الملف السياسي: قال الراكب: «أيتها المضيفة، أبلغي كابتن الطائرة أنني لا أشعر بالأمان مع وجود أصحاب البشرة الداكنة هؤلاء الى جانبي». واشار الراكب الى ثلاثة مسافرين على متن الطائرة، وعلى الفور قامت المضيفة بابلاغ كابتن الطائرة بشكوى الراكب ودار نقاش مع اصحاب البشرة الداكنة تم في نهايته اجلاؤهم عن الطائرة ضمانا لسلامة الركاب (!). كان هذا موضوع دعوى قضائية أقامها أربعة مواطنين اميركيين، بينهم اثنان من أصول عربية، ومواطن خامس يحمل اقامة دائمة في الولايات المتحدة. الدعوى شارك في تقديمها اللجنة العربية ـ الاميركية لمكافحة التمييز، يوم الثلاثاء الماضي، ويتولى المرافعة فيها لمصلحة المدّعين محامون من الاتحاد الاميركي للدفاع عن الحريات المدنية ومؤسسة اخرى للدفاع عن الحريات مقرها في واشنطن العاصمة. يقول مدير اللجنة العربية ـ الاميركية لمكافحة التمييز زياد عسلي: ان هناك توجها جديدا ومقلقا بدأ يظهر في المطارات الاميركية، وهو الطلب من الركاب مغادرة الطائرة بسبب اصولهم العرقية، ان هذا لم يكن يحدث قبل 11 سبتمبر. بينما يقول المحامي ريجنالد شوفور، من الاتحاد الاميركي للدفاع عن الحريات المدنية: ليس هناك رقم محدد عن عدد الحالات من هذا النوع ولكن يبدو انها منتشرة على نحو واسع. وتؤكد اللجنة العربية ـ الاميركية انها تلقت 60 شكوى رسمية من هذا النوع، منذ 11 سبتمبر الماضي، وان الحالات التي لم يبلغ عنها هي اكبر من ذلك بكثير. المحامون في هذه القضية وجهوا الاتهام الى اربع شركات طيران هي: اميركان، كونتيننتال، نورث وست، ويونايتد، والتهمة هي ممارسة العنصرية، وهي تهمة يعاقب عليها القانون الاميركي بقسوة، نتيجة للنضال التاريخي الذي قاده الاميركيون من أصل افريقي وعلى مدى عقود ونجحوا خلاله في رفع كابوس التمييز العنصري ضدهم، وهو تمييز كان يبلغ حد القتل. بصمات العرب والمسلمين في اليوم نفسه الذي اقيمت فيه الدعوى كان وزير العدل الاميركي جون اشكروفت يعلن عن اجراءات جديدة اتخذتها الادارة الاميركية للحد من «المخاطر العالية» التي يشكلها قادمون الى الولايات المتحدة من عدد من الدول الاسلامية والشرق أوسطية وتقضي هذه الاجراءات بتسجيل بصمات يد هؤلاء القادمين، مع ضرورة ان يبلغوا اجهزة الهجرة عن عناوينهم خلال ثلاثين يوما من وصولهم. ويتم تتويج هذا كله باعلان الرئيس جورج دبليو بوش عن استحداث وزارة للأمن القومي تصل ميزانيتها الى 37 مليار دولار، ويعمل فيها 170 الف موظف، ويتعاون معها مايزيد على مئة مؤسسة وهيئة رسمية، وميزانية هذه الوزارة هي خارج المبلغ الذي قرره الكونغرس الاميركي لمكافحة الارهاب ويقدر بحوالي 31.5 مليار دولار، وكذلك خارج الزيادة التي طلبها الرئيس بوش لوزارة الدفاع «البنتاغون»، وهي تبلغ 48 مليار دولار عن السنة 2002. .. ومع ذلك ووفقا لآخر استطلاع للرأي، فإن 84 في المئة من الاميركيين يوافقون الرئيس بوش على زيادة الضرائب لحماية الأمن القومي الاميركي. عنصرية من رحم الحرب العنصرية هي الابنة الشرعية للحرب، وهذه العنصرية سواء كانت على مستوى الافراد وشركات الطيران، او على المستوى الرسمي، هي احد وجوه هذه الحرب، وقياسا على السوابق، فإن هذه العنصرية تجاه العرب والمسلمين بالذات، قابلة للتطوير، وحتى من دون جهود اللوبي اليهودي في الكونغرس والاعلام، لسببين: الاول هو الاختلاف في الدين والثقافة او ما يسمى حرب الحضارات، وهنا من المفيد ان نستعيد صورة أميركا في الحرب العالمية الثانية، فهي كانت تقاتل ضد القوات الالمانية والايطالية واليابانية، ولكن العنصرية استهدفت الاميركيين من أصل ياباني، بينما وفّرت عشرات الآلاف من المهاجرين الايطاليين والألمان، مع انهم مثل سواهم من الجاليات، كانوا يعيشون جماعات، وذات عناوين معروفة، ولكن اصحاب البشرة الصفراء والعيون الضيقة والديانة والحضارة المختلفة هم من استقطب العدوانية العنصرية لدى الأميركي، وكان لون البشرة عنواناً صاخباً للتمييز ضد السود الأميركيين ثم شمل اليابانيين والآن حان دور العرب والمسلمين أصحاب البشرة الداكنة. تراث «الأعناق الحمر» السبب الثاني هو ان استحداث وزارة للأمن القومي للمرة الأولى منذ ما يزيد على نصف قرن يستكمل الحرب في الخارج بالحرب في الداخل، وهي حرب تحتاج الى أعداء، وفي احدى مراحل الحرب في فيتنام، اخترعت ادارة الرئيس جونسون روايات عن اختراق «الفييتكونغ» لأراضي الولايات المتحدة، وصولاً الى البيت الأبيض، وعندما ضربت الولايات المتحدة ليبيا، كان قد سبق الضربة عشرات الروايات عن «فرق الموت» التي أرسلها العقيد القذافي لاغتيال مسئولين وقيادات أميركية، ولكن تلك الروايات تبدو اليوم أقرب الى «البروفة» لأن ما حدث يوم 11 سبتمبر حوّل الولايات المتحدة بأكملها الى حاضنة عملاقة لانتاج آلاف الروايات عن العدو في الداخل، وعن عمليات يسعى هذا العدو الى تنفيذها، وهي أخطر بما لا يقاس من أحداث سبتمبر. العدو في الداخل؟ ربما يكون هذا صحيحاً، ولكن ان تصبح «البشرة الداكنة» جزءا من هوية هذا العدو، وأن يكون القادم من بيروت والقاهرة والرياض مشبوها على الهوية، فإن المشكلة تتجاوز قلق ذلك الراكب في الطائرة وتتحول الى وزارة للأمن القومي تستعيد تراث أصحاب «الأعناق الحمر» العنصري، وهو تراث لا يليق حتى بعصابة، وليس بالقوة الأعظم