هل انتهى دور الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات، وأصبح الخيار الوحيد المتاح أمامه في الوقت الراهن هو الاعتزال؟ هذا السؤال طرح نفسه بشدة خلال الأيام القليلة الماضية، والسبب ليس ظروفاً صحية طارئة، أو فقدانا لثقة الجماهير الفلسطينية بقائد ثورتها، وإنما لأن الفيتو الاسرائيلي بدأ يحدث آثاره ونتائجه اميركيا بل وعربياً.. فالرئيس بوش الذى يصر حتى الآن على رفض مصافحة الرئيس الفلسطيني ويتهمه بدعم الإرهاب وخذلان شعبه، يرى أن الوقت قد حان لإنهاء ورقة عرفات الى غير رجعة. بالأمس كان مع ضرورة إصلاح السلطة الفلسطينية وتعيين رئيس وزراء يمسك بزمام الأمور ويبقي على الرئيس الفلسطيني مجرد صورة بعد تجريده من كافة السلطات إلا أنه عاد ليستمع إلى نصيحة شارون.. اذا اردتم دولة فلا يجب أن يكون لعرفات موقع فيها..!! وامام اغراء الدولة الكرتونية، بلا سيادة وبلا ولاية جغرافياً، سال اللعاب العربى لهؤلاء الذين يريدون أن يلقوا من على كاهلهم مسئولية القضية ولو في إطارها الأدبى، فراحوا ينظرون ويقعدون للدولة المنتظرة وضرورة ازاحة العقبات التى تقف في طريقها وفي مقدمتها ياسر عرفات. وفي خلال المباحثات التي جرت مؤخراً بين الرئيس مبارك وجورج بوش نقل الرئيس المصرى اقتراحاً يقضي بأن تعلن الدولة برئاسة عرفات لمدة عام تنتهى في يونيو 2003 أو يناير 2004، وهذا الاقتراح جاء بناء على رؤية طرحها الرئيس الفلسطيني الذى لم يجد امامه سوى أن يختم حياته السياسية برئاسة الدولة لفترة محدودة استجابة للضغوط. ولكن الرئيس بوش يرى أن هذا الاقتراح يعوق اعلان الدولة، خاصة وأن شارون مصمم على وجهة نظره تحت زعم أن مدة عرفات انتهت كرئيس للسلطة الفلسطينية وأنه من الأفضل له ولمصلحة الشعب الفلسطيني، هكذا قال، أن يترك الفرصة للأجيال الجديدة وألا يرشح نفسه في الانتخابات!!. إذن نحن أمام تطور جديد، فبالأمس كان المطلوب اقناع الرئيس الفلسطيني باجراء اصلاحات داخل السلطة وداخل الأجهزة الأمنية، ولأنه ظن أن هذا الاقتراح قد يؤهله لأن يكون مواطنا صالحاً وفقاً للمعايير الاميركية والاسرائيلية فقد راح يستمع بإمعان إلى نصائح جورج تينيت ويستجيب لمطالبه. بيد أن تينيت راح يبلغ عرفات هذه المرة بكل وقاحة أن الفيتو الاسرائيلي على شخصه لا يزال مستمراً رغم كل التعهدات، وأن واشنطن تنصحه بأن يراعى مصالح شعبه ولا يرشح نفسه في الانتخابات المقبلة، مع وعد بأخذ رأيه في أكثر الاشخاص حرصاً على مسيرة السلام ليخلفه في موقعه وهكذا لم يكن التصريح الذى اطلقه محمد صبيح مندوب فلسطين الدائم بالجامعة العربية والذى نقل فيه أن عرفات ابلغه أنه يرغب في الاعتزال قد جاء من فراغ بل هو نتيجة طبيعية للضغوط المكثفة التى تمارس ضد الرئيس الفلسطيني والتي كان اخرها العودة مجدداً إلى محاصرة مقره في رام الله وقتل وجرح عدد من حرسه. إذن نحن أمام عملية بلطجة سياسية واضحة، يتكاتف فيها الجميع من أجل فرض شخصية فلسطينية بديلة تقبل بكل ما يريده شارون وتحول الشرطة الفلسطينية إلى أداة لحماية الأمن الاسرائيلى وخنجر موجه للظهر الفلسطيني. والغريب في كل ذلك أن اطرافاً عربية عديدة راحت تبلغ واشنطن سراً أنها لا تمانع في اختيار شخصية بديلة لعرفات إذا كان ذلك من شأنه أن يحقق انشاء الدولة الورقية الفلسطينية. ويبدو أن هؤلاء ينسون أو يتناسون أن اسقاط عرفات من موقعه بناء على رغبة شارون، يعنى أن هذه الرغبة قد تمتد غداً اليهم أنفسهم، ذلك أن «اسرائيل» لن تكتفي بالهيمنة الكاملة على القرار الفلسطيني، بل ستمتد ذراعها الطويلة إلى العديد من الحكام الآخرين، ولن تستثنى في ذلك الاصدقاء أو الأعداء لأنها باختصار تريد نوعية محددة من الحكام الملتزمين بكافة مخططاتها في المنطقة..