الملف السياسي ظهرت في الأفق بوادر انفراج للأزمة المشتعلة بين الهند وباكستان وهدأت صيحات الحرب التي انطلقت من هنا وهناك وأظهرت نيودلهي نوايا حسنة لتهدئة الموقف، حيث أشارت مصادر مقربة من الحكومة الهندية ان نيودلهي ستعزز تمثيلها في اسلام أباد وتسمح للطائرات المدنية الباكستانية بعبور المجال الجوي الهندي وتعيد تسيير الرحلات البرية عبر السكك الحديدية والباصات بين البلدين، وفي ذات الاطار تراجعت لهجة الحرب في الصحف الهندية أمام نداءات تدعو الى حل دائم لقضية كشمير. والشاهد ان البلدين تعرضا خلال الأسابيع الماضية لضغوطات خارجية وبذلت جهود حثيثة ووساطات من جانب العديد من دول العالم لتخفيف التوتر والحيلولة دون انفجار الموقف لما له من آثار كارثية ليس على الدولتين فحسب، بل على المنطقة والعالم عموماً. ومع ذلك ورغم اجواء التفاؤل التي انطلقت منذ أيام قلائل فإن الحشود والتعبئة العسكرية مازالت على أشدها ومازال الاصبع على الزناد ومخاطر اندلاع الحرب لم تنته بصورة نهائية وقطعية لأن المسببات والدواعي مازالت قائمة، والمشكلة الحقيقية بين البلدين لم تحل، فقضية كشمير عويصة وشائكة ولها امتداد تاريخي والصراع له أوجه عدة منها الديني والعرقي والسياسي والاستراتيجي، والمسألة بحاجة الى جهود جبارة وصادقة لحل المشكلة بصورة نهائية. الواقع ان النزاع الجاري بين الهند وباكستان يأخذ أبعاداً شتى وتدخل فيه عوامل داخلية وخارجية وهناك بطبيعة الحال أصابع خارجية تلعب بهذه الورقة الحساسة وتذكي الصراع بين الدولتين لتحقيق جملة من الأهداف السياسية والاستراتيجية قصيرة وبعيدة المدى وتستفيد بالتالي من التصعيد والاستنفار وعقد صفقات الاسلحة، كما ان هناك قوى اقليمية تسعى الى ما يسمى بـ «الحروب بالوكالة» بمعنى الرغبة بتصفية الحسابات مع هذا الطرف أو ذاك وذلك عن طريق دولة أخرى. بيد ان الولايات المتحدة الأميركية تحوز على نصيب الأسد في ادارة لعبة الحرب والسلام الجارية في شبه القارة الهندية بل يمكن القول انها «اللاعب والحكم» في قضية النزاع الهندي الباكستاني ولا تريد بأي حال من الاحوال خسارة أي من الطرفين لأنهما حليفان لها وترتبط معهما بشبكة من المصالح وإن بنسب متفاوتة إلا انها تريد تركيز كل الجهود باتجاه الحرب ضد الارهاب ولا ترغب بتشتيت الجهود وخلط الأوراق، لذا يبدو انه ليس من مصلحة واشنطن تفجير الأوضاع وحصول مواجهة شاملة بين الهند وباكستان على الأقل في الظروف الحالية. ولكن هذا لا يعني ان واشنطن ليست مستفيدة من التصعيد لأنها حققت جزءا كبيراً من أهدافها ومارست ضغوطاً على باكستان فيما يتعلق بكبح جماح بعض الجماعات الاسلامية في كشمير والالتزام بمنع تسللهم الى الجزء الهندي من كشمير. لقد أفرزت الحشود العسكرية وأجواء الحرب بين الهند وباكستان نتائج ملموسة على أرض الواقع فشلت الدبلوماسية في انجازها على طاولة المفاوضات وحرص كلا البلدين على تحقيق الجزء الأكبر من مطامحها المتعلقة بالحرب ضد الارهاب وحاول كل طرف ان يثبت انه الحليف الأضمن سياسياً واستراتيجياً. وإذا كانت كل من نيودلهي واسلام أباد تتنافسان على احتلال مركز الصدارة في استراتيجية الحرب ضد الارهاب، فإن كلا منهما سيدفع الثمن غالياً ولن ينجو أحد انطلاقا من المفهوم السياسي القائل لا صداقات دائمة ولا عداوات دائمة بل مصالح دائمة وبالتالي فالمسألة مسألة وقت ليس إلا، لأن أجندة واشنطن لحروب الارهاب مفتوحة وليس لها حدود. واقع الحال يشير الى انه من مصلحة نيودلهي واسلام أباد أن يجنحا نحو السلم ويتفاوضا حول مشكلة كشمير لحلها بصورة نهائية وبما يحفظ حقوق البلدين ويخدم مصلحة الشعب الكشميري بالدرجة الأساسية لنزع فتيل التوتر بصورة نهائية، وبالتالي التأسيس لعلاقات مستقبلية مبنية على الثقة والمصالح المشتركة وتسخير كل الامكانيات لدفع عجلة التنمية ومحاربة الفقر بدلاً من رصد المليارات في صفقات التسلح وأدوات التدمير.. فهل تعي قيادتا البلدين حقيقة مصالح بلديهما وإعمال لغة العقل؟!.. نأمل ذلك.