بيان الاربعاء : يعد الصراع بين الهند وباكستان صراعا مأساويا وفق اكثر الساسة العالميين ومنهم ريتشارد نيكسون الرئيس الاميركي الاسبق الذي وصفها بأنها النموذج المأساوي لنزاعات العالم الثالث والتي توقع لها ان تنشب حتى لو لم يكن هناك اتحاد سوفييتي. ومن نيكسون حتى بوش الإبن تقلب هذا الصراع على نار التغيرات الدولية والإقليمية ووجد نفسه في مركز الثقل للإستراتيجية الأميركية التي لم تتوانى في الوصول الى أهدافها في قلب آسيا الثروات والموقع الإستراتيجي المهم لكل مخططاتها، ولم تخرج من دائرة نظرة نيكسون وتوقعاته التي توشك ان تتحقق. وتيرة الحرب بين الجارتين اللدودتين ارتفعت مؤخرا رغم ان احدا لايستطيع القول انها خمدت او توقفت ابدا منذ خمسين عاما. وبالطبع فإن كشمير هي الورقة التي تلعب بها الهند مع مايتداخل من حركات أصولية أو مقاومة تطالب بحقوق نجحت الهند من وضعها في قائمة المنظمات الإرهابية مما يضع باكستان في زاوية حرجة وخطرة. وسواء كانت الهند أم باكستان سبب التوتر الأخير، فإن معطيات الواقع تشير الى ان حربا تقليدية لابد ان تنشب لتعطي أميركا فرصة للتخلص من التزاماتها تجاه حليفها الباكستاني الذي كما يبدو فقد ضرورته لديها، مثلما هي فرصة تاريخية للتخلص من قدرة البلدين الآسيويين النووية التي تقلقها مع رفض الهند التوقيع على أية معاهدات للحظر من التجارب النووية. مؤشرات كثيرة يمكن ملاحظتها في التوتر الأخير بين الهند وباكستان، وهي رغم انها مؤسسة على تراكم قديم إلا انها تأخذ شكلا جديدا يمكن القول انه يقترب من حافة حرب نووية محدودة تعيد الينا قصة توازن الرعب والردع النووي مما شهدته الحرب الباردة المنتهية قبل عقد من الزمان. كيف ينظر الى التوتر المتصاعد بين الهند وباكستان اليوم، هل هو فعلا صراع ايديولوجي؟ ما هو الدور الأميركي في تأجيج هذا الصراع وأخذه المنحى الذي هو عليه الآن، وكيف نقرأ حركة السياسة الأميركية في التحرك الهندي وفي الوجوم الباكستاني؟ ماهي السيناريوهات المحتملة لقيام حرب بين البلدين وماهي التحليلات الممكنة والتصورات السياسية لهذه السيناريوهات وكيف يمكن ان يكون شكل هذه الحرب، هل يمكن ان يستخدم السلاح النووي؟ ماهي دوافع ومطالب الطرفين المتنازعين وكيف يمكن قراءة مستقبل هذا الصراع في إطار النظام العالمي الجديد الذي فرضته حرب الإرهاب؟ تشكل الهند وباكستان احجار زوايا مهمة بالنسبة للإستراتيجية الأميركية وبالنسبة للعلاقات الأميركية الآسيوية، وبقيت مسألة إعادة توازنات الشرق الآسيوي إثر انتهاء الحرب الباردة إحدى اولويات هذه الإستراتيجية، ولعل التوتر الأخير بين الهند وباكستان اثار قلقا جديدا للإدارة الأميركية لكنه قلق من نوع آخر ينطوي تحت عنوان مخططات التصفية التي تتم في المنطقة والتي تجعل الأرض أكثر من ممهدة لأميركا. والقلق الأميركي الأخير لاعلاقة له بما كانت تبديه واشنطن إزاء سياسات الهند وبخاصة ماكان منها متعلقا بالبرامج النووية التي تطال تنمية الموارد وتزيد من مخاطر الصراع في المنطقة، فواشنطن اليوم تدعم التهديد الهندي لما تسميه اميركا والهند بالإرهاب الأصولي والمتمثل في الجماعات الإسلامية التي تدعمها باكستان. ولعل أميركا اليوم تشكرللهند ـ ضمنا ـ رفضها التوقيع على معاهدة حظر التجارب النووية واحتفاظ الأخيرة بردع نووي معقول وهو مااتسمت به السياسة الهندية في العقد الأخير من القرن الماضي ومطلع هذا القرن، وهو أمر ينسجم مع السياسة الأميركية الجديدة التي اصرت على الإحتفاظ بردع نووي معقول يضاف الى درع دفاعي صاروخي شكل عنوان الإستراتيجية الأميركية الجديدة وحلفائها. وبالطبع فإن تغير السياسات الأميركية والاقليمية كان أبرز نتائج انتهاء الحرب الباردة، والحرب ضد الإرهاب، ونجد ان الفلسفة الأميركية في مايتعلق بالصراع الهندي ـ الباكستاني قد أخذت منعطفا آخر تجاوز الحدود التي وضعتها واشنطن في السابق والتي نصت على: ـ لابد من ممارسة ضبط النفس. ـ لابد من احترام خط وقف اطلاق النار في كشمير. ـ لابد من التوصل إلى أسلوب لاستئناف الحوار بين البلدين «الهند وباكستان». ـ ليس هناك من حل عسكري للمشكلة الكشميرية. القراءة الأولية للمعطيات السياسية الحالية بما يخص الصراع الهندي ـ الباكستاني تعطي انطباعا بان للأميركيين أكثر من مصلحة في تصعيد الصراع رغم ان مخططاتهم الإستراتيجية تفترض جوا من السلم ولو بشكل نسبي والواقع ان الإزدواجية باتت السمة الأبرز في السياسة الأميركية اليوم والتي تفيد منها الهند في سياستها. وقبل ان ندخل في تفاصيل الدور الأميركي ـ الهندي المشترك في الصراع الهندي ـ الباكستاني ينبغي التأكيد على اهداف الإستراتيجية الأميركية التي أصبحت خطا سياسيا تسير عليه وتفيد منه الهند اليوم، وتتلخص هذه الأهداف في مايخص آسيا بالآتي: ـ مواجهة المخاطر القادمة من آسيا موضع الشيوعية والحركات الثورية الإسلامية وغير الإسلامية. ـ منع روسيا من ملء الفراغ الذي احدثه انهيار المعسكر الإشتراكي السابق وتراجع السيطرة الغربية على آسيا. ـ مساعدة الدول المحيطة والقريبة من الخليج العربي وبصفة خاصة «إيران وباكستان» لمنع المد الشيوعي أو الإسلامي من الوصول الى المحيط الهاديء. ـ تقوية الهند ومساندتها لتمكينها من مقاومة النفوذ الصيني الذي بدأ يتحول الى نوع من الغزو العسكري والمعنوي. ـ حماية الحائط الذي يفصل المحيط الهاديء عن آسيا وذلك بفضل الإتفاقية الإقليمية الجماعية SEATO . ـ المحافظة على اندونيسيا خارج الدائرة الشيوعية. ـ تأكيد التواجد العسكري في الجنوب الشرقي الآسيوي لمساندة القوى الحليفة في المنطقة وذلك بالإشتراك مع القوى الغربية والنفوذ التقليدي البريطاني. ـ حماية الصين من أن تخضع لعملية التفاف ضخمة لابد ان يقود اليها التغلغل الروسي في المحيط الهندي. ـ ضرورة السيطرة على ثروات بحر قزوين وحرمان الروس من استعادة دورهم القطبي. تبرز هذه الأهداف كما رأينا مجموعة من الحقائق أهمها انها جميعا مرتبطة بحالة السلم أو على الأقل الإستقلال عن كل صراع نووي أو غير نووي في المنطقة دون أن يشمل ذلك دخول أميركا،وماعدا حرب الإرهاب التي بررتها أميركا ،فلم يكن مهيئا ابدا دخول أميركا في أي صراع. لقد بدأت السياسة الأميركية منذ كيسنجر تطبق بكثير من الحذر وقسط معين من الفاعلية مبدأ توظيف العداوات المحلية لصالح الإستراتيجية الأميركية ونجد مثال ذلك واضحا في الصراع الهندي الباكستاني، ورغم ان الإدارة الأميركية لم تستطع منذ أواخر عهد كلينتون بلورة رؤية استراتيجية متماسكة وحتى واضحة للنظام العالمي الجديد الذي تعتقد واشنطن انها تقوده، وشهدنا أزمة عميقة في التوجهات السياسية واجهت القوة الأميركية التي صارت عملاق النظام العالمي تمثلت في تسارع سقوط الحواجز بين وحدات النظام العالمي، ومن هنا وجدنا أميركا تغير تحالفاتها في ماشهدناه من التصاق بالهند ونبذ لباكستان حليف الخمسين عاما الماضية، فكيف ينظر لهذا التحالف والتنافر بين اضلاع المثلث الأمريكي ـ الهندي ـ الباكستاني وسط آسيا؟ مابعد حرب الإرهاب لايمكن النظر الى التأزم الهندي الباكستاني الأخير بعيدا عن نتائج الحرب ضد الإرهاب لانها اشتعلت كنتيجة لهذه الحرب خاصة ان الهند استفادت من هذه الحرب لإطلاق مخططاتها فهي لم تترك فرصة محاربة الارهاب الاميركية تمر دون ان تحقق مكاسب سياسية على صعيد التحالف الاستراتيجي مع الولايات المتحدة وعلى صعيد انتشال وضعها الاقتصادي وعلى صعيد كشمير وعلاقاتها بالصين وباكستان خاصة بعد انتهاء المشكلة الأفغانية. وبالمقابل فإن باكستان لم تترك هي الأخرى فرص التهديد الهندي تمر دون ان تستفيد من التصعيد الاخير الذي أضيف لما حدث أواخر عام 2001 عندما ضرب البرلمان الهندي، في التخلص من الوجع الباكستاني الممض الذي يسميه الغرب الارهاب الاصولي والذي يجعل باكستان ضعيفة أمام أي ضغط دولي. راديكالية مشرف التي تطرفت به بعيدا عن الاحزاب الاسلامية ومطالبها الجديدة والموصوفة بالارهابية عالميا، تضعه اليوم امام خيارين لا ثالث لهما للفترة الحالية والمقبلة وهما: اما الانصياع للعصا الهندية الاميركية، واما الانسحاق مع المنسحقين الافغان والاصوليين، وفي كلا الخيارين ستكون كشمير ثمنا باهظا، اكبر من الكرسي الذي امتلأ بالأشواك القاسية. والواقع يشير الى ان حرب الارهاب اعطت الفرصة السانحة للهند وللولايات المتحدة لتنفيذ مخطط قديم، سعى لدى الهند في ازاحة باكستان وايجاد بديل للدولة المسلمة التي تقض مضجعها وتقف حجرة عثرة امام المشروع الهندي الكبير «مقاربة باسرائيل الكبرى». وسعى المخطط لدى اميركا الى تحقيق توازن بين رغبتها في مأسسة العلاقة مع الهند دون التخلي عن باكستان ولكن اية باكستان ارادها الاميركيون؟ التقت مصالح الهند والولايات المتحدة في التخلص من سطوة القوة الباكستانية النووية والتي يسميها الاميركيون والاسرائيليون والهنود معا بالسلاح الاسلامي او «القنبلة النووية الاسلامية» وهو الذي يلوم الغربيون انفسهم عليه، ويرددون دائما القول المأثور: كنا السبب اذ تركنا المنطقة بعد انهيار الاتحاد السوفييتي. ولعلنا لاننسى ان باكستان كانت حليفا تقليديا للولايات المتحدة، ومثلت خط المواجهة بالنسبة للتوسع السوفييتي في جنوب اسيا، دعمت المقاتلين من اجل الحرية في افغانستان، وقامت بدور المضيف لما يزيد على ثلاثة ملايين لاجيء، وكانت هذه السياسات خطيرة على باكستان لدرجة مميتة. وفي الواقع ان الحشد العسكري للبلدين استمر طيلة العقد الاخير من القرن الماضي، لعبت فيه الولايات المتحدة دورا حيويا، جنب المواجهة دون اخماد جذوة الخلاف، وربما كان صيف 1999، أشدها اذا نجحت اميركا في تجنب مواجهة عسكرية بين الجارتين اللدودتين، ومثله شهدنا التصعيد الذي أوشك ان يقود حربا رابعة مطلع هذا العام «2002» والذي تمتد آثاره حتى اليوم. وتذكر الوثائق الدولية ان الهند عمدت الى اقامة مجازر للمسلمين المدنيين في اقليم جامو وكشمير ناهيك عن الداخل الهندي، وعلى سبيل المثال فإن سني الانفصال بين الهند وباكستان ونشوب النزاع حول المنطقتين شهد قيام القوات الهندوسية بقتل اكثر من 300 الف مسلم في كشمير وحدها، واجبرت اكثر من 500 الف مسلم اخر على الهجرة الى باكستان لتحول جامو من مقاطعة ذات اغلبية مسلمة الى مقاطعة ذات اقلية مسلمة وكان رد الفعل الطبيعي للقبائل المسلمة من المناطق الحرة الواقعة شمال غرب باكستان الدخول في كشمير لمساعدة اخوانهم في العقيدة الذين كانوا يتعرضون لمذابح الهندوس. وفي الأزمة الأخيرة التي اندلعت في 14 مايو 2002 اظهرت الحكومة الهندية قدرا اكبر من التشدد تجاه باكستان، وهو ما يعكس ثقة زائدة بالنفس من ناحية وبالدعم الدولي خصوصا الاميركي والغربي من ناحية ثانية لسببين: الاول: يتعلق بمحاولة استغلال زخم الحملة الاميركية ضد الارهاب ورغبة الأميركيين في التخلص من المنظمات الأصولية وإضعاف باكستان وقوتها النووية. الثاني: مرتبط بالتفوق العسكري الهندي في مجال الاسلحة التقليدية الذي يصل الى خمسة اضعاف مالدى باكستان تقريبا حسب ما يقدر الخبراء. ولهذا اخذ رد الفعل الهندي شكل هجوم صاروخي لما اسمته الهند بمعاقل الإرهاب في كشمير الباكستانية واتهمت باكستان بتحريضها للمتطرفين الكشميريين وهو ماجعل مطالبة باكستان بوقف التسلل الإرهابي مطلبا دوليا. والواقع ان الهند لم تغير مطالبها في إطار الصراع مع باكستان منذ إعلان لاهور فقد بقيت لاءاتها الثلاث كما هي، وزادتها «لا» رابعة في الظرف الدولي الجديد. ـ فالاولى كانت «لا» لدعم باكستان للمجاهدين الكشميريين الذين تحولوا مع حملة الارهاب الى ارهابيين. ـ والثانية «لا» لا نفصال واستقلال كشمير وبالتالي تثبيت خط التقسيم باعتباره حدودا دولية بين البلدين اصبحت مع التصعيد الأخير ترنو لتجاوزه. ـ والثالثة «لا» لأي دعوة للحوار مهما تغيرت المعطيات الدولية والاقليمية رغم مافرض عليها من محاولة الحوار ولو بشروطها. ـ اما «لا» الجديدة فكانت لموقف التصعيد العسكري والحصول من باكستان على تنازلات فهي الفرصة الذهبية التي تنتظرها الهند منذ اكثر من نصف قرن من الزمان. ومن هنا نجد ان كشمير هي المبرر والحجة الدامغة التي تستخدمها الهند دائما لضرب باكستان وللحصول على مكاسب استراتيجية من باكستان. ورغم ان جذور الصراع الهندي الباكستاني قديمة كما اشرنا الا ان كشمير تظل الصراع الذي يتأجج دائما والذي لايمكن استبعاد اليد الهندية في إشعاله كل مرة، وهي بالتالي تمثل النموذج الصارخ لفكرة الصراع الأيديولوجي بين الهند وباكستان. كشمير.. صراع ايديولوجيا ومصالح شكلت كشمير منذ انفصال الدولتين التوأمين الهند وباكستان عام 1947 اهمية بالنسبة للهند التي سعت لاحتلالها وتهجير اهلها من المسلمين وزرع السيخ مكانهم. تبلغ مساحة كشمير بمجموعها 222 ألف كم مربع تقريبًا، تحتل الصين جزءاً منها وتحتل الهند ما يعادل 100 ألف كم مربع تقريباً، وفي هذه المساحة الضيقة نسبياً «أكبر من الأردن بقليل» التي تحتلها الهند، يعيش أقل من 8 ملايين نسمة، من بينهم زهاء 6 ملايين و500 ألف مسلم، وقد نشرت الهند أكثر من 800 ألف جندي هندي، أي ما يعادل جنديا لكل عشرة أفراد من سكانها، أو لكل ثمانية أفراد مسلمين من السكان. وليس المقصود بهذا التعبئة التي جندت المزيد بأعداد ضخمة خلال الأسابيع والشهور القليلة الماضية، بل يمثل الرقم المذكور الوجود العسكري الهندي الدائم في أرض كشمير. وتذكر الوثائق التاريخية ان الهند لم تحتل كشمير لتمتعها بثروات ضخمة اذ ان الاخيرة لا تملك ما تملكه بعض الدول من الثروات، غير ان هدفها الاساسي من احتلالها للولاية الاسلامية كان لاستخدامها كقاعدة لمخططاتها الهدامة وتحقيق مطامعها ضد العالم الاسلامي ومقدساته. وتشير الوثائق الدولية ان تصريحات القادة الهندوس طالما ذكرت اساطير مفادها ان الامبراطورية الهندية كانت تمتد في يوم من الايام من سنغافورة شرقا الى نهر النيل غربا مرورا بالجزيرة العربية، ولذلك فإن المطامع الهندوسية منذ اليوم الاول لاحتلال المنطقة المنكوبة استهدفت اقامة «الامبراطورية الهندوسية العظمى» لتستعيد مكانتها المزعومة. وفي هذا السياق قال جواهر لال نهرو اول رئيس وزراء للهند: «ان الهند كما صنعتها الطبيعة لايمكنها ان تلعب دورا ثانويا في شئون العالم، فاما ان تعتبر من القوى العظمى او ان لايكون لها وجود». ويقول الدبلوماسي الهندوسي الكبير الدكتور «إس.آر.بارثيل» في اطار شرحه لكلمة لال نهرو: «ومن الضروري جداً سيطرة الهند على سنغافورة والسويس اللذين يشكلان البوابة الرئيسية لها، واذا ما سيطرت عليها قوة اخرى معادية فانها تهدد استقلالها... وكذلك حاجة الهند للبترول تجعلها تهتم بالبلاد العربية ايضا». ويختتم الخبير السياسي الهندوسي حديثه عن مطامع الهند الاستعمارية قائلا: «يسود فراغ سياسي هائل في المنطقة بعد مغادرة الانجليز ويجب سد هذا الفراغ، وبما ان للهند قوة بحرية عظيمة من الضروري ان يتحول المحيط الهندي من سنغافورة الى السويس خليجا تملكه الهند». ورغم ان كثيرين قللوا من اهمية هذه الاقوال الا ان الواقع يقول ان هؤلاء المتحدثين هم واضعو السياسة الداخلية والخارجية الهندية وهم قادتها ومفكروها، ولعل اكبر دليل على الاطماع الهندية ان صواريخها يصل مداها الى اكثر من ثلاثة الاف كيلومتر في الوقت الذي تبعد فيه اقصى نقطة في باكستان من الحدود الهندية حوالي الف كيلومتر، وهذا يعني ان الصواريخ النووية لم تعدّ لباكستان الجارة انما اعدت للعالم العربي والاسلامي. من هذا نرى ان كشمير تمثل اهمية استراتيجية للهند مما جعلها شديدة التمسك بها على مدى اكثر من خمسين عاما رغم الاغلبية المسلمة بها ورغم الحروب التي خاضتها واستنزفت مواردها البشرية والاقتصادية ويمكن تلخيص هذه الاهمية وفق مصادر عديدة ب: اولا: تعتبرها الهند عمقا استراتيجيا امنيا لها امام الصين وباكستان. ثانيا: تعد امتدادا جغرافيا وحاجزا طبيعيا مهما امام الايديولوجية الباكستانية التي تقوم على اساس ديني «الاسلام» الامر الذي يهدد الاوضاع الداخلية للهند ذات الاقلية المسلمة. ثالثا: استقلال كشمير على اساس عرقي وديني قد يفتح الباب امام الكثير من الولايات الهندية التي تغلب عليها عرقية معينة او يكثر فيها معتنقو ديانة معينة. وبالمقابل فإن لكشمير اهمية جعلت الباكستانيين يعدونها خطا احمر لايمكن تجاوزه او التفريط فيه فكشمير بالنسبة للباكستانيين تعني: اولا: منطقة حيوية لامن باكستان بسبب وجود طريقين رئيسيين وشبكة للسكة الحديد في سرحد وشمال شرق البنجاب تجري بمحاذاة كشمير. ثانيا: ينبع من الاراضي الكشميرية ثلاثة انهار رئيسية للزراعة في باكستان الامر الذي يجعل احتلال الهند لها، تهديدا مباشرا للامن المائي الباكستاني، وهو ماأكده الرئيس الباكستاني في زيارته للإمارات العربية المتحدة في العاشر من يونيو 2002. وترى السياسة الاميركية ان الهند اكثر اهمية للولايات المتحدة خاصة في مواجهة الصين العدو التقليدي المتعاظم للسياسة الاميركية بآسيا، وتعتقد واشنطن ان الصين هي التي ساعدت باكستان في تطوير مشروعها النووي الذي يمثل تهديدا لحليفتها اسرائيل، كما نرى ان الهند هي الدولة الوحيدة القادرة على مواجهة الصين ومناوشتها بحكم القوى العسكرية والبشرية المتقاربة والتنافس التقليدي على النفوذ بين البلدين. ولمواجهة التعاون العسكري الصيني ـ الباكستاني، شجعت الولايات المتحدة حليفتها اسرائيل على تطوير تعاونها العسكري مع الهند الذي شمل صفقات صواريخ متقدمة وطائرات تجسس تعمل بدون طيارين، ونجد اسرائيل قد انتهزت فرصة جديدة في الازمة الاخيرة بين الهند وباكستان لدعم هذا التعاون وتطويره الى حلف استراتيجي. سيناريوهات واحتمالات الحسم هل يمكن في ضوء ما سبق الجزم بأن التصعيد العسكري الهندي يأتي كجزء من الضغوط الأميركية ـ البريطانية على باكستان، وهل يمكن أن تمضي الضغوط إلى مستوى الحرب الشاملة بين البلدين النوويين أو على الأقل إلى حرب محدودة بهدف إضعاف الجيش الباكستاني على وجه التخصيص؟ بالتأكيد إن قضية كشمير ليست قضية «ورقة ضغوط» في الحرب النفسية ـ الأميركية ـ الحالية والتصعيد الهندي الأخير إنما كانت ولاتزال قضية ارض إسلامية وشعب مسلم واحتلال عسكري ومقاومة وهي لها جذورها التاريخية وواقعها المعاصر. وللإجابة على الأسئلة المطروحة علينا النظر إلى عدة نواح في التوازن العسكري بين الهند وباكستان ينبغي وضعها في الاعتبار إذا مالت الأزمة الحالية إلى الحرب، وتتلخص في الاحتمالات المطروحة: ـ كشمير في حرب غير متوازنة. ـ تجاوز كشمير وتصعيد حرب تقليدية. ـ اللعبة النووية. في ما يتعلق بالاحتمال الأول نجد إن كشمير تعطي باكستان ميزات عدة في الحرب غير المتوازنة، وعلى سبيل المثال ستعطي باكستان قيمة الانفراجة السياسية للمواطنين والمسلمين المتطرفين، وستخدم التضاريس الجغرافية باكستان على أساس صعوبة السيطرة وفقها على عمليات التسلل وسد الحدود امام الجماعات التي تسميها الهند بالإرهابية التي تنزع للعدوان على الهند. ومن الناحية العسكرية نجد أن الهند تضع نفسها في نفس الوضع التكتيكي الصعب وفي مواقع مختلفة فمبارزات مدفعيتها محدودة عبر خط السيطرة وهي تواجه قدرة باكستان على نشر قوة مسيطرة تدعم المتمردين بتكلفة اقل مما يمكن أن يكلف الهند إذا نشرت قوات ضرورية لاحتلال كشمير والدفاع عن خط التقسيم. أكثر من هذا فإن بإمكان باكستان دائما التراجع عن المواجهة أو القتال وتستأنف الصراع بشكل متوازن أما الهند فلا تستطيع تقليص قواتها الموجودة بدرجة كبيرة في المنطقة.وبالطبع فإن خطوط الإمداد لا تخدم أحدا ولذا نصح خبراء الإستراتيجية الأميركيون الهند بإلقاء ثقلها والاعتماد على طريق خاص إلى المنطقة بجانب خط السيطرة يخدم أغراض نقلها ومواصلاتها هي فقط. ويرى الخبراء انه وفقا لهذا الاحتمال فإن ما ستحصل عليه الهند القليل من التقدم الأمامي المباشر على القوات الباكستانية التي تمتلك مواقع دفاعية ممتازة، وفي حال إطلاقها غارات جوية ضد مخيمات التدريب والمرافق العسكرية فإنها لن تستطيع الجزم بالقضاء عليها إذ يمكن إعادة بناء المخيمات، كما إن الكثير من المرافق العسكرية الباكستانية تمت حمايتها بشكل جيد للتعامل مع هجمات المدفعية. أما الهجمات الجوية الهندية مع قوات للمشاة والتي يحسب أنها ممكنة فهي ستتورط في خطر الكمائن وتخسر مقابل الدفاع الباكستاني، وفي نهاية غارة كهذه فإن المتمردين أو القوات الباكستانية ستتفرق وتترك الهند مع ربح قليل وخسائر جمة. أما السيناريو الثاني أو الاحتمال الثاني فعلى العكس قد يخدم الهند إذا صعدت حربا تقليدية، فباكستان هشة جدا مقابل هجوم رئيسي تستخدم فيه الهند قواتها التقليدية فالأخيرة لديها عمق استراتيجي قليل لكنه يضم عددا من المدن التي تعد ذات أهمية مثل لاهور وغيرها والتي لا تبعد سوى مئة ميل عن الحدود، رغم إن التضاريس ليست أفضل إلا إن الهند عرضت بالفعل قدرتها على عبورها لاحتلال جزء هام من باكستان بهدف فرض حل لقضية كشمير. ويرى الخبراء الإستراتيجيون الأميركيون أن الغارات الجوية الهندية على مفاصل اقتصادية مهمة تقدم تأثيرا محتملا للضغط باتجاه إنهاء الوضع الكشميري الممض، يضاف إليه التحرك البحري الذي يفيد لتهديد الموانئ الباكستانية. هنا وفق نفس الخبراء الذين يبدو أنهم يقدمون النصح للهند، ستكون باكستان أمام خيارات ثلاثة: ـ محاولة الدفاع والتقدم مع قوات تقليدية قليلة وضعيفة جدا لن تؤثر كثيرا، ومحاولة حماية الحدود بكاملها في العمق. ـ السيطرة على معظم الحدود ومحاولة شن هجوم مضاد لانتزاع بعض الأجزاء من الهند وهي نفس الخطة التي تنوي الهند اتباعها، على أساس القليل من الأرض الهندية ذات القيمة الإستراتيجية العالية بجانب الحدود للضغط باتجاه إيقاف الزحف أو التصعيد الهندي. ـ السيف النووي الذي يصطك كرادع. لدى الهند في المقابل حافز للدفع باتجاه عدم استخدام السلاح النووي والاعتماد على جيشها التقليدي ويمكنها ان تخلق ادعاءات سياسية وعسكرية تمكنها من تفجير مواجهة تقليدية مع باكستان كما فعلت في السابق وكما تفعل اليوم. أما الاحتمال الثالث والذي يطرح فكرة استخدام الأسلحة النووية فيمكن القول بأن لدى الجانبين خبراء استراتيجيون يستطيعون أن يقدروا بشكل كامل حقيقة أن أية مواجهة نووية قد تقتل ما يزيد على عشرة ملايين شخص على الطرفين. الذي أكده الخبراء الأميركيون أن الاستعراض الصاروخي النووي الباكستاني هو أفضل طريقة لردع هجوم تقليدي هندي، كما أن الاستعراض الهندي بالرد كمعادل لطرف الردع النووي هو أفضل جواب وهو ما يجعل حرب اختبارات الصواريخ النووية متعذرا اجتنابه. احتمال نشوب حرب نووية ليس ضروريا، وينظر الأميركيون إلى الأمر من جانب نظرية الردع التي يعرفونها جيدا فتحرك الجيش الهندي تحت هذه الظروف سيحسب بدون شك على إنه خطوة للحد من خطر الرد النووي الباكستاني، والرد الأول الباكستاني على مثل هذه الخطوة سيكون محدودا. الخطر يكمن في ما أسموه بعملية «الواحدة بواحدة» أي بالضربة الأولى والرد النووي فإذا شعر الجانبان بأنهما مجبران لمواصلة الرد فإنهما سيخاطران بفقدان السيطرة على سلم التصعيد وكلاهما لايملك آليات السيطرة على الأسلحة النووية التي يملكونها. وفي كل الأحوال فإن لدى الطرفين أسباب رادعة ربما للتصعيد النووي الخطير جدا، فالهند ستخوض الانتخابات البرلمانية في أكتوبر المقبل وسيكون من الصعب التصلب سياسيا فالمنظمات المقاومة سترد بكل ثقلها بمزيد من العنف سواء في الداخل الهندي أو في الداخل الباكستاني، مشرف نفسه ليس بعيدا عن خطر هذا التهديد. المتمردون والمنظمات المقاتلة هم المفتاح إذن في الحرب المحتملة، كما إنه لايمكن تجاهل دور رئيس الوزراء الهندي وحزبه الذي شجع إثارة الشغب في ولاية كوجارات الهندية وعده البعض متورطا في المجازر ضد المسلمين والذي قد يدفع إلى إشعال حرب مجهولة العواقب ومدى التأثير. بقي هناك سؤالان مهمان يطرحهما خبراء السياسة هما:هل يستطيع مشرف وقف التسلل، وما الذي يجب ان تفعله الهند لتخفيض التوتر؟ للإجابة على هذين السؤالين يرى الخبراء الأميركيون ان مشرف بإمكانه وقف التسلل بشكل كامل فلديه الجيش الذي يدعمه ويلتزم تجاهه ويمكن به السيطرة على المخابرات الباكستانية إذ صمم على ذلك.ورغم ان جهوده على وقف العنف داخليا ستهدد شعبيته لكنه يجب ان يحكم بيد من حديد لوقف العنف الطائفي داخليا، ووقف تسلل المتمردين الكشميرين والمنظمات المساندة لهم للأراضي الباكستانية، قد يدفع مشرف ثمنا باهظا لكنه إن لم يفعل سيكون الثمن أكثر من باهظ، هذا مع الأخذ بعين الإعتبار أن وقف التسلل لن ينهي مخاطر اندلاع الحرب التقليدية على الأقل. أما مايجب أن تفعله الهند فهو يتطلب تقليص قواتها المنتشرة على جبهتها الغربية وحماية طرق النقل والإتصال الطبيعية مع باكستان، ربما قاد هذا الأمر الى أجواء سلمية، ولكن وفق نفس الخبراء فإن هذا لن يحدث، قد تصدق الهند بأن باكستان قد أوقفت التسلل فعليا على المدى القصير وقد تخفض من درجة حرارة التصعيد الذي تشنه ضد باكستان لكنها لن تتخلى عن مطالبها في كشمير وستبقى القوة النووية الباكستانية هاجسها، ستؤسس اتصالات متحفظة مع باكستان حول استعادة الطاعة عبر اتفاقية ثنائية يتم التوصل اليها على مدى عقد من الزمان تقلل من مواجهة صراع دامي لكنها ستضمر رغبتها في قتال الباكستانيين والحصول على ماتعتبره حقا وهو: كشمير وتدمير القوة النووية الإسلامية. لهيب عبدالخالق