بيان الاربعاء: تختلف الرؤية الهندية عن نظيرتها الباكستانية للصراع الناشب بينهما من عدة زوايا، كما أن الدوافع الهندية للتصعيد ومطالب نيودلهي تتباين أيضًا عن نظيرتها الباكستانية، فالهند ترى في قضية الإرهاب، والتطرف الأصل في مشكلة الصراع حول كشمير وتشير إلى أن التسلل عبر الحدود والقيام بعمليات دموية في القسم الهندي من كشمير هو سبب عدم الاستقرار في المنطقة وتتهم نيودلهي المخابرات الباكستانية بالوقوف وراء العملية الأخيرة في 14مايو 2002 التي راح ضحيتها 35مدنيًا في كشمير الهندية، وتقول الهند أن الذين قاموا بها مقاتلون موالون لباكستان. في حين ترى إسلام أباد أن الصراع يجب تدويله للحصول على الحقوق الباكستانية في كشمير، لذا ترغب باكستان في فرض مراقبة دولية في المنطقة للحيلولة دون احتدام الصراعات وهو ما ترفضه الهند. وقامت باكستان من أجل فرض رؤيتها بإجراء تجارب صاروخية في ظل اشتداد الأزمة مع الهند، وهذه العملية التي وصفت بأنها ناجحة حسب بيان حكومي في إسلام أباد لإطلاق صاروخ أرض ـ أرض متوسط المدى طوله 150كم جرى تطويره محليًا من طراز غوري، من شأنها أن تثير الرأي العام العالمي وتجعل القوى الكبرى تهتم بتسوية الصراع بين الهند وباكستان وهو ما تسعى إليه الأخيرة. أما الهند فهي ترى في فكرة «التدويل» أن يتم تركيزها فقط على محاربة الإرهاب، فنيودلهي تدعو دول العالم للضغط على باكستان لتشن حملة صارمة على الإرهاب حيث توجه الهند الاتهام لباكستان بأنها تشن عليها حربًا غير مباشرة من خلال انفصاليين كشميريين وهو اتهام تنفيه إسلام أباد، أما الجانب الآخر «للتدويل» فهو يقلق نيودلهي خاصة على خلفية إعلان وزير الخارجية الاميركي بأن التصاعد يقلق العالم أجمع نظرًا لحوذة البلدين على أسلحة نووية. من هذا المنطلق ترى الهند أن التجارب النووية الباكستانية لها غايات داخلية بحتة. وفي الواقع فإن التصعيد الهندي الأخير له ما يبرره، حيث: ـ أولاً: هناك تخوف هندي من احتمال استعادة باكستان للوضع الاستراتيجي الذي تمتعت به خلال حقبة الثمانينيات، إذا أنها عادت إلى الأسرة الدولية خلال الشهور السابقة بفضل مشاركتها في الحرب ضد الإرهاب. كما أن الولايات المتحدة بدأت في ضخ ملايين الدولارات لإحياء الاقتصاد الباكستاني، مما يعني احتمال توفير موارد يمكن توظيفها في تحديث الآلة العسكرية الباكستانية. وخلال فترة العقد المقبل يمكن أن تظهر باكستان كطرف أساسي في توازنات القوى الممتدة من منطقة الشرق الأوسط وحتى شبه القارة الهندية ومرورًا بإيران وحوض بحر قزوين وآسيا الوسطى. وفي الوقت نفسه، يبدو أن الرئيس الباكستاني «برويز مشرف» قد وعي الدرس، مع احتمال نجاحه في قيادة باكستان ونهوضها كقوة إقليمية عقب انتخابات أكتوبر المرتقبة هذا العام. ـ ثانيًا: تنبع رغبة القوميين الهندوس في التصعيد والحرب مع باكستان من تعثر ائتلاف فاجبايي وتخبطه المستمر، فبعض المتطرفين الهندوس يعتقدون أن شن «حرب فاعلة» يمكن أن ينسف فرص «حزب المؤتمر» المعارض الذي ظل ملتزماً جانب الحذر والدبلوماسية في هذه المرحلة على الأقل. ثالثًا: العجز الهندي عن وقف العنف الطائفي أيضًا يفسر التصعيد الهندي الأخير ضد باكستان، فلأن العالم مشغول بدعوة محاربة الإرهاب فإن الهند تريد استغلال تلك الظروف لتصفية خلافاتها مع جارتها باكستان في قضيتين الأولى هي كشمير المتنازع عليها والثانية العنف الطائفي الذي هو موضوع هندي داخلي يفترض أن تعالجه بمسئولية واضحة لا تقف فيه إلى جانب طائفة من مواطنيها ضد أخرى. ـ رابعًا: كذلك يعتقد المحللون الاستراتيجيون في الهند أن بإمكان بلادهم شن حرب محدودة توجه ضد قواعد المقاتلين الإسلاميين في داخل باكستان، من دون المخاطرة في الوصول إلى حرب نووية، ويتبعون بذلك التقليد القديم بأن الحرب هي امتداد للدبلوماسية عبر وسيلة أخرى. ومن ناحية أخرى ضاعف رئيس الوزراء الهندي «بيهاري فاجبايي» من نغمة الحرب لخوفه من مواصلة اتهام حكومته بالضعف، خصوصاً بعد مقتل 30شخصاً في هجوم على قاعدة عسكرية في كشمير، فهو يواجه تحديًا لإثبات كفاءته السياسية، وأن عليه أن يظهر لجزء من الشعب الهندي بأنه قادر على اتخاذ قرارات حاسمة، كشن الحرب إذا اضطر لذلك. أما باكستان فلها دوافع ومبررات أخرى للتصعيد، خارجية وأخرى داخلية: ـ أولاً: بالنسبة للدوافع الخارجية تريد باكستان أن تبعث رسالة للعالم بخطورة الموقف وأنها تستطيع استخدام سلاحها النووي في حالة قيام الهند بحرب تقليدية ضدها، وأنها على استعداد لتسوية المشكلة عن طريق المفاوضات وتدخل الأطراف الدولية، ومن أجل فرض هذه النظرة بعثت إسلام أباد رسائل للعالم لتدويل المشكلة منها: ـ البدء في استدعاء أربعة آلاف من العسكريين من قواتها المشاركين في مهمة حفظ السلام مع الأمم المتحدة في سيراليون، لنشرهم على الحدود مع الهند، وهذه الرسالة موجهة للمجتمع الدولي وخاصة الأمم المتحدة للتدخل بأي شكل لوقف تصاعد النزاع ولإعادة إحياء القرار رقم 47 الصادر عن مجلس الأمن عام 1948 والذي ينص على إعطاء شعب كشمير حق تقرير المصير عبر استفتاء عام يقرر فيه إما الانضمام إلى الهند أو باكستان أو تكوين دولة ثالثة. ـ البحث في إمكانية استدعاء آلاف من العسكريين الباكستانيين الآخرين الموجودين في مناطق الحدود مع أفغانستان، وذلك في حالة تدهور الأوضاع أكثر على الحدود مع الهند، وهذه الرسالة موجهة على وجه الخصوص للولايات المتحدة الأميركية، لأن هذا الإجراء إن أقدمت عليه باكستان معناه انسحاب إسلام أباد من الحرب الأميركية ضد الإرهاب والتي لم تنته بعد وتركيز كل قواها في حربها المتوقعة مع الهند. ـ القرار الذي اتخذه الرئيس الباكستاني برويز مشرف بإيفاد خمسة مبعوثين إلى الخارج لشرح موقف بلاده من الأزمة مع الهند. وفي الواقع الهدف من هذه الجولة التي ستشمل روسيا والولايات المتحدة هو توضيح رؤية باكستان للحل السلمي وتدويل المشكلة. ـ ثانيًا: تتمثل الدوافع الداخلية في محاولة برويز مشرف لم شمل القوى السياسية الباكستانية حوله لزيادة شعبيته المفقودة لدى هذه القوى التي ترفض استمرار نظام الانقلابات العسكرية وتدعو إلى استقالة الحكومة الحالية وإجراء انتخابات. ففي محاولته لبناء هذه الثقة دعا مشرف لتشكيل مؤتمر تحضره كل الأطراف لمواجهة التهديدات الهندية، ويهدف مشرف من وراء هذا المؤتمر الذي تم رفضه داخلياً توحيد كل القوى وراء القضية القومية لزيادة شعبيته. فالحزبان الرئيسيان: حزب «التحالف من أجل إعادة الديمقراطية» بزعامة نواز شريف، وحزب «الشعب المعارض» بزعامة بي نزير بوتو رئيسة وزراء باكستان السابقة، يطالبان الرئيس مشرف بالاستقالة وتشكيل حكومة وحدة وطنية مؤقتة لمواجهة التحديات الداخلية والخارجية، فهما يريان أن هناك طريقة واحدة يمكن من خلالها الحيلولة دون تحقق احتمال الحرب وهي «تغيير النظام الحاكم في إسلام أباد الذي يمكن أن يتم بواسطة فيلق الضباط، التابع للجيش الباكستاني» وفي هذا الصدد تقول بوتو انه «في غيبة البرلمان المنتخب، فإن هذا الفيلق أصبح هو الذي يمثل القانون وبهذه الصفة فإنه يمكنه أن يطلب من مشرف الاستقالة للسماح بتشكيل حكومة جديدة يمكنها أن تبدأ حواراً لبناء الثقة بسجل نظيف لا تشوبه شائبة». مخاطر الصراع ومستقبله قبل الحديث عن العوامل والظروف والأطراف التي من شأنها إيقاف التصاعد المستمر للصراع بين الهند وباكستان، لابد من الإشارة إلى مخاطر وصول الصراع إلى نقطة اللاعودة، والمقصود هنا حدوث مواجهة نووية خطيرة لا تحمد عقباها والتي يشجعها عدم وجود توازن استراتيجي تقليدي بين الهند وباكستان ما يدفع الهند في محاولة منها لحسم النزاع لصالحها واحتلال الجزء الباكستاني من كشمير أو القيام بحرب محدودة لتقليم أظافر المتشددين في «كشمير الحرة» كما تطلق عليها إسلام أباد، هذا الوضع قد يجعل باكستان تلجأ إلى الخيار المميت وهو الخيار النووي لمحاولة إحداث توازن استراتيجي في حالة تعرضها لخسائر شديدة من الجيش الهندي. ففي أرقام «المعهد الدولي للدراسات الاستراتيجية» في لندن فإن الهند تملك جيشاً يتكون من مليون و 303 آلاف جندي إضافة إلى 535 ألف جندي احتياطي، فيما يصل عدد الجيش الباكستاني إلى 612 ألف جندي و 513 ألف احتياطي. وعلى صعيد الأسلحة الاستراتيجية تملك الهند ستين رأسًا نوويًا مقابل 25 رأسًا فقط لباكستان وفق ما تقوله صحيفة «تايمز» اللندنية. ويضم سلاح البر الهندي 1200 طائرة بينها 132 مروحية معظمها مسلح أما باكستان فتملك 410طائرات و 34مروحية معظمها غير مسلح. وتملك الهند حاملة طائرات فيما لا تملك باكستان أي حاملة، وهناك أيضًا 19غواصة هندية مقابل لا شيء لباكستان، ويملك البلدان صواريخ بعيدة المدى مع تفوق هندي حيث يعود برنامج نيودلهي إلى عام 1983 قبل فترة طويلة من إسلام أباد. وتنبع مخاطر الحرب النووية إن هي اندلعت - من التداعيات التالية: ـ ان الحرب النووية لا تخص الدولتين فقط، وإنما ستطول شعوب دول المنطقة وقد يمتد التأثير بالطبع إلى دول الخليج ثم منطقة الشرق الأوسط بأكملها وسوف تتأثر الأجيال القادمة لعشرات السنين وسوف تمتد المواد المشعة إلى الحيوانات والنباتات والتربة لسنوات وسنوات. فالحرب الرابعة بين الدولتين، إن وقعت، ستختلف كثيرًا في ظروفها وفي مخاطرها وآثارها. فالدولتان تمتلكان أسلحة نووية، وكذلك الوسائل اللازمة «الصواريخ» لإيصالها إلى أهدافها. ـ ما زالت الدولتان حتى الآن لا تمتلكان أنظمة محكمة للسيطرة على استخدام الأسلحة النووية، مما يزيد من احتمالات استخدامها، إذا ما سارت الحرب التقليدية على غير ما يشتهي أي من الطرفين. وفي هذه الحالة فالضرر سيمتد إلى خارج حدود الدولتين ليشمل دول الجوار، وقد يصل حجم الضحايا إلى أكثر من 12مليون قتيل ومريض ومشوه. ـ ان المواجهة العسكرية سوف تزيد من شعور العالم الإسلامي بأنه مستهدف، خاصة في حالة تأييد الولايات المتحدة للهند في نزاعها مع باكستان، فأفغانستان دولة إسلامية، وكشمير أغلبها شعب مسلم. فهناك توقع بأن المواجهة العسكرية بين نيودلهي وإسلام أباد ستؤدي إلى تأييد الانطباع السائد في العالم الإسلامي بوجود حلف دولي ضد المسلمين والدول الإسلامية بغض النظر عن مواقف حكومتها من الحرب المعلنة ضد الإرهاب. ومما لا شك فيه أن هذا الوضع سوف يؤدي إلى زعزعة استقرار أنظمة العالم الإسلامي. ـ إن الكارثة المرعبة التي ينزلق إليها الجاران النوويان من دون توقف، تثير قلق المجتمع الدولي بأسره، لأنها تتعلق بمنطقة يقطنها نحو خُمس سكان العالم، وتلامس شرايين التجارة الحيوية ومواطن الخدمات الاستراتيجية «خاصة البترول في بحر قزوين وإيران ومنطقة الخليج» لتسيير عجلة الحياة في العالم كله. ـ إن استمرار عدم الاستقرار في كشمير «خاصة العمليات الإرهابية التي تتم في الجزء الهندي من كشمير» ينطوي على مخاطر كبيرة تواجه الأقلية المسلمة في الهند و«التي يفوق تعدادها عدد سكان باكستان نفسها البالغ 143مليون نسمة» حيث يصبح مسلمو الهند هدفاً لعمليات تطهير عرقي ومذابح ترعاها الدولة، فالمذابح التي يشهدها إقليم «غوغارات» تقدم صورة حية لما يمكن أن يحدث مستقبلاً على أيدي حكومة هندوسية يسيطر عليها الأصوليون. آليات اندلاع الحرب وإزاء تلك الأوضاع يثور تساؤل مفاده ما هي آليات تجنب اندلاع تلك الحرب النووية؟ للإجابة على هذا التساؤل لابد من تضافر الجهود الدولية لثلاثة أطراف رئيسية لها تأثيرات واضحة على مواقف الطرفين، هي: ـ دور مجلس الأمن الدولي من خلال القوى الكبرى، وخاصة الولايات المتحدة الأميركية التي لها علاقات تكتيكية مع باكستان، وأيضًا علاقات استراتيجية مع الهند، فهي تحتاج إلى باكستان في نطاق الحرب التي تقوم بشنها ضد تنظيم «القاعدة»، ولكنها تعترف في الوقت نفسه بأن الهند قوة إقليمية كبرى في مواجهة الصين، ومن ثم تسعى لإقامة علاقات أقوى معها. ـ دور القوى الإقليمية وتأثيرها على الطرفين مثل الصين واستثمار علاقتها بباكستان، وروسيا واستغلال علاقاتها المتميزة خاصة مع الهند، من أجل الضغط على الطرفين لكبح جماح الجماعات المتطرفة لدى الدولتين. ـ دور الدول العربية والخليجية واستثمار علاقاتها غير المنحازة لأي طرف منهما. وهذه الأطراف الثلاثة يجب أن تضغط من أجل وضع آلية معينة لتنفيذ قرار مجلس الأمن رقم 47 الصادر عام 1948 والداعي إلى تسوية سياسية للنزاع حول كشمير من خلال الدعوة إلى استفتاء لتقرير المصير.