تزايدت الانتقادات الموجهة الى شيمون بيريز وزير الخارجية الاسرائيلي، وطالب الكثيرون بالخروج من الحكومة حتى يمنح هو وحزبه العمل بعض الأمل الى الجمهور الذي اوصلته سياسة شارون الكارثية الى اليأس. ويقول يئيل ماركس المعلق الدائم في «هآرتس» ان الجنود القدامى المخضرمين لا يموتون وانما هذه المقولة المعروفة تنطبق اليوم اكثر من أي وقت آخر على شيمون بيريز الذي يصبح مع كل يوم أقل صلة بما يحدث وخصوصاً بما لا يحدث. في خارج الدولة يكنون له احتراما كبيرا. فهو يدخل الى القصور ويخرج منها ويجري المباحثات المعمقة مع قادة الحكومات ووزراء الخارجية وكأنه موجود في مركز الحدث والمجريات. الا ان الجميع يعرفون انه لم يعد يملك أي تأثير على شارون في الواقع. بيريز يسهب في الحديث عن المبادرات والأفق السياسي، الا ان شارون يفعل ما يشاء ومتى يشاء وكيفما شاء. وكما قال بيغن في عبارته التي لا تنسى: «بيريز يقوم باعلامك قبل القيام بالعمل احيانا واحيانا بعده، وفي بعض الاحيان لا يعلمك بما فعله بالمرة». من الممكن الافتراض ان موقف شارون المتصلب في مقالته التي نشرها في صحيفة «نيويورك تايمز» والذي طرح على مسامع بوش على انه موقف لاسرائيل لم يعد بالاتفاق مع بيريز وبما يتوافق مع آرائه. وعموما من الغريب ان يأخذ شارون في رحلاته وزراء لا علاقة لهم بالامر تاركا وزير خارجيته في البلاد. في الفترة التي كان من الشائع السخرية فيها من تشبث بيريز بالكرسي كان هناك من تذكروا له قدرته على المناورة وخداع رؤساء الوزراء وأملوا ان يكون الكابح والمحرك لشارون في آن واحد. ولان هذا الأمل قد تبدد وتبين ان بيريز هو شريك وهمي وفاقد لأي تأثير على شارون فان الأمل الاخير الذي بقي أمام بيريز لينقش بصماته على حياتنا يكمن ربما في القيام بخطوة الاستقالة المدروسة. صحيح ان بيريز المغرم بالأمثال والمقولات يقول دائما ان «المستقيلين لا يفوزون». ولكن ربما تبين في هذه المرة انه على خطأ. عندما يقترب الشخص من نقطة اللاصلة ويصبح خارج اللعبة في منصب مركزي مزعوم في الحكومة فان تحطيم قواعد اللعبة قد يكون نقطة انعطافية منتصرة. شارون حتى الآن فاشل. في كل مجال ممكن نسير نحن وببطء راسخ نحو الهاوية. الارهاب يتواصل، العمليات العسكرية وتعميق التغلغل في مناطق السلطة لم يحل أي شيء، بل على العكس تماما: حدثت عملية ارتقاء في قدرة المخربين الابداعية. لكل حيلة نستخدمها توجد حيلة مضادة من الطرف الآخر. تكلفة العنف تصل الى 20 مليار شيكل والوضع الاقتصادي الناجم عن الازمة الامنية أعادنا سنوات للوراء. وعود شارون بالانتخابات تبدو كوعود كتبت على جليد. لا سلام ولا أمن ولا اقتصاد مزدهر. لا توجد لدى شارون أية بشرى يزفها الينينا في أي مجال. قبل خمسة عقود وعد الجنرال ايزنهاور في المعركة الانتخابية للرئاسة الاميركية بوضع حد لحرب كوريا، وبعد انتخابه بيوم واحد وحتى من قبل ان يتوج رسميا توجه هو شخصيا الى كوريا للاطلاع على سبل تطبيق ما وعد الناخبين به. هناك سياسيون يعتبرون وعودهم الانتخابية مقدسة. عندما عمل شارون بقوة من اجل تشكيل حكومة الوحدة بل وعين بيريز وزيرا للخارجية اعتقد الكثيرون انه وحزب العمل يسيرون نحو خطوة سياسية دراماتيكية وانه هو فقط القادر على تقديم تنازلات مؤلمة في اطار التسوية. توقعوا منه مثلا ان يلتقي مع ياسر عرفات شخصيا كخطوة اولى الا انه اشترى بطاقة سفر ذهابا وايابا لبوش بدلا من ذلك لبيعه نظرية عدم وجود شريك تفاوضي عند الفلسطينيين وان لا عودة لحدود 1967 ولا ازالة للمستوطنات ولا حتى كبادرة حسن نية وان لا مفاوضات في ظل اطلاق النيران. شارون شل حركة بيريز ومنعه من عرض خطة التسوية مع الفلسطينيين على الحكومة. مع الوقت ثارت الشكوك بأن شارون لا ينوي القيام بأي تنازل وأنه يعمل بالاساس لكسب الوقت حتى ينتخب من جديد. حكومة شارون والعمل في داخلها في دور المنساق الإمعة غذت الرسالة القائلة انه لا يوجد ما يمكن القيام به. اليأس تحول الى استراتيجية والتهديدات باحتلال المناطق وطرد عرفات أدخلت شارون والدولة كلها معه في شرك. هذه هي اللحظة المواتية التي يتوجب على بيريز ان يقول فيها «كفى». الامر المقترح هو ان يستقيل بيريز في خطوة من مرحلتين: ان يضع على طاولة الحكومة كل المشاريع التي صاغها ومنعه شارون من طرحها بهدف طرح بديل للسياسة الحالية التي تقودنا نحو الحرب الدائرية، هذا البديل سيجبر حزب العمل ـ الذي نسي لماذا تحالف مع شارون ـ في الخروج من الحكومة ومنح الجمهور اليائس بعض الأمل. من الأفضل لبيريز ان يسير مرفوع الهامة بدلا من ان يذوب. وهذا الوضع لا يمكن ان يستمر في هذه الحالة.