الملف السياسي: رغم مؤشرات التهدئة التي طرأت على خط النزاع الهندي الباكستاني والتوجه نحو تخفيف التصعيد وإعمال لغة العقل والحرص على تجنيب البلدين والمنطقة شرور الحرب وآثارها الكارثية إلا ان ثمة تساؤلات يمكن طرحها لمناقشة خلفيات النزاع والتوقعات الممكنة لان حالة التعبئة العسكرية والحشود مازالت ماثلة. في حال وقعت مثل هذه الحرب ماذا سيكون انعكاساتها وتأثيراتها على الوضع الاقليمي في الشرق الاوسط عامة ومنطقة الخليج خاصة؟ وما هي ابرز التحالفات التي ستفرزها تطورات الازمة والمواجهة الدائرة حاليا بين البلدين الجارين والنوويين؟ باديء ذي بدء لابد من التأكيد انه يفترض في اعقاب انتهاء الحرب الباردة بين الشرق والغرب وزوال الاتحاد السوفييتي السابق عدم اللجوء بأي حال من الاحوال الى السلاح النووي ذلك ان العصر النووي قد انتهى مع انتهاء الحرب الباردة. وما يجري الآن بين اسلام اباد ونيودلهي يعد خروجا على هذه القاعدة وهو يشكل تهديداً خطيراً جداً للنظام العالمي الجديد الذي تقوده الولايات المتحدة اذ انه في حال نشوب اية مواجهة نووية في شبه القارة الهندية فإنها قابلة للامتداد الى مناطق اخرى مجاورة ربما الصين واليابان وحتى الولايات المتحدة بالذات. وعليه فإن من الضروري التأكيد بأن المسألة ليست محصورة بالهند وباكستان بل هي ذات امتدادات دولية وهو الامر الذي يفترض فيه ان يشكل عامل ضغط قوي ومؤثر على الطرفين معا من اجل التوقف عن لعبة التصعيد والعودة الى سياسة الحوار والتفاوض. وهذا الامر يمكن ان يتحقق من خلال دعوة الجانبين الى مائدة مستديرة يطرح عليها كل جانب مطالبه وشروطه. مواجهة مدمرة ولا حاجة لتأكيد ان اية مواجهة عسكرية قد تنشب بين باكستان والهند فإنها ستكون مدمرة حتى لو كانت من النوع التقليدي ذلك ان استخدام السلاح النووي بات مرهونا ببدء الحرب نفسها. فعندا تبدأ العمليات العسكرية فإن الخبراء يتوقعون ان تتحول الى مواجهة نووية بسرعة كبيرة، ومن هنا فإن الضغط الدولي يركز الآن على ابقاء الازمة في حدودها الراهنة لان اي تطور في الاتجاه الآخر وهو الحرب سيقود الى المواجهة الشاملة. وتكمن المشكلة وخطورتها في ان كل طرف يحاول ان يقنع العالم بصوابية موقفه ووجهة نظره وعدالة مطالبه فالهند تقول بأنها تريد وقف العمليات الارهابية التي تتعرض لها من داخل الجزء الباكستاني من منطقة كشمير المتنازع عليها في حين ان باكستان تطالب باستعادة الاجزاء التي تسيطر عليها الهند من كشمير على اساس انها ارض باكستانية. واذا كان هذا النزاع هو من النوع التقليدي إلا ان الجديد فيه هو ان باكستان اصبحت دولة نووية الامر الذي احدث تحولات دراماتيكية في وضع كشمير. فخلال الحروب الثلاث التي نشبت بين الهند وباكستان في 1949 و1965 و1971 كانت باكستان دولة غير نووية. اما اليوم وقد اصبحت اسلام اباد عضواً في النادي النووي الدولي فإن هذا قد اضفى على الازمة الناشبة حاليا بعداً جديداً ربما يكون هو السبب الذي يدفع بالمجتمع الدولي الى ابداء كل هذا القلق من تصاعد التوتر بين البلدين. الرعب النووي ومن الاهمية بمكان الاشارة الى الرعب النووي الذي يفترض ان يكون قائماً بين الهند وباكستان فالجانبان يدركان ان اللجوء الى السلاح النووي سيلحق دماراً شاملاً بكليهما حيث تشير التقديرات الى ان نحو 20 مليون شخص من الطرفين سيقطعون لمجرد وقوع حرب نووية وهذا وحده يكفي لتشكيل عامل رعب وتوازن في تطورات الازمة اللاحقة. وبطبيعة الحال فإن الخسائر والتداعيات لن تتوقف عند حدود الهند وباكستان الجغرافية بل لابد ان تمتد الى المناطق المجاورة مثل الصين واليابان وروسيا. كما ان منطقة الشرق الاوسط لن تكون بمنأى عن التأثير المباشر خاصة وان هناك امتدادات اسرائيلية وشرق اوسطية للصراع الهندي ـ الباكستاني. كما ان باكستان ينظر اليها على انها دولة اسلامية وان السلاح النووي الذي بحوزتها هو بالاساس مشروع عربي ـ اسلامي الامر الذي يزيد من مخاطر تأثر وامتداد الصراع الى الشرق الاوسط بالذات. ولهذا السبب فإن للأطراف العربية والاسلامية مصلحة قوية في تطويق الازمة وحل النزاع الهندي ـ الباكستاني بالطرق السلمية. كما ان خبراء الاستراتيجية يعتقدون ان لجوء الهند او باكستان الى استخدام السلاح النووي يمكن ان يشجع اسرائيل وهي تمتلك السلاح النووي على التفكير الجدي باللجوء اليه وهو امر يحمل في طياته كارثة شاملة للشرق الاوسط. واذا كان الجانبان يدفعان الآن فواتير دولية سابقة فإن من الاهمية بمكان ان يحدث تحرك عربي ـ اسلامي قوي وفعال للتأثير على الطرفين من اجل التوقف عن سياسة التصعيد والعودة الى اسلوب الحوار والتفاوض. لماذا الآن؟ والسؤال الذي يطرح نفسه بالحاح هو لماذا نشوب الازمة وتفجيرها بهذا الشكل الدراماتيكي بين الهند وباكستان في هذا الوقت بالذات؟ بمعنى اذا كان الخلاف حول كشمير هو تقليدي وقديم فما هي الاسباب والدوافع التي ادت الى تفجير الصراع بهذه الطريقة خلال هذه الفترة بالذات. ان ثمة من يعتقد بأن الولايات المتحدة الاميركية والقوى الغربية الاخرى هي التي تقف وراء احتدام المواجهة بين الهند وباكستان. ويضيف هؤلاء انه في اعقاب احداث الحادي عشر من سبتمبر وتداعيات الحرب الاميركية ضد الارهاب سعت واشنطن الى تغيير قواعد اللعبة في شبه القارة الهندية من خلال تحويل الهند الى قاعدة تحالف جديد مع الغرب واستبدالها بباكستان بعد سقوط نظام حركة طالبان في افغانستان. وهذا معناه بأن هناك لعبة دولية خطرة وقذرة هي التي تقف وراء تجدد الصراع الهندي ـ الباكستاني وبالتالي لا يمكن حصر الازمة في اطارها الاقليمي. فهي الآن عبارة عن ازمة دولية يراد من خلالها اعادة رسم نظام امني وسياسي جديد في شبه القارة الهندية ومنطقة الشرق الاوسط ولهذا السبب بالذات فإن الخبراء يحذرون من اتساع رقعة المواجهة لانهم يدركون بأن القوى الدولية والكبرى في العالم هي التي تدير الازمة وتدفع بها الى حافة المواجهة النووية. والوقت لن يطول حتى يكتشف الطرفان المتنازعان انهما كانا بالفعل ضحية لمؤامرة دولية جديدة ذلك ان مشكلة كشمير يمكن تسويتها من خلال المفاوضات ولكن اصرار القوى الدولية على عدم حل هذه المشكلة هو الذي يؤدي الى تصعيدها واتساع رقعتها وكأن المطلوب من الهند وباكستان دفع اثمان هذا التحول الذي شهده النظام العالمي الجديد وكل الخطأ ان تستمر لعبة التصعيد بالشكل الراهن وان تفشل قيادتا البلدين في وقف الازمة وفتح الطريق أمام المفاوضات فهنا يكمن الخطر الاكبر الذي يتهدد الهند وباكستان والذي يحتاج الى امتلاك ارادة واعية بدلاً من السلاح النووي. ـ صحفي سوري