بيان الاربعاء: يسود الساحة السياسية الجزائرية غموض شامل لم تعرفه البلاد منذ توقيف المسار الانتخابي قبل أزيد من عشر سنوات. ولم يعد بالإمكان تصديق أية تصريحات تصدر، من أية جهة بسبب التناقضات التي طفت على السطح في المدة الأخيرة وما يشبه «حرب قرارات» زرعت التيه والريبة وسط المراقبين والعامة على السواء. ويواجه برنامج الإصلاح الشامل الذي دعا إليه الرئيس عبد العزيز بوتفليقة منذ استلامه رئاسة البلاد في ابريل 1999م مقاومة شرسة جعلته يراوح مكانه ولم يتحقق منه ما يبقي التفاؤل الذي انطلق به.فقد أنهت لجان العمل الموسعة المشكلة من الخبراء والاختصاصيين دراساتها وقدمت للرئيس نتائج عملها في تقارير شاملة تتعلق خاصة بإصلاح هياكل الدولة والقضاء والمنظومة التربوية. وأشاد الرئيس بتلك النتائج و أعلن التزامه بتحقيقها في الميدان، وشرعت فرق متخصصة في وضع آليات تنفيذ القرارات والتوصيات التي أسفرت عنها الدراسات. كما تحولت سياسة «الوئام المدني» التي أطلقها الرئيس بوتفليقة قبل ثلاث سنوات الى ما يشبه الفتنة السياسية الكبرى في نظر أعداد متزايدة من الجزائريين. ودخلت البلاد محن جديدة عززت المتاعب التي تشهدها منذ أزيد من عشر سنوات. ولقد تقرر مبدئيا طبع نحو ثلاثين مليون نسخة كدفعة أولى من الكتب تحمل مقررات جديدة كان مفترضا أن يبدأ العمل بها هذا العام. وهي مقررات قالت عنها أوساط من اللجنة العليا لإصلاح المنظومة التربوية إنها ترفع مستوى التعليم لدى التلميذ وتؤهله لاستيعاب التكنولوجيا الحديثة في ظروف لا تختلف عن تلك المتوفرة في أوروبا وأميركا. وكان هذا الجانب أهم اهتمامات الرئيس بوتفليقة حين يتحدث عن إعداد جيل من الجزائريين مندمج تماما في التطور العلمي والتكنولوجي العالمي وقادر على كسب معارك آتية في مجالات المعرفة والاكتشاف والمساهمة في العمل الخلاق لترقية الإنسانية.وأكد الرئيس بوتفليقة أن جميع الإصلاحات تبدأ من المدرسة. وبناء الإنسان الجزائري المتوازن والعقلاني يكون بتحقيق إصلاح التعليم لأن المحتويات والأساليب المتبعة حتى الآن تجاوزها الزمن ولم تعد قادرة على تكوين ينسجم وروح العصر. ودعت مجموعة من الفعاليات السياسية والمجتمع المدني مساعي بوتفليقة في إحداث تغيير في المحتويات والمناهج التعليمية. وتتضمن الإصلاحات إلى جانب تكثيف النزعة العلمية والتقنية على البرامج تغييرات في العمق منها على الخصوص حذف جميع ما يمكن أن يبرر العنف وتخفيف دروس التربية الدينية والوطنية ورفع ساعات تدريس اللغات الأجنبية وإدخال الفرنسية من السنة الأولى أسوة مع العربية. وتجد هذه التغييرات تبريرها في كون المقررات الحالية موروثة عن عهد النظام الاشتراكي بما يحمله من توجهات لا تساير الوضع الذي صارت عليه الجزائري وصار عليه عالم اليوم. فحتى هذه السنة مثلا تدرس فقرات من «الميثاق الوطني الجزائر الذي اعتمدته البلاد». وثيقة أيديولوجية «للنظام السياسي والمجتمع على اثر استفتاء شعبي عام 1976 في حين أن توجهات هذا الميثاق غابت تماما من الساحة بفعل تغيير الاتجاه العام للبلاد وتبني التعددية السياسية. وقالت خليدة مسعودي مستشارة الرئيس بوتفليقة في شئون المدرسة والأسرة وهي أيضا نائب بالبرلمان وعضو بارز في لجنة إصلاح المنظومة التربوية «إن ما يدرسه التلميذ الجزائري في المواد الاجتماعية عن بلده موضوع لزمن آخر غير الذي نحن فيه اليوم. وهو يتلقى عن بلده معلومات كأنها تخص بلدا آخر لأنه ببساطة لا يجدها في الحياة اليومية، ولا يحس بالتالي أنه معني بها أو أنها جزء من وجوده وقيمه... هي بالتأكيد أفكار غريبة عنه». بيد أن مشروع إصلاح المدرسة هذا لاقى معارضة شديدة من تحالف تأسس خصيصا لإسقاطه يضم مسئولين سابقين في أجهزة الدولة يقودهم الدكتور علي بن محمد وزير التعليم السابق، ويوجد من بينهم عبد الرحمن شيبان وهو مفتش عام للتعليم مدة تجاوزت العشرين عاما ثم أصبح وزيرا للشئون الدينية وهو اليوم رئيس جمعية العلماء المسلمين الجزائريين. والدكتور أحمد طالب الإبراهيمي وزير التعليم ثم الخارجية سابقا. وقيادات أهم الأحزاب الإسلامية «مجتمع السلم» و «الإصلاح» و «النهضة». ويشن الشيخ محفوظ نحناح زعيم حركة مجتمع السلم ثاني أكبر قوة برلمانية في البلاد بـ 69 نائبا، حملة هذه الأيام على الرئيس عبد العزيز بوتفليقة و اتهمه في عدد من المهرجانات الشعبية بـ «الهروب بالسلطة» و «الانفراد بالقرار» مع أن الحكومة ائتلافية تستدعي ـ حسبه ـ التشاور في كل شيء. ويفضل نحناح إعطاء أمثلة عن «هروب بوتفليقة بالسلطة» بالتغييرات المنتظرة في قطاع التعليم. وفي كل مرة يكرر أن الرئيس يشتغل حول هذا الملف مع قوى خارج التحالف الحكومي يصفها بالعلمانية. وعزز الحلف المعادي لنهج الرئيس في مجال التعليم نشاطه وتنسيق مواقفه قبل موعد الانتخابات البرلمانية الاخيرة. وينتظر أن يكون التوجيه المدرسي أهم الأسلحة الأيديولوجية التي تتبارى بها التشكيلات السياسية المختلفة لاستمالة الناس وكسب مقاعد في الهيئة التشريعية، حتى أن الدكتور علي بن محمد وعد الأحزاب السياسية التي تتخذ مواقف واضحة ضد ما سماه «علمنة المدرسة» بنصف مليون صوت في الانتخابات وأكد أنه قادر على جمعها، وأسال هذا الوعد لعاب بعض الأحزاب الصغيرة التي أسست مؤخراً تحالفا على أساس معارضة الإصلاحات المنتظرة في النظام التعليمي. مواجهة مفتوحة وعلى غرار ما يجري في قطاع التربية و التعليم يشهد جهاز القضاء هذه الأيام غليانا غير مسبوق، بعدما قررت نقابة القضاة وهي من أنشط النقابات في البلاد الدخول في مواجهة مفتوحة مع الحكومة. فقد صعدت في المدة الأخيرة لهجتها وهددت بشل مسار الانتخابات البرلمانية التي جرت مؤخراً في حال عدم الاستجابة لمطالبها الاجتماعية والمهنية وفي مقدمتها الشروع فورا بتطبيق القانون الخاص بالقاضي وتحسين الأجور و وقف سلسلة الإقصاءات التي شنتها وزارة العدل وأحالت عشرات منهم على البطالة القسرية. ومع أن هذه المطالب تعكس بجلاء وضعا غير مريح يعيشه سلك القضاء في الجزائر فإن أوساطا سياسية واسعة اعتبرت هذا الغليان «تحريكا» من دوائر مؤثرة في أروقة الحكم للتشويش على مسار إصلاح القضاء الذي شرع فيه الرئيس بوتفليقة منذ نحو عامين، وأسس لذلك لجنة من أهم الكفاءات القانونية في البلاد وكلف الأستاذ محند يسعد بإعداد دراسة وافية لوضع قطاع العدالة و طرح توصيات التزم الرئيس بوتفليقة بتنفيذها مسبقا اعتبارا لمكانة رئيس اللجنة وقدراته والتصورات التي تقدم بها في مناسبات عديدة من أجل الإصلاح. وكان جهاز القضاء من أكثر القطاعات التي انتقدها الرئيس بوتفليقة منذ توليه الحكم في ابريل عام 1999. و وعد منذ حملته الانتخابية على معالجة الخلل المزمن في المنظومة القانونية وضمان المساواة المطلقة بين الجزائريين وهو ما كان يستدعي بالضرورة تغييرات جذرية غير مسبوقة. وقد انتهت أعمال لجنة إصلاح العدالة الى تقرير شامل بعد نحو عام من البحث وأعلن الرئيس النتائج وقبولها وبداية العمل بها قريبا. لكن الأمور تعطلت، وقد مضى عام ونيف منذ صدور ذلك التقرير ولم يتغير شيء سوى قيام وزارة العدل التي يقودها أحمد أويحيى أحد أقوياء النظام الجزائري، بحملة إعفاءات واسعة شملت عشرات القضاة ووكلاء الجمهورية وكتاب الضبط وقضاة التحقيق وغيرها من الأسلاك التي يقف عليها القطاع. وأرجئ العمل بالقانون العام للقاضي إلى أجل غير مسمى، وهو قانون يمنح القاضي استقلالية في العمل والقرار ويحميه من ضغط الإدارة ومختلف الأطراف التي يمكن أن تؤثر في نزاهة أحكامه. تعديل الدستور ومن بين المسائل التي تضمنتها أجندة العمل الرئاسي منذ عامين على الأقل تعديل الدستور بعد وضع تصور جديد لأداء مختلف أجهزة الدولة، وقد قاد الرئيس بوتفليقة مؤتمرا عالي المستوى لهذا الغرض انبثقت عنه هيئة عليا سميت «لجنة إصلاح هياكل الدولة» تتكون من خبراء وإطارات سامية على أن تشتغل مدة عام وتقدم تقريرها للانطلاق في أكبر ورشة ترميم إداري وسياسي ومؤسساتي تعرفها البلاد منذ التحولات الكبرى التي حدثت في منتصف السبعينيات بقيادة الرئيس الراحل هواري بومدين حين جرت النقاشات الشعبية الواسعة وأسفرت عن صدور الميثاق الوطني والدستور عام 1976. ولقد راود الحنين فئات عريضة من الناس لا سيما الذين كانوا يرون في اعتلاء بوتفليقة منصب الرئاسة إحياء لأمجاد تلك الفترة وإن في ظروف داخلية ودولية مغايرة باعتباره كان واحدا من الرموز الكبيرة في نظام بومدين بقيادته وزارة الخارجية بنجاح لنحو خمسة عشر عاما. وكان مسعى إصلاح هياكل الدولة عملية شاملة اعتبرها أنصار الرئيس ثورة لترشيد الحكم وتطهيره من الشوائب التي علقت به خلال أربعين عاما من عمر الجمهورية، ويفترض أن تضفي إلى تغيير الدستور بما يعطي النظام السياسي ومؤسسة الحكم في الجزائر طابعا واضحا يريده بوتفليقة رئاسيا. ذلك أن النظام المعمول به اليوم مركب وتوفيقي فمع أن صلاحيات الرئيس واسعة إلا أن أهم القرارات تمر حتما عبر قناة البرلمان بغرفتيه وإن جاءت بمبادرة رئاسية. فمصادقة البرلمان مطلوبة كما جرى أخيرا حين قرر بوتفليقة،تحت ضغط الحركة الاحتجاجية في القبائل والأحداث الدامية التي رافقتها، الاعتراف بالأمازيغية لغة وطنية وإدراج الاعتراف في مادة دستورية خاصة، حيث تطلب الأمر استدعاء غرفتي البرلمان في جلسة طارئة للمصادقة على النص ومنحه الشرعية. لكن لجنة إصلاح هياكل الدولة أنهت أشغالها وأعدت تقريرها وبقي حبيس الأدراج بسبب معارضة أطراف مؤثرة لنهج التغيير. وجرى نقاش ساخن نشطته الصحافة المستقلة حول جدوى تعديل الدستور ورفضت أطراف سياسية من التيارات العلمانية والإسلامية على السواء إحداث أي تغيير في الظروف الحالية على الأقل. واتهمت هذه الأطراف الرئيس بالعمل على احتكار السلطة وتحويل البرلمان إلى غرفة تسجيل مجرد من أي تأثير في الأحداث. وظهرت في الأفق أزمة حتى داخل الائتلاف الحكومي الذي يضم سبعة أحزاب. و ساعد موقف الحياد الذي اتخذته المؤسسة العسكرية في تأجيج الجدل وتأجيل الحسم في الموضوع. ذلك أن الخيارات الكبرى في الجزائر عادة يجري البت فيها بعد صدور موقف عن الجيش لتصطف معظم القوى السياسية وراءه. بل وفي كثير من الأحيان ينتظر السياسيون بشغف ما سيصدر عن قيادة الأركان باعتبارها الهيئة العليا في الجيش قبل الإدلاء بمواقفهم. فجميع رؤساء الجزائر من أحمد بن بلا عام 1962 عند الاستقلال إلى الرئيس الحالي عبد العزيز بوتفليقة مرورا بهواري بومدين والشاذلي بن جديد ومحمد بوضياف و اليمين زروال كانوا مرشحين من المؤسسة العسكرية ثم يجري تبنيهم من القوى السياسية. وغياب موقف الجيش بخصوص تعديل الدستور والشروع في إصلاح هياكل الدولة شجع المعارضين على الوقوف في وجه الرئيس وتعطيل المشروع. سياسة الوئام ولقد انطلقت أهم القوى السياسية وكذا مختلف الأطراف المؤثرة في جهاز الحكم في عمل واسع لتشجيع مبادرات الرئيس وتسهيل مرورها في أوساط الجماهير، حتى أن الكثيرين سواء داخل الجزائر أو خارجها اعتقدوا أن بوتفليقة تحصل على تفويض تام من دوائر القرار لقيادة البلاد بالصيغة التي يراها دون انتظار مواقف محيطه لا سيما بعدما دخل بمفرده معركة «الوئام المدني» التي أصدر بموجبها عفوا عاما على نحو ستة آلاف من مقاتلي جيش الإنقاذ ألقوا أسلحتهم وعادوا إلى الحياة العادية. وقد قوبل القرار بالتهليل حتى من عائلات ضحايا الإرهاب، على اعتبار أن ذلك سينهي عهدا داميا دخلت فيه البلاد منذ أزيد من عقد من الزمن، وتلقى الرئيس التهاني من الداخل والخارج على الشجاعة التي تميزت بها بداية حكمه، ما سمح له بالانطلاق في عمليات الإصلاح الداخلية وفي حملة ديبلوماسية في الخارج قادها بنفسه لإعادة الجزائر إلى سابق عهدها كعضو نشيط في المحافل الدولية، فلعب في نفس الوقت دور الرئيس ودور وزير الخارجية و وزير العدل. بيد أن مسار الوئام المدني في حدوده التقنية كان مجرد تغطية قانونية لاتفاق وقف النار كان قد أبرم بين قيادة الجيش النظامي وقيادة جيش الإنقاذ ودخل حيز التنفيذ في الفاتح من أكتوبر عام 1997 وبدا للرئيس بوتفليقة أن الشق القانوني وحده لا يكفي فسعى للتقدم خطوة أخرى ورفع شعار «تطوير الوئام المدني إلى وئام وطني» بمعنى الانتقال من إجراءات قانونية سمحت «بتوبة» عدد كبير من الإرهابيين وصدر في حقهم العفو إلى مجال سياسي أرحب يوحد القوى السياسية بمختلف توجهاتها. وكان بوتفليقة يؤكد دائما بأنه الرجل الذي تمكن من تكوين حكومة يشترك فيها العلمانيون والإسلاميون مع العداء الذي جمعهم على الدوام. واعتبر تلك الحكومة نواة لما يسميه «الوئام الوطني» أو «المصالحة الوطنية» حيث تنتهي الحدود بين الأحزاب ويصبح «الانتماء للجزائر فقط» وليس لفكر أو منهج معين. ولم يخف الرئيس بوتفليقة اتجاهه نحو إعادة الاعتبار لجبهة الإنقاذ المحظورة منذ مطلع عام 1992 بعد اندلاع المواجهات المسلحة بين أتباعها ومؤسسات الدولة، وكان يرى أن «الوئام الوطني» هذا هو الإطار المناسب الذي يمكنه أن يستوعب الفلول التي لا تزال تدين للإنقاذ بالولاء، ولم يخف أيضا نيته في العمل على إطلاق سراح عباسي مدني و علي بلحاج القابعين في السجن منذ يونيو 1991. ولقد شجع هذا التوجه جماعة الإنقاذ حتى أن قائد جيش الإنقاذ في منطقة غرب الجزائر أحمد بن عائشة رفع دعوى قضائية ضد صحيفة «الخبر» لمجرد الإشارة في إحدى كتاباتها إلى أن الرجل كان إرهابيا سابقا وقبل جهاز القضاء دعواه وحاكم مدير الجريدة على هذا «التجاوز». وتسبب هذا الموقف في أزمة كبرى جرت كل الصحافة المستقلة وقسماً كبيراً من المجتمع المدني والأحزاب السياسية إلى شن حملة على الوئام المدني باعتباره تراجعا على المكاسب التي حققتها قوات الأمن على الإرهاب في الميدان واتهام بوتفليقة بالعمل على إنعاش بقايا الجماعات الإرهابية. وقد قوبلت مساعي الرئيس بالاستغراب من قيادات الأحزاب المؤثرة لا سيما التجمع الوطني الديمقراطي صاحب الأغلبية البرلمانية وأكبر عدد من الحقائب الوزارية و حركة مجتمع السلم أكبر الأحزاب الإسلامية في البلاد وهما طرفان بارزان في الائتلاف الحكومي. واتهم محفوظ نحناح زعيم «مجتمع السلم» الرئيس بوتفليقة بتسخير عقد الصلح مع جيش الإنقاذ لتهجين الطبقة السياسية والعودة بالبلاد إلى ما قبل التعددية. ولم يتأخر أحمد أويحيى وزير الدولة للعدل وأحد أقوى رجال النظام الجزائري في فتح جبهة مواجهة مباشرة مع الرئيس بوصف مساعيه بالمغامرة والخطيرة. ودعا قواعد حزبه إلى عزل تلك المساعي وإبطال مفعولها. واعتبر محللون مساعي الرئيس بوتفليقة غريبة عن واقع الجزائر كون الطبقة السياسية قائمة مع كل ما فيها من عيوب و مزايا. واشتراك سبعة أحزاب في حكومة واحدة لا يعني إلغاء الحدود بين هذه التشكيلات. فالحكومة الائتلافية الجزائرية لم تقم على برنامج مرحلي مشترك أعدته بنفسها لكنها التقت حول برنامج مرحلي أعده طرف خارجها جميعا وهو الرئيس بوتفليقة. فبرنامج الحكومة هو البرنامج الرئاسي وليس حتى برنامج حزب الأغلبية. ومعظم الوزراء إن لم نقل كل الوزراء يمارسون مهامهم في حكومة بن بيتور ثم علي بن فليس وكأنهم متعاونون تقنيون فحسب. وهم غير قادرين على التصرف وفق قناعاتهم وإرادتهم وتوظيف خبراتهم ومعارفهم. وكان ذلك الخلل هو السبب الكبير الذي دفع بن بيتور وهو خبير دولي في المال والأعمال و له قدرات كبيرة على العمل الجماعي، الى تقديم استقالته من رئاسة الحكومة بعد أشهر قليلة من تنصيبه. وصرح بأنه أدرك استحالة قدرته على العمل في هذا الجو المبحوح على كل المستويات. ولقد أدى التناقض بين ما يريد الرئيس تكريسه والواقع كما هو إلى ارتفاع حدة الضغط على كل المستويات حتى أن الكثيرين اعتبروا ما يجري فتنة سياسية كبرى أكثر من الفتنة التي ولدت التيارات المتشددة ومنحتها فرصة التنظيم وجر البلاد إلى مواجهات مدمرة وفتحت بها جرحا تبقى آثاره ربما عشرات السنين. حرب التعيينات وتزامنت هذه الدعوات مع اتخاذ بوتفليقة سلسلة من الإجراءات نشرت الريبة بين العام والخاص بدعوة رموز من نظام الحزب الواحد لتبوء مناصب سامية فقد عين الجنرال المتقاعد العربي بلخير في منصب مدير الديوان الرئاسي وهو المنصب الذي كان يشغله في حكم الرئيس الشاذلي بن جديد منذ مطلع الثمانينيات إلى رحيله قبل عشر سنوات، و محمد الشريف مساعدية في منصب رئيس مجلس الأمة ـ بعد إقالة البشير بومعزة ـ ليصبح بذلك في الصف الثاني من حيث الأهمية بعد رئيس الجمهورية وهي المكانة ذاتها التي كان يحتلها عندما كان على رأس الأمانة الدائمة للحزب في عهد الشاذلي أيضا. كما عين عبد العزيز بلخادم رئيس البرلمان سابقا في منصب وزير الدولة للخارجية على اثر عزل يوسف يوسفي من التجمع الوطني الديمقراطي. وعين الرئيس بوتفليقة أكثر من 600 إطار في مناصب مختلفة بالولايات والدوائر وجهاز القضاء و أمناء الوزارات والسفراء و مدراء المؤسسات الاقتصادية الكبيرة وغيرها، وكانت التعيينات الجديدة تبدو في شكلها ومضمونها اتجاها لتقليص دور ونفوذ حزب الأغلبية (التجمع الوطني الديمقراطي) حتى أن أحد كوادر التجمع أدلي بتصريحات ضمنها يقينه بأن بوتفليقة يقود حرب تعيينات على حزبه ابتداء من تعيين علي بن فليس رئيسا للحكومة مع أن حزب جبهة التحرير الوطني التي ينتمي إليها تحتل الصف الثالث من حيث الأهمية بمقياس التمثيل البرلماني أو بالمقياس الديمقراطي بعد «التجمع» و «مجتمع السلم» إلى تعيين موظفين في أقسام متخصصة بالولايات، وهي مهمة كان يقوم بها في السابق الولاة ووزراء القطاعات المعنية. وكتبت الصحافة المستقلة مئات من المقالات بأقلام الصحفيين ورجال السياسة انتقدت اختيارات بوتفليقة خاصة على اثر عزل وزير الاتصال والثقافة عبد العزيز رحابي المستقل المحترم في قطاع الإعلام ومن الطبقة السياسية، واستخلافه بعبد المجيد تبون وزير السكن الحالي الذي لا تربطه علاقة بالقطاع لا من قريب ولا من بعيد، وكان من قبل موظفا ساميا في وزارة الداخلية. وفي غمرة موجة التعيينات وبعد أيام قليلة من عزل البشير بومعزة من رئاسة مجلس الأمة وهو من القبائل الصغرى، بعد معركة إجرائية دامت شهورا، وتعيين محمد الشريف مساعدية محله، اندلعت أحداث العنف في منطقة القبائل بعد مقتل شاب بسلاح رجل من الدرك الوطني داخل ثكنة بلدة بني دوالة بولاية تيزي أوزو في الثلث الأخير من ابريل 2001 أدت الى مقتل أكثر من مئة شخص ولا تزال نارها متقدة حتى الآن وتحصد المزيد من الأرواح. وكانت تلك الأزمة وفشل مؤسسات الدولة في إيجاد حلول مناسبة لها من أهم العوامل التي شوشت على برنامج الرئيس بوتفليقة وعرقلت مسار الإصلاح الاقتصادي الذي أعلن عنه في 30 من نفس الشهر وخصص له أكثر من سبعة مليارات دولار على مدى ثلاث سنوات. ولقد كان برنامج الإصلاح الاقتصادي الشق الثاني لمعالجة مشاكل البلاد من وجهة نظر الرئيس بوتفليقة بعد «الوئام المدني» فهو يدرك أن حل المعضلة الأمنية هو قاطرة الاستقرار في البلاد والإصلاح الاقتصادي وقودها وبتحقيقهما يمكن تمرير أي توجيهات على الصعيد السياسي. فالذي أنهك قدرات الجزائريين هو الإرهاب والجيف الاجتماعي نتيجة اتساع الهوة بين الأغنياء جدا والفقراء جدا في بلد تآكلت طبقته الوسطى بكاملها وأصبح الوضع ينذر بالخطر بعدما أصبحت المواجهة مباشرة بين من اغتنوا ومن اكتووا في سنوات الجحيم في غياب وجود الجدار الواقي الذي كانت تمثله الطبقة الوسطى في المجتمع. ولم تتردد رؤوس أقطاب في الطبقة السياسية من اعتبار ما يجري دوامة لم يسبق للجزائر أن عرفتها حتى في أحلك الظروف، أثرت على مختلف مناحي الحياة وحولت الوعود التي قطعها الرئيس خلال حملته الانتخابية في ربيع عام 1999 إلى مجرد مسودة تنتظر بنودها التنفيذ في زمن غير هذا، وربما تجاوزها الزمن.