بين العرب واسرائيل صراع حضاري استخدم فيه العدو كل ما اتيح له من اسلحة المشروع منها وغير المشروع، صراع تعددت ميادينه واساليبه ووسائله، في مقدمة ميادينه الساحة الافريقية لاهميتها وقربها الجغرافي، افريقيا مصنفة اسرائيليا على الاقل في مراحلها الاولى الى دول معادية «عرب افريقيا» واخرى وان اختلفت الاسباب لها تحفظات في التعامل معها وثالثة تربطها مع دول الكيان الصهيونى مصالح لها الاولوية على اى علاقة مع العرب، لذلك جاء اهتمام اسرائيل بافريقيا مبكرا وتزامن مع قيام الدولة ففي عام 1955م قام ليفي اشكول باول جولة له في افريقيا بحثا عن دول خارج الدائرة العربية تعترف باسرائيل وتدعم شرعيتها بعد ان تمت محاصرتها عربيا واقليميا في باندونق ومؤتمر الشعوب الاسيوية الافريقية. اسرائيل دولة مفروضة بقوة السلاح وفاقدة للشرعية الاقليمية هذا ما اشار اليه ابا ايبان اذ قال: ان الوضع الطبيعي لاسرائيل هو الانسجام الاقليمي ولكن اذا تعزر تحقيقه فسنعمل على زرع العلم الاسرائيلي في كل عواصم العالم. استراتيجية الاقتراب غير المباشر محصلة لجدل واسع دار في اسرائيل عام 1957 م حول خطين رئيسيين لسياستها الخارجية. الاول: طالب بالتركيز على الدول حديثة الاستقلال في اسيا وافريقيا واقامة مصالح مشتركة معها اما الخط الثانى فضل اعطاء اولوية التعامل مع اوروبا فهي في نظر مؤيدى هذا الاتجاه القادرة على خدمة المصالح الحيوية لاسرائيل بصورة افضل لامتلاكها القدرة على التأثير في دول كثيرة وكان من مناصرى الخط الاول «الاهتمام بالدول حديثة الاستقلال مع الاعتراف بأهمية اوروبا». بن غوريون الذي تحدث عن صداقة افريقيا كواحدة من وسائل فرض السلام على العرب، الطريق الى السلام في نظر بن غوريون يتم بصورة غير مباشرة بتقوية علاقات اسرائيل مع شعوب اسيا وافريقيا لذلك اهتمت الدولة العبرية بفتح قنوات للتواصل عبر عنها التقرير الرسمى للدولة عام 1963 - 1964 م الذي جاء فيه «لقد تعمقت الصداقة مع الدول القديمة كما اتسعت العلاقات مع الدول الجديدة» اسرائيل لم تعد ساكنة في مكانها ولا في علاقاتها بعد ان اجتازت مرحلة تقديم نفسها وتفسير وجودها للعالم. اهداف السياسة الخارجية الاسرائيلية:- رفض العرب لاسرئيل ومحاولاتهم المتكررة لعزلها اقليميا ودوليا خاصة في افريقيا واسيا ودول المنظومة الاشتراكية فرض عليها البحث عن دول اخرى خارج محيطها الاقليمي للوقوف معها ودعم شرعية وجودها لذلك حددت مجموعة من الاهداف ذات طبيعة استراتيجية وسعت الى تحقيقها وهي: ـ الامن القومى: تأمين وجود اسرائيل وامكانية تمددها تحت ضغط الهجرة المتزايده اعمالا للوعد الالهي وفكرة ارض الميعاد لذلك ربطت استمراريتها بفتح ابوابها لكل يهود العالم وبضرورة التوسع استجابة للمتغيرات الديموجرافية «اسرائيل الكبرى» والتفوق عسكريا كما ونوعا على الدول العربية مجتمعة ، فالقوة بالنسبة للدولة الاسرائيلة عامل اساسى ووسيلة للردع المادى والمعنوى، اضافة الى خلق اقتصاد يتمتع بدرجة عالية من الاستقلالية والمرونة في مواجهة الضغوط الخارجية «الاكتفاء الذاتى كشرط لتحقيق الامن القومى». ـ الشرعية السياسية: الشرعية في مرحلة ما كانت في مقدمة القضايا التي واجهت الكيان الاسرائيلي لذلك سعت الدولة لكسر حلقة الحصار المفروض حولها بان تعتمد على شرعية لها بعد دولى بمعنى تأمين وجودها باعتراف اكبر عدد من دول العالم بها وضمان الدعم المادى والسياسى لها ولتوجهاتها غير المشروعة في المنطقة العربية وفي مرحلة لاحقة فان اهم اهداف اسرائيل هي تحقيق الشرعية المحلية وهي المرحلة التي نعيشها الان - مرحلة الضعف العربي والانحطاط العربي فيها تكثفت الضغوط على الدول العربية عبر وسائل مختلفة للاعتراف القانونى والواقعى بالوجود والامن الاسرائيلي من قبل الدول العربية واقامة علاقات طبيعية معها تمهيدا لمرحلة جديدة يتحقق فيها الهدف الاسرائيلي الثالث «الهيمنة الاقليمية، الشرق اوسطية التي بشر بها شيمون بيريز خاتمة مطاف لمراحل سابقة ومحصلة لعمل متصل ومتعدد القنوات قامت به اسرائيل وشاركت فيه أميركا واوروبا دعما لها، وشارك فيه العرب بعجزهم وقصورهم عن الدفاع عن كرامتهم ومصالحهم، جاءت فكرة الشرق اوسطية لتنمو فوق انقاض المشروع القومى بعد ان تفتت العرب وتشتت صفوفهم وتعثرت مشاريعهم المشتركة، جاءت بعد ان تفوقت اسرائيل عليهم عسكريا واقتصاديا ودبلوماسيا ليتحقق لها الامن والشرعية والقبول بها كأمر واقع «التطبيع» هذا ما عبر عنه بيريز نفسه وهو البحث عن مصالح مشتركة عربية يهودية يكون لاطرافها مصلحة في استمراريتها والدفاع عنها لتزول اسباب الصراع ويحل محلها التعايش بل التعاون على ان تكون الغلبة لاسرائيل المتفوقة علميا وتكنولوجياً وللعرب السكوت والقبول والاتباع. اسرائيل اليوم في ظل المتغيرات الدولية والاقليمية مقبولة عربيا بحدودها عام 1967م بعد ان تغيرت الاهداف والمواقف واختزلت المطالب العربية في بندين فقط الانسحاب من الاراضى المحتلة بعد حرب 67 واقامة الدولة الفلسطينية دون اى اشارة لعودة الفلسطينين هذا قمة ما يتمناه العرب مقابل الاعتراف باسرائيل وتطبيع العلاقات معها!!. اهداف السياسة الخارجية الاسرائيلية في افريقيا:- في اطار الاهداف الكلية «الامن، الشرعية، الهيمنة» اهتمت اسرائيل بافريقيا فهي واحدة من ساحات الصراع ربما لهذا السبب كان النشاط الاسرائيلي في افريقيا على درجة عالية من الكثافة والتنوع. رغم موقفها المعادى لحركات التحرر الوطنى الا انها سعت لبناء علاقات استراتيجية مع الدول الافريقية حديثة الاستقلال عبر عن هذا المعنى واحد من مفكريها قائلا: ان الصداقة الاسرائيلية الافريقية لن تنمو الا اذا فهمت اسرائيل وبصورة عميقة المطالب الاساسية للشعوب الافريقية مثل النضال ضد الاستعمار ومعارك التنمية بمعنى ان تختار الاسلوب المناسب لمخاطبة الافارقة لقد عملت اسرائيل بهذه النصيحة ونجحت في اخفاء اهدافها ودورها لتتمكن من تعميق علاقاتها مع الافارقة على حساب العرب علما بان غالبية العرب افارقة. الاسلوب الاسرائيلي مختلف عن ما اتبعته الدبلوماسية العربية ففي لقاء تم بين سفير عربى والرئيس التنزانى الراحل جوليوس نيريرى حاول السفير ان يشرح للرئيس التنزانى في ذلك اللقاء ما يجب عمله تجاه التغلغل الاسرائيلي في افريقيا، هنا قاطعه الرئيس نيريرى بحدة قائلا لا اننا لا نسمح ابدا لاصدقائنا ان يختاروا لنا اعداءنا.........!! الصورة التي حاولت اسرائيل غرسها في عقول الافارقة عن نفسها مغايرة لما ظهرت به اخيرا ففي تلك المرحلة كانت تطلب من الدول الافريقية القيام بدور الوسيط بينها وبين العرب، تحدث عن هذا المعنى شيمون بيريز اذ قال «ان اسرائيل لا تريد ان تحصل على اى شيء سواء انهاء الكراهية في الشرق الاوسط وبالمقابل ليس بوسعها ان تعطى شيئا لان ما يطلب منها هو في الواقع وجودها ذاته» اهتمام اسرائيل بافريقيا واعطائها الاولوية في التعامل له اسباب كثيرة منها: الفكرة الصهيونية قامت على تجميع يهود الشتات في ارض الميعاد، طبقا لاحصاء 1970م فان حوالى 15% من اجمالى السكان في اسرائيل هاجروا اليها من افريقيا. ـ الموقع الاستراتيجى فهي مطلة على البحر الاحمر والبحر الابيض المتوسط والمحيط الاطلسي وبها اهم ثلاثة مضايق لها تأثيرها على حركة التجارة العالمية وقد ظهرت بالنسبة لها اهمية البحر الاحمر ومضيق باب المندب بعد ان ظهرت فيه البحرية المصرية في معاركها مع اسرائيل. ـ شل الوجود العربي في افريقيا ومحاصرة المصالح المشتركة بين الدول العربية جنوب الصحراء وشمالها «الوصول الى منابع النيل بالنسبة لمصر والسودان». ـ وجود جاليات يهودية كبيرة في عدد من الدول الافريقية في جنوب افريقيا اثيوبيا زمبابوى كينيا الكنغو الديمقراطية، عن اهمية وجود الجاليات قالت جولدا مايير.......... «ان على اسرائيل في مواجهتها للدول العربية داخل حدودها وعلى المسرح الدولى ان تبذل جهودا فائقة لاكتشاف مسالك جديدة تمكنها من اختراق الحصار المفروض عليها فان لها حليفا مخلصا واخويا في يهود العالم. ـ ربط الوجود اليهودي في افريقيا بارض الميعاد عبر الزيارات والجباية المالية كمقدمة لترحيلهم نهائيا لاسرائيل. زيارة اليهود للدولة العبرية قال عنها ليفي اشكول «عمل مهم ليعود كل واحد منهم حاملا معه شيئا من روح اسرائيل وصدى منجزاتها ولهجة كلامها ربما لهذا السبب فسر البعض هجرة اليهود الفلاشا بانها خطوة لاعادة صياغة العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية والثقافية بين اسرائيل وافريقيا على اسس جديدة وكادر بشرى جديد له انتماء مشترك لافريقيا واسرائيل. ففي السنين المقبلة ستقود النشاط الاسرائيلي في افريقيا عناصر سمراء من اصول افريقية. ـ عوامل خارجية ساهمت في دعم الوجود الاسرائيلي في افريقيا: * تشجيع الدول التي استعمرت القارة «فرنسا ـ بريطانيا....... الخ» وتهيئة القارة لقبول اسرائيل بدأ بالسماح لها بفتح قنصليات لها في مدن افريقية قبل الاستقلال واعطائها حرية الحركة من الى هذه الدول اضافة الى التسهيلات التي قدمت لها خدمة لمصالحها. لقد استثمرت اسرائيل نفوذ الدول الاستعمارية القديم والحديث لدعم علاقاتها مع دول افريقيا ما يؤكد هذا القرار الذي اتخذته السوق الاوروبية المشتركة بان تكون اسرائيل مقرا لتدريب المبعوثين القادمين من الدول الافريقية وسعى الولايات المتحدة لادخالها في افريقيا عبر وكالات الامم المتحدة المتخصصة. لتحقيق اهدافها التي جاء ذكرها في مقدمة هذا المقال الامن، الشرعية، السياسية في افريقيا سعت الدولة العبرية للآتي: في مجال الامن: ـ ضمان هجرة اليهود من افريقيا الى اسرائيل وتنظيم الاتصالات بين المؤسسات الاسرائيلية والجاليات اليهودية الباقية في بعض الدول الافريقية ـ تلبية احتياجات الاقتصاد الاسرائيلي في مجالات التسويق والعمالة والمواد الخام في نفس الوقت مساعدة رأس المال الغربى على التغلغل في افريقيا. ـ كسر حلقة المقاطعة العربية الاقتصادية المفروضة على اسرائيل منذ قيامها بل ومحاولة حرمان بعض الدول خاصة مصر من الاسواق الافريقية ـ تأمين متطلبات الامن الاسرائيلي خاصة من الناحية الاستراتيجية البحرية في البحر الاحمر. في مجال الشرعية: ـ تأمين الاعتراف من قبل الدول الافريقية اولا بالوجود الاسرائيلي ثانيا بالتصور الاسرائيلي لتسوية الصراع العربي الاسرائيلي فضلا عن دعوتها للتوسط بين اسرائيل والعرب. ـ تأمين اصوات الاغلبية الافريقية في الامم المتحدة من اجل تأييد وجهة النظر الاسرائيلية وتدعيم المركز المعنوى للدولة الجديدة على المسرح الدولى. ـ كسر حلقة المقاطعة العربية السياسية وتحدى الرفض العربي للاعتراف باسرائيل بل والتصدى للنفوذ العربي في افريقيا لاضعافه مستثمرة الميراث السياسى والاجتماعى الذي خلقه الاستعمار والصورة المشوهة التي غرست في عقول الافارقة عن العرب ودورهم في تجارة الرقيق. في مجال الهيمنة: تهيئة المناخ لمرحلة ما بعد التسوية وإطلاع اسرائيل بدور قيادى في منطقة الشرق الاوسط وما جاورها خاصة البلاد الافريقية......