إنشاء البنى الأساسية التي بلغت حوالي 150مليون ريال قطري بواقع نحو 10ملايين ريال كلفة إنشاء مبنى القناة في الدوحة، يضاف إليها مبلغ 70مليون ريال للتجهيزات التقنية التي اشترتها القناة لدى انطلاق بثها في نوفمبر 1996، وكذلك التوسعات التي جرت في المقر بتكلفة 40مليون ريال، ثم قرابة 30مليون ريال هي كلفة تجهيز مقر لندن. وقد واجهت الجزيرة عددًا من الصعوبات المالية في نهاية عام 2000 والنصف الأول من عام 2001، بسبب عدم كفاية الموازنة الخمسية، وقلة ربحية القناة التي تبث برامجها من دون اشتراكات، إلى جانب المقاطعات السياسية التي تعرضت لها بسبب المادة الإعلامية لبرامجها، لكن اندلاع الحرب الأميركية في أفغانستان وفر للقناة قدرًا هائلاً من الأرباح بعد أن تسابقت المحطات التلفزيونية العالمية إلى شراء حق بث اللقطات الحية التي تعرضها الجزيرة، بشكل قفز بسعر دقيقة الجزيرة من ألفين وثلاثة آلاف دولار إلى عشرين ألف دولار في الفترة من بين يومي 8-11 أكتوبر الماضي، حتى أن مسئولي الجزيرة أعلنوا غير مرة أنهم على علم بأن المحطات العربية هي الأخرى أعادت بث صور القناة القطرية وتغطيتها من دون أن تعبأ بالجوانب القانونية الخاصة بحقوق البث، إلا أنهم يغضون الطرف عنه مكتفين «أمجاد الخبطة الإعلامية التاريخية». وقد نشر الباحث لؤي البحري دراسة في فصلية ٌّMiddle East Polic عدد يونيو 2001 ناقش فيها ما أسماه «ظاهرة الجزيرة» وتطرق إلى الصعوبات التي واجهتها الجزيرة في تطوير إيراداتها الإعلانية بسبب المواقف السياسية من القناة مشيرًا إلى أن الحكومة القطرية كانت لا تزال حتى تاريخ صدور الدراسة تنفق في حدود الأربعين مليون دولار سنويًا لتمويل سير العمل، وأن هذا المبلغ يضاف إلى منحة تأسيس قيمتها 137مليون دولار دفعتها قطر عام 1996. الجانب الآخر الذي يتطرق إليه البحث في موضوع النشأة، هو الجدل الشديد الذي أُثير بشأن «تبعية» قناة الجزيرة، أو بعبارة أخرى إذا كان المسئولون القطريون وعلى رأسهم الأمير الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني، يؤكدون أن تمويل الجزيرة تقوم به الحكومة القطرية، ومع التشديد بأنها تبقى قناة مستقلة، فإن الأهداف التي نشأت من أجلها القناة تبقى موضع خلاف بين كل الذين تناولوا الجزيرة -الظاهرة بالنقد والتحليل. وبصفة عامة تتلخص اتجاهات المحللين في النقاط التالية: ـ البعض يسلم بأن الحكومة القطرية هي المستفيد الأساسي بشكل أو بآخر من المادة الإعلامية التي تبثها القناة، وأن فكرة إنشاء القناة على أنقاض تلفزيون الـ «بي. بي. سي» الذي كان يبث باللغة العربية قبل انهياره في منتصف التسعينيات من القرن الماضي هي فكرة قطرية خالصة سعت إليها القيادة الجديدة الشابة بعد عام واحد من اعتلائها سدة الحكم في الدوحة طلبًا لدور إقليمي غير تقليدي لقطر. وتجدر الإشارة في هذا الصدد إلى أن قناة الجزيرة باتت تحظى بشهرة عالمية وإقبال جماهيري ملحوظ على مشاهدتها بلغ حوالي 35مليون مشاهد يوميًا. وهو رقم تتضح ضخامته وسط التنافس الإعلامي الفضائي المتنامي في العالم في الوقت الراهن، فضلاً عن أن سكان دولة قطر أنفسهم لا يتجاوز عددهم 600 ألف نسمة فقط. ومن المثير -كما يشير إليه البعض- أن قناة الجزيرة أصبحت أكثر شهرة من الدولة التي تحتضنها، كما جاء على لسان الكاتب الاميركي «مايكل دوبز» نقل طرفة في مقالة له بصحيفة واشنطن بوست عن قناة الجزيرة. على أن كّتابًا آخرين يحذرون من أن هناك جوانب سلبية كثيرة لنجاح قناة الجزيرة، وأن قطر دفعت ثمنًا سياسيًا باهظًا للشهرة التي حازتها بسبب القناة المشاكسة. ـ أما الوجهة الثانية التي أشار البعض إلى وقوفها وراء فكرة إنشاء الجزيرة فهي إسرائيل إذ يحاول أنصار هذا الرأي، الذي تتضح أبرز تجلياته في تصريحات بعض المسئولين مثل ما أُشير إليه نقلاً عن وزير الإعلام البحريني، بأن شبهات كثيرة تدور حول دور هذه القناة في المنطقة العربية وغرضها من وراء البرامج المثيرة للجدل التي تبثها والموضوعات الخلافية التي تشتت وحدة الصف العربي والإسلامي. مشيرين إلى أن القناة «تتمتع بتسهيلات كبيرة داخل الأراضي المحتلة وتنفتح أمام مراسليها الأبواب المغلقة، ويطلعون على أمور محظور على غيرهم الاطلاع عليها ويصلون إلى أماكن لا يستطيع الوصول إليها إلا من له علاقات عقدية موثقة مع الحكومة الإسرائيلية والمتنفذين بداخلها. وهو ما أكده العديد من مراسلي المحطات الفضائية العربية في الأراضي المحتلة الذين ذكروا أن للقناة القطرية تسهيلات ليست لهم، وبإضافة هذه النقاط إلى الغموض حول الجهات الممولة والبرامج المثيرة للجدل تتضح الصورة أكثر فأكثر على حد وصف البعض». ويستدل آخرون على وجهة نظرهم تلك بقيام الجزيرة بإتاحة الفرصة للمسئولين والمتحدثين الإسرائيليين بالظهور لأول مرة على شاشات محطة عربية للدفاع عن وجهة نظرهم وشرحها وفي توقيت بالغ الحساسية في أعقاب اندلاع انتفاضة الأقصى، ثم توقيع القناة اتفاقية رسمية للتعاون مع الإعلام الإسرائيلي، ليصبح بذلك ظهور باراك وبيريز وقتها وشارون أمام المشاهد العربي أمرًا طبيعيًا. ومما يشار إليه في هذا الصدد قيام الجزيرة بالاتفاق مع رئيس الوزراء الإسرائيلي أرييل شارون في شهر مارس الماضي أثناء الحملة العسكرية الإسرائيلية على مدن الضفة الغربية ومحاصرة الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات في حجرات من مقره برام الله، على مقابلة تلفزيونية خاصة، ألغتها القناة فيما بعد لأسباب فنية، كما أعلنت القناة القطرية، وإن كان البعض يؤكد أنها خشيت من تفاقم الأوضاع بعد أن أعلن وزير الإعلام الفلسطيني ياسر عبدربه عن استياء الفلسطينيين من إجراء مثل هذه المقابلة مع تلفزيون عربي في مثل هذا الوقت، بالإضافة إلى اعتصام عشرات الصحفيين أمام مقر «الجزيرة» في بيروت احتجاجًا على المقابلة. ثم جاءت الخطوة التي قامت بها الجزيرة الشهر الماضي لتعضد هذه الاتجاهات، سواء بقصد أو من دون قصد، ونقصد بها شريط الفيديو الأخير الذي بثته القناة منتصف شهر ابريل الماضي، ويظهر فيه أسامة بن لادن زعيم تنظيم القاعدة وهو يتوعد بملاحقة الأميركيين وقتلهم في كل مكان بالعالم، كما يظهر في الشريط أحد مختطفي الطائرات التي قامت بهجوم الحادي عشر من سبتمبر وهو يدلي بوصيته قبل هذه الأحداث بستة أشهر في مكان ما بأفغانستان. وتركزت انتقادات الكتاب والمحللين، التي تكاد تجمع في أحسن التقديرات سوء توقيت عرض هذه المادة الإعلامية في وقت بالغ الحساسية بالنسبة للقضية الفلسطينية. وفي أسوأ التقديرات أشار البعض إلى أن الجزيرة تعمدت بث هذا الشريط في ذلك التوقيت تحديدًا وهي التي كان بمقدورها بثه في وقت سابق نظرًا لحداثة مادته. وقللوا من إمكانية الجزيرة أن تتعلل بأنها مادة إعلامية يجب بثها بمجرد الحصول عليها بموجب الاستحقاقات المهنية ليس أكثر، مشيرين إلى سلوك الجزيرة نفسها التي امتنعت عن بث مقابلة مع بن لادن أجراها مراسلها في كابول تيسير علواني، وظلت على ذلك الموقف حتى بثتها «سي إن إن» بعد شهرين من تسربها في السوق، مع أن تلك المقابلة كانت أفضل لو بثت، إذ يظهر فيها بن لادن وهو ينفي علاقته بأحداث الحادي عشر من سبتمبر، أما الشريط الأخير ففيه يعلن مسئوليته. كما أن القناة لم تفسر انحيازها للأفغان أثناء الحرب الأخيرة رغم تفهم قطاعات من المسلمين لدوافع الولايات المتحدة من وراء شنها، بينما ساوت بين الفلسطينيين والإسرائيليين في عرض وجهات نظرهم بدعوى الموضوعية والحرية. ـ ثالث الجهات التي أشار إليها الكتاب بوصفها المستفيد والداعم لقناة الجزيرة، هي دولة العراق. وقد تركزت جل الاتهامات في هذا الصدد، في كتابات المحللين الكويتيين الذين شعروا بانحياز الجزيرة ضد قضيتهم ومحاولاتها المستمرة لإيجاد حجج ومبررات للغزو العراقي للكويت، والتركيز على أن الكويت هي السبب في معاناة الشعب العراقي المحاصر، مع إغفال تام للمطالب الكويتية المشروعة بشأن الأسرى وغيرها. ويؤكد هؤلاء الكتاب وجهة نظرهم بالإشارة إلى الزيارات المتكررة التي يقوم بها مسئولو الجزيرة مثل المدير العام للمحطة محمد جاسم العلي للعاصمة العراقية بغداد، فضلاً عن كثافة ظهور المؤيدين لطرح النظام العراقي على شاشة الجزيرة وخلال برامجها الحوارية مثل عبد الباري عطوان رئيس تحرير صحيفة «القدس العربي»، وأحمد الهوني رئيس تحرير صحيفة «العرب الدولية»، وكلاهما يصدر من لندن - ويتخذان موقفًا معاديًا لدول الخليج العربي الست وغيرهم. وفي شهر أغسطس من العام الماضي كشف مصدر إعلامي عراقي رسمي لصحيفة «الحياة» أن «الجزيرة» أبرمت اتفاقًا مع وزارة الإعلام العراقية يتم بموجبه اعتماد محللين ومعلقين تتصل بهم الجزيرة بعد الاتفاق مع الوزارة لبث مداخلاتهم حيال القضايا العراقية التي تبثها القناة القطرية في نشرات الأخبار والبرامج الحوارية التي تبثها، وهو اتفاق يبدو فريدًا. ـ آخر الاتهامات التي وجهها البعض إلى الجزيرة بشأن الجهة التي تقف وراءها، وعلاقتها الوثيقة بالإرهاب والمنظمات الإرهابية. ويلاحظ في هذا الصدد أن هذا الاتهام تتفاوت حدته بشكل لافت للنظر لما ينطوي عليه من مفارقة حقيقية. إذ أن الولايات المتحدة المفترض فيها أن تكون أكثر المتضررين مما أسميته «انحياز الجزيرة إلى بن لادن وطالبان» لم تتعد مطالبتها للجزيرة حدود الالتزام بالتوازن في تغطية أحداث الحرب الأميركية في أفغانستان. بينما ذهب أكثر من كاتب إلى التأكيد على العلاقة الوثيقة بين القناة وجماعات الإسلام السياسي بصفة عامة والجماعات الراديكالية على وجه الخصوص، سواء بغرض تقديم مادة إعلامية «شاذة» أو تهييج الرأي العام العربي أو حتى تشويه صورة الإسلام والمسلمين لدى الغرب. ويشير هؤلاء إلى أن من ضمن 35ضيفًا تدعوهم المحطة باستمرار، يلاحظ أن 30ضيفًا منهم على الأقل على علاقة بمنظمات إسلامية متطرفة، ويكفي أن المحطة استضافت بين عامي 1996 و2000 الدكتور حسن الترابي السوداني «عراب الإسلام المتطرف» على حد وصف الكاتب 73 مرة وهو رقم قياسي. الجزيرة في الميزان تعددت الرؤى والاتجاهات بشأن أداء الجزيرة سواء المدح أو الانتقاد بشكل لافت ربما لأنها تجربة جديدة على الواقع العربي. وساق البعض، تعضيدًا لوجهة نظره، مبررات موضوعية أحيانًا، في حين تذرع آخرون في كثير من الأحيان بمبررات لا تخلو من المبالغة. وبالتركيز على الفئة الأولى يمكن أن نشير إلى ما يلي: ـ ماجاء على لسان أحد الكتاب بأن ثقافة محطة الجزيرة الإعلامية في كثير من جوانبها لا تهدف إلى تنوير الإنسان العربي ولا تساعده على فهم الأسباب الحقيقية لتخلف العالم العربي ولا تسلط الأضواء الكافية على تصادم كثير من القيم والأعراف السائدة في المجتمعات العربية والإسلامية مع مستلزمات التحديث والعصرنة، ولا تشعر المشاهد العربي بمقدار الجهد الذي تبذله شعوب البلدان المتقدمة وعقولها المفكرة الباحثة في أوروبا والولايات المتحدة واليابان. وإنما ينحصر الطرح في إشعاره بأن هذه البلدان إنما هي السبب الوحيد في ما آلت إليه أحواله من تخلف ورجعية. ـ الجمهور الذي حظيت به قناة الجزيرة في وقت قياسي لا يعضد من وجهات النظر القائلة بجودة الطرح الإعلامي للقناة بقدر ما يشير إلى أن هناك من الشعوب العربية إن لم يكن أغلبها من يتعطش لأن يسمع ويرى ما يردده هو في الخفاء من ممارسة النقد العنيف للأنظمة التي تحكمه. والجزيرة تحقق هذه المعادلة الصعبة في مجتمعات ناقدة بحدة تحت السطح وصامتة فوقه، خوفًا أو ترقبًا، وترغب في أن ترى ما تنتقده منوها عنها لا مسكوتًا عليه. ـ الدراسات العلمية تكشف بوضوح صدقية الرؤية السابقة، ومن ذلك ما أشار إليه أحد الباحثين السعوديين من خلال دراسة تحليلية لأكثر برامج الجزيرة جاذبية وهو برنامج «الاتجاه المعاكس»، حيث يشير في هذا الصدد إلى أن 30% من حلقات البرنامج سادها القلق النفسي والخروج عن حد الاعتدال وارتفاع الصوت والصراخ، بمعنى أن ثلث حلقات هذا البرنامج الشهير لا تخرج عن كونها مجرد صراخ لا فكر فيه. ـ فريق آخر من الكتاب يعزز الخلاف حول الجزيرة إلى التكوين الأصيل الذي تتميز به الثقافة العربية الراهنة، باعتبار أن رفض الآخر هو من صميم وأصل تلك الثقافة، وهو أمر ترسب منذ عشرات السنين. وبعيدًا عن اتجاهات الكتاب المختلفة بشأن الجهة المستفيدة من وراء البرامج التي تبثها الجزيرة واتجاهاتهم كذلك بشأن مزايا أو عيوب القناة القطرية، فإن الأمر الذي لاشك فيه، هو أن الجزيرة مثلت منذ ظهورها نموذجًا جديدًا قد تكون من الإفرازات الناتجة عنه بشكل مباشر أو غير مباشر، نحو نمط الإعلام العربي من الصورة التقليدية إلى الصور الحديثة وسيره باتجاه الحصول على المزيد من الاستقلالية، إلى حد طموح البعض ومناداته بإلغاء وزارة الإعلام، وسواء كان ذلك استجابة للتحدي الذي طرحته «الجزيرة» في الساحة الإعلامية العربية أو حتى للرد على القناة القطرية ولكن بشكل يجذب المشاهدين، إلا أن النتيجة في كل الأحوال ستكون لصالح الإعلام العربي بوجه عام وتحريره من القوالب الجامدة التي حصرته الاتجاهات الحكومية الضيقة داخلها. ويبقى في النهاية التأكيد على أنه إذا كانت العوامل التي استندت إليها الجزيرة في نجاحها الذي لم يعد محل خلاف هي التمويل السخي والحرفية العالية وإزالة القيود وإتاحة هامش غير مسبوق من الحرية، فإن توافر مثل تلك العوامل - وهو أمر بالإمكان يمكن أن يخلق تجارب أخرى عديدة مشابهة، وهو الأمر الذي بدأ يظهر بالفعل في تجارب عربية موجودة بالفعل مثل فضائية أبوظبي وقنوات أخرى خاصة. وفي هذا الحالة لن تصبح الجزيرة ظاهرة فريدة تجذب الانتباه إليها بوصفها المحتكر الوحيد للإثارة.