الملف السياسي: لم تكن العلاقة مستقرة بين الهند وباكستان طيلة العقود الماضية قبل ان تنضما للنادي النووي حيث جرت ثلاث حروب تقليدية بين البلدين الجارين لم تحل المشكلة والتي كلما مرت عليها السنون تعقدت اكثر واكثر وبدا ان لا حل لها في المدى المنظور وليس هناك سوى المناوشات، ثم التهدئة كلما تأزمت الاحوال. لقد سبق وان خاضت الدولتان ثلاث حروب تقليدية وتعلم باكستان تفوق الجيش الهندي عليها، ولايجاد التوازن لابد ان تلجأ للرادع النووي وقد غلفت سماوات البلدين خطابات سياسية وحماسية تتصاعد يوما بعد يوم بفعل المصالح واهواء السياسيين هنا وهناك دون الحاجة لاخذ رأي الكشميريين اصحاب الارض والمصلحة الحقيقية. ومع كل هذا الاحتقان وفي غمرة الحرب ضد الارهاب في افغانستان زاد الهجوم الصاعق على البرلمان الهندي في 13 ديسمبر الماضي الوضع توترا وعلى الفور اتهمت الهند باكستان بمساندة المليشيات المتطرفة وعززت قواتها على الحدود وكذلك فعلت باكستان وسط مخاوف من ان تتحول المواجهة الى صراع نووي ثم زاد الطين بلة هجوم جديد للمليشيات الكشميرية على معسكر للجيش اسفر عن مقتل ثلاثين جنديا بالاضافة الى عدد من المدنيين. وضعت الهند قواتها على اهبة الاستعداد للحرب وردت باكستان باختبار ثلاثة صواريخ يحمل كل منها اسم قائد غزا الهند.. والرسالة كانت واضحة وهي استعداد باكستان لشن هجوم نووي وهو الامر الذي اثار مخاوف الغرب واميركا والعالم حيث طلبت هذه الدول من رعاياها مغادرة المنطقة طلبا للسلامة وخوفا من الاسوأ. اسقطت باكستان طائرة استطلاع هندية بدون طيار مما يؤكد نهم الهند لمعرفة وحصر وتدمير المخازن والمفاعلات النووية ومواقع الصواريخ التي تحمل الرؤوس النووية في وضع الاطلاق وتلك التي يتم تحويلها لمناطق الاطلاق وذلك لتوجيه الضربة القاصمة الاولى للتدمير الكامل خاصة بعد ان قالت اسرائيل ان بامكان الهند الاستفادة من قمر التجسس الاسرائيلي الذي اطلق ابان الازمة. وهنا لا يمكن لاي منهما ان يبني حساباته على اساس ان الطرف الثاني لن يستخدم السلاح النووي لانهما يسعيان لاكتشاف اسرار الطرف الاخر لان كليهما يريد فعلا ضرب البنى التحتية والاهداف الاستراتيجية والمدن الكبرى ولكنهما في كل الاحوال يحذران كل الحذر من الوقوع في الفخ والتعرض للضربة الاولى ومع ذلك يدركان ان اي ضربة من اي منهما سوف تؤثر على الطرف الثاني لان التساقط الاشعاعي هو الذي يؤدي الى الاصابة لان الرياح هي التي تتحكم في وجهته من مكان التفجير ولمسافات طائلة وسيصيب هذا لاشك قوات التحالف المتمركزة في المنطقة. ومما لاشك فيه ان الحكومتين الهندية والباكستانية وقعتا تحت تأثير احداث الحادي عشر من سبتمبر في اميركا بما قدمتاه من دعم لكل الاطراف لمحاربة الارهاب وحاول كل منهما استثمار المناسبة والاستفادة منها لابعد حدود ففي الحالة الهندية التي يقود الحكم فيها الحزبان الهندوسيان المتشددان بهارتيا جاناتا وفيتو باريشاد زادت الحكومة من ميزانيتها العسكرية وفرضت المزيد من الضرائب وقلصت الخدمات العامة وتجهزت للقادم المجهول. اما الجنرال مشرف فقد وجد في الدعم الاميركي وحرب الارهاب فرصة ثمينة لاعطاء الجيش دورا رئيسيا في الحياة العامة وبالمقابل فقد كان ذلك على حساب الجماهير في كلا البلدين فقد تعرضت الحريات المدنية لهجمات متعددة ففي اسلام اباد وكراتشي تصدى الجيش لمظاهرات الاحزاب ومنظمات المجتمع المدني وفي الهند صدر قانون في مارس الماضي لمنع الاعمال الارهابية وهو قانون يقيد اعمال المنظمات الاهلية ويهدد حرية الصحافة ويعمل لعسكرة المجتمع مما يعرض للخطر حقوق الاقليات المسلمة. الهند لم تسعد بالاجراءات التي اتخذها الجنرال مشرف بعد احداث 11 سبتمبر بضغط من الرئيس بوش تحت قاعدة الحرب ضد الارهاب لوضع حد للتسلل من خط التحكم واقفال المعسكرات القريبة منه وضبط المدارس الدينية التي تدعو للجهاد العالمي والنشاطات المسلحة من الجماعات الاسلامية بوجه عام وكان مشرف حليفا قويا ضد طالبان والقاعدة فقد تخلى عن طالبان وكان الحليف الاهم والاكبر في حرب افغانستان ومنح الاميركان كل التسهيلات اللازمة لضرب القاعدة وطالبان والتي رحبت بها الادارة الاميركية ووعدت بالمساعدات والتي تخشاها الهند حتى لاتحصل باكستان على استثمارات غربية تحدثها وتزيد ارتباطها باميركا. القاعدة وطالبان المفترض وجودهم في اراضي باكستان ودائما ما يناصرونها في قضاياها خاصة قضية كشمير ولكن هذه المرة الوضع مختلف فهم غاضبون من الجنرال مشرف اشد الغضب ولا محالة فهم سيحتفلون لو خسر حربه مع الهند. ان اي تسلل لعناصر مناوئة للهند حتى دون رضا باكستان سيؤدي الى رد فعل غاضب يتعدى المدى حتى لو ارادته الهند محدودا حيث من الممكن جدا ان لا تحدد الهند بشكل دقيق الخط الاحمر الباكستاني مما يؤدي الى الحرب النووية التي لايريدها احد. هذه الاجواء ألقت بظلالها وتعقيداتها على الولايات المتحدة وخلقت وضعا صعبا ومعقدا الى ابعد الحدود مما حدا بالادارة الاميركية التدخل لايقاف تدهور الوضع والعمل على عدم نشوب الحرب وهي مهمة معقدة لان الصراع تشوبه مشاعر دينية ووطنية لاكابح لها وتغذى مشاعر العداء المتأصلة مصالح لدول كبرى وقد امتلك البلدان كلاهما السلاح النووي ويهددان باستخدامه ووجد الرئيس بوش وهو زعيم الدولة العظمى الوحيدة في العالم ان بلاده غير قادرة على الزام الاطراف بأي حلول، باكستان تدعي احقيتها في كشمير لوجود اغلبية مسلمة هناك والهند فيها ما يزيد على 150 مليون مسلم وهو عدد اكبر من سكان باكستان نفسها وتفريطها في كشمير لو حدث سوف يهدد تماسكها ووحدتها وموقفها تجاه مواطنيها المسلمين بالدرجة الاولى وترمي الهند من استخدام قضية الارهاب الدولي ضد باكستان لالغاء الهالة الذي دأبت باكستان على تجسيدها كرمز للمسلمين الهنود. ادت متاعب عبدالستار وزير الخارجية الباكستانية الصحية بعد عملية جراحية في الانف الى استقالته لكن الجنرال مشرف طلب منه الاستمرار في اداء مهامه حتى ايجاد بديل له وبدأت في الافق ولاول مرة مؤتمرات لتهدئة الاوضاع والتي بلغت ذروتها الى الحد الذي بدت فيه الامور وكأن البلدين على وشك الانزلاق نحو حرب نووية لا محالة وكل المرشحين لخلافة عبدالستار اقل عدوانية منه تجاه الهند وقد كان هذا الدبلوماسي المتخصص متقاعدا لمدة عشر سنوات حتى اعاده مشرف للخارجية ويعرف عنه قربه من الجماعة الاسلامية وتشدده تجاه الهند وعلى الرغم من منصبه الرفيع الا انه كان يعتبر دخيلا على الدائرة الخاصة المحيطة بالجنرال مشرف والتي تتشكل من العسكريين. وتبدو العملية وكأنها بداية تحرك باكستاني لتهدئة الجبهة الهندية بعد ان كانت قاب قوسين او ادنى من الحرب التي لو نشبت فانها ستؤذي الجميع فالتقديرات الاميركية تشير الى ان الخسائر البشرية لن تقل عن اثنى عشر مليونا. ويبدو ان الضغط المكثف لزعماء العالم مثل الرئيس الاميركي بوش والروسي بوتين وآخرين من دول شتى يجعل كلا الطرفين يرضخان للوساطة، فالولايات المتحدة تربطها بالهند مصالح مشتركة واستراتيجية كبرى ولا يمكن التفريط بها، وفي الوقت نفسه لا يمكن لأميركا التخلي عن باكستان وهي أكثر اعتدالا وتعاونا فذلك يعني سقوط مشرف والذي سيعود بالوبال على بلاده وأفغانستان بل وأميركا والمجتمع الدولي. فأميركا ستفقد مصداقيتها وسوف يجد المناوئون لها فرصة جديدة في التشهير بها وانها ليست مأمونة ولا مضمونة ولا عهد لها، وهذا ما لا تريده أميركا خاصة والجبهات مازالت مفتوحة وحرب الارهاب لم تضع أوزارها بعد، وربما تحصل القاعدة على قواعد في افغانستان من جديد وكذا طالبان وتفقد قوات التحالف حديقتها الخلفية ويتعرض وجودها للخطر. وبدلا من ان تلعب الولايات المتحدة دورا مهما وقيادياً تجاه الاطراف فإنها اكتفت بارسال المندوبين والتهدئة والمناشدات، لكن كل القراءات وعلى الرغم من الوضع الذي ينذر بالخطر تشير الى ان الهند وفي نهاية المطاف سوف تقبل بحل سلمي على خلفية الرد الباكستاني النووي، لأنه الخيار العقلاني للهند وباكستان على حد سواء، خاصة وان ما يجري يؤثر على اقتصاد البلدين، وبالمقابل يلتزم الرئيس مشرف بايقاف تسلل المتطرفين وهو الوحيد القادر في هذه المرحلة على السيطرة على زمام الأمور، وهذا سوف يؤدي للمزيد من الضغوط والتنازلات للضغط على الجماعات المتطرفة. ـ إعلامي عربي ـ واشنطن