في الصيف تحدث القضايا الكبرى في الوطن العربي، وفي الخريف تتحول القضايا من محلياتها واقليميتها الى أبعادها الدولية. نحن نعمل في اواخر الربيع حتى نهاية الشهر التاسع، ونتجاوز ذلك أحياناً الى الشهر العاشر، ولكن معظم عملهم، وتناولهم لقضايانا يتم في الخريف، وقد يمتد شهرا الى نهاية يناير وها نحن نشهد تسخيناً مع بداية الصيف، ومن ثم تحضيراً لامور ربما نشهدها هذا الخريف. لقد بات واضحاً ان الولايات المتحدة تمارس ضغوطاً من اجل الاعداد لدخول العراق عسكرياً، والسعي لاعادة ترتيب الاوضاع فيه. ومن الواضح ان كثيرا من الترتيبات يجري الاعداد لها، وما نراه من تسريب بين الفينة والاخرى عبر وسائل الاعلام عن علاقة بين السلطات العراقية وقائد مجموعة الحادي عشر من سبتمبر «محمد عطا»، الا الدخان الذي يخفي ناراً، متقدة تحته. وواضح ان العراق الذي يسعى لمد جسور الدبلوماسية مع الغرب لا يلقى اي تجاوب يذكر، وبخاصة من الولايات المتحدة. ولو تأملنا في الاطراف الثلاثة التي تشكل «محور الشر»، كما يسميها جورج ووكر بوش الابن الرئيس الاميركي، لرأينا ان ايران يضغط عليها في قضية الشك بتطويرها للاسلحة النووية والصواريخ الباليستية متوسطة المدى وبعيدته، ولكن لا يوجد احد يهدد ايران بأي ضربة عسكرية، او حتى التلميح بذلك. وقد يقول مسئول ايراني مثل وزير الخارجية ان الحشود الاميركية في منطقة الخليج تهدف لضرب ايران، وليس العراق، ولكنني اشك في ذلك، واعتقد ان العراق هو المحاصر، وهو الذي يضرب الان بصفة شبه يومية، وهو الذي توجه اليه تهم محددة بان له علاقة مباشرة بأحداث الحادي عشر من سبتمبر. ولذلك فان ايران تحاصر اقتصادياً باسلوب مخفف وتتحرك دولياً واقليمياً بدون قيود، ولا يستهان بدورها الاقليمي سواء في منطقة الخليج او في منطقة وسط آسيا. والان هل هناك ارتباط بين البعدين الفلسطيني والعراقي لدى الاميركان؟ طبعاً، واي ساذج هذا الذي يرفض مثل هذه الحقيقة البسيطة. ولكن الارتباط هذه المرة مختلف عن نظيره عام 1990/1991، ان المطلوب حاليا هو السير بالعملية السلمية من اجل التمهيد وكسب الاجواء لضرب العراق، وهم في الغرب يسعون لتقليل الدور العراقي لابقاء جذوة الانتفاضة، ولو تابعنا محطات الاخبار الاميركية لتأكدنا ان همهم الاساسي هو قطع المعونات العراقية عن الفلسطينيين، او الدعم لاسر الشهداء، او ارسال المساعدات، على اعتبار ان مثل هذه المساعدات العراقية تسهم في تسخين المقاومة، وابقاء اسرائيل على عنفها وظلمها للشعب الفلسطيني، مما يحرم الاميركان من فرصة ضرب العراق. والنقطة الاخرى، هي سعيهم لاخفات صوت التأييد العربي للعراق الذي يكسب اعلاميا ومعنوياً من الجماهير العربية التي تراه يتحدى الغرب ويدعم الشعب الفلسطيني بالرغم من ظروفه العسكرية والمالية الصعبة. وعند نشر هذه المقالة يكون جورج بوش الرئيس الاميركي قد عرض او يتهيأ لعرض خطته السلمية في المنطقة، ومن الواضح انه سيطرح فكرة التفاوض على المرحلة النهائية، وسوف يسعى لدفن ملف اللاجئين، وسيطالب بتطبيق قرارات الامم المتحدة على جميع المسارات، وسيعيد التأكيد على قيام دولة فلسطينية من دون تحديد موقعها او مساحتها. وسيتعرض لوقف الاستيطان وليس هدم المستوطنات او تصفيتها من سكانها اليهود. وسيكون كلامه غامضاً، طامعاً بشكل غير مباشر نسيان موضوع اللاجئين، ومقدما حلولاً غامضة حول موقع الدولة المقترحة وحدودها، ومبقياً موضوع القدس غير واضح المعالم، وموضوع المستوطنات يراوح مكانه، وهذا هو الثمن الذي سيفرضه بوش مقابل كسب الرأي العام العربي لضرب العراق. ومن ثم ضمان فوز حزبه في الانتخابات المقبلة في الخريف. الواقع ان هذا الوضع سوف يعيد المنطقة ثانية الى حالة من الفوضى والغليان، وسيضع العرب كلهم ثانية امام ظروف معقدة قد تكون مأساوية، صحيح ان العراق يقع وسط العالم العربي ـ كما يقول حسني مبارك الرئيس المصري لمحطة «سي ان ان» ولكن ثلث جيرانه هم ايران وتركيا واحدى جاراته العربية هي الكويت التي لم تغفر للنظام العراقي ما فعله بها، ولن تحرم النوم ان سعى الاميركان لقلب نظام الحكم هناك. وعلى العرب ان يقبلوا، ومن لم يقبل فسوف تشهد ضده سيوف الارهاب، بحق والأغلب الارجح بغير حق. فهل نحن جاهزون؟؟.