سبقت زيارة الرئيس مبارك الأخيرة إلى واشنطن رواية صحفية تقول إن مصر قد أرسلت معلومات للولايات المتحدة قبل «11» سبتمبر وتوقعت فيها حدوث ضربات كتلك التي جرت بالطائرات المدنية وفي عملية فدائية. ودخلت القصة ضمن روايات أخرى تتجمع في قاعة الكونغرس التي تحاول ادانة ادارة الرئيس بوش وتتهمها بالتقصير، ولكن عندما التقى الرئيس مبارك بوفد من أعضاء مجلس الشيوخ صحح الرواية قائلا: «لم يكن هناك تحذير على وجه التحديد لأحداث «11» سبتمبر إذ أن المعلومات التي كانت متوفرة والتي يتم تبادلها بين أجهزة الأمن المصرية والأميركية هي في اطار عام يتم بصفة دورية ومستمرة إذ أن الجهتين تتبادلان كل مايتصل إليهما من أخبار في اطار تنسيق مستمر». ولم تكن هذه هي المرة الأولى التي تجري فيها الاشارة للتعاون الأمني بين مصر والولايات المتحدة فعندما جرى الاعداد لحملة افغانستان وراحت واشنطن تبحث عن حلفاء وأرادت الدول العربية الهروب من هذا المأزق عندما حدث ذلك بادرت مصر، كما بادرت دول عربية أخرى بالقول «إننا نتعاون أمنيا ونزود المخابرات الأميركية بالمعلومات المطلوبة». ثم تطور ذلك، ووفقا للتقرير الأخير عن الارهاب في العالم والذي اصدرته الخارجية الأميركية فإن ذلك التعاون الوثيق قد تمت ترجمته في الأردن لاحباط عمليات نقل سلاح وإفساد خطط ضد اسرائيل.. كما تمت ترجمته في حالة اليمن لتواجد اميركي عسكري محدود ضم خبراء مهمتهم معاونة الحكومة اليمنية في مطاردة المشتبه لانتسابهم لتنظيم القاعدة، اضافة لأنواع أخرى من التعاون «أو تلقى التعليمات» فيما يتعلق بمناهج الدراسة والتعليم الديني. السؤال: ماهو المسموح والممنوع في هذه العلاقة؟ ولو أن الأمر قد حدث منذ ثلاثين عاما وتم كشفه لأصبح اثما كبيرا وفضيحة سياسية من الدرجة الأولى، فكيف تكون أجهزتنا السيادية امتدادا لما تريده المخابرات الأميركية أو المباحث الفيدرالية؟ وكيف يكون مخزن المعلومات الذي تمتلكه الأجهزة والحكومات العربية مفتوحا ومتاحا للأجهزة الأميركية؟ تعترف التقارير الرسمية الصادرة من واشنطن أنه قد أتيح للمخابرات وأجهزة الأمن الأميركية في العام الماضي مالم يتح لها من معلومات طوال حياتها، وان عدد الدول التي تعاونت في ذلك يفوق المئة دولة، وان الذين تم القبض عليهم من تنظيم القاعدة قد فاق عددهم حتى مايو الماضي «1600» عنصر وقد تم القبض عليهم في أكثر من تسعين دولة.. أي أنه نتاج هذا التعاون الذي نتحدث عنه. وأنا لا يهمني مايحدث في دول أخرى، أو ما تذيعه واشنطن من انباء في هذا الصدد وهي انباء قد تكون صحيحة أو غير صحيحة. مايهمني هي الحدود الفاصلة بين المسوح والممنوع لدى الحكومات العربية.. فالتعاون الأمني باب مفتوح قد يمس السيادة في النهاية لأن المعلومات التي تنقلها حكوماتنا تخص مواطنين عرباً، فإذا كان هناك ما يخالف القانون فهي مسئولية دولهم وليست مسئولية واشنطن. ولا أظن أن تبادلا حقيقيا يحدث للمعلومات، فنحن نعطي على الأرجح واشنطن كل شيء، ونفتح لها مخازن أسرارنا.. لكنها تعطينا ماتحتاجه في عمليات المتابعة لهذا العنصر أو ذاك. و.. من المعلومات التي خصصت لها السفارات الأميركية في المنطقة العربية أجهزة ورجالا ونظما.. الى التدريب في مجال الأمن، والتدريب في مكافحة الارهاب، الى التخاطب مع كبار المسئولين - في كل هذه المجالات يثار السؤال: ماهي الحدود؟ ولا أقول «ماهي السدود»؟ فليست لديناعلى ماأظن سدود أو قيود في العلاقة العربية الأميركية. الأخطر أن ما كان يتم سرا يتم الآن علنا وكأنه حق مشروع، فخطط الاطاحة بنظم الحكم تذاع على الهواء مباشرة ويجري اعتماد الميزانيات اللازمة لها.. بالدولار! وتصنيف الأنشطة السياسية بل والخيرية في عالمنا العربي يتم في واشنطن ويجد انعكاسا له في عواصمنا في ظل قاعدة «السمع والطاعة» حتى انهم يتجولون في عواصمنا في بعثات مالية وأمنية ويسألون أهل الخير: لمن تذهب التبرعات؟ وهل يصل معظمها لأسر شهداء فلسطين وأصحاب العمليات الانتحارية.. ثم يضيفون: «إن ذلك تشجيع للارهاب» ويشددون ألا تصل التبرعات لحماس أو الجهاد أو أي منظمة تقول «لا» لإسرائيل! التعاون الدولي.. السياسي.. الأمني له حدود معروفة و«الانتربول» واحد من المنظمات التي تتعاون من خلالها الدول لمطاردة الجريمة، ولكن مايجري أضخم كثيرا وبما يجعلنا نقول: «إننا بحاجة الى جدار واق بيننا وبين الولايات المتحدة». اسرائيل تحاول أن تبني هذا الجدار لتصد عمليات العنف، وعلينا ان نقيمه لنصد عمليات العسف والاختراق. أقول ذلك وعيني على مدير المخابرات الأميركية وهو يتردد على عواصمنا العربية لا ليقابل مسئولى الأمن ولكن ليقابل رؤساء الدول. وسبحان الذي يغير.. ولا يتغير.