بيان الاربعاء: كان اول تنظيم لمسألة الجنسية والمواطنة بدولة الكويت عام 1959 حين صدر المرسوم بقانون رقم 15، الذي تبعه مرسوم أميري اخر بتشكيل اربع لجان عام 1960 للنظر في كيفية تطبيق هذا القانون، وبالفعل بدأت تلك اللجان ، في مباشرة دورها وأعطت الجنسية لكل الأعداد التي توافرت فيها شروط التجنيس وفق الضوابط والشروط التي نص عليها القانون. غير أنه منذ عام 1960 وحتى يومنا هذا لم يتوقف الحديث عن التجنيس بالكويت، سواء بشأن حرمان أعداد كبيرة من حقوق الجنسية، بحيث أضحوا يصنفون ضمن فئة «البدون»، أو بشأن التجاوزات التي حدثت على هذا الجانب على امتداد الأربعين عامًا الماضية، حيث حصل على الجنسية أفراد بغير حق بدليل أنها سُحبت من بعضهم بعد ثبوت عدم الأحقية. وعلى الرغم من ذلك فقد أدت التداعيات الأمنية والاقتصادية والسياسية وأيضًا الاجتماعية لقضية غير محددي الجنسية «البدون» إلى التركيز على هذه القضية دون غيرها وبروزها كأحد أهم المشكلات التي تعاني منها دولة الكويت، والتي تعدت إطارها الداخلي لتحمل أبعادًا سياسية خارجية على قدر من الأهمية. فكيف تطورت قضية البدون منذ عام 1960 حتى عام 2000 وما هي ابرز الجهود الحكومية المبذولة لمعالجة ذلك، ما هي أهم العوامل التي تجعل من تجنيس البدون ضرورة ملحة لتحقيق مصالح دولة الكويت. جاء القانون رقم 15 لسنة 1959 ليحدد في مادته الاولى المعني بالمواطنين الكويتيين بانهم الافراد المتواجدون في اراضي الكويت قبل سنة 1920 وحافظوا على اقامتهم العادية فيها إلى يوم نشر هذا القانون، وقد أخذ قانون الجنسية في مادته الثانية والثالثة بحق الدم كأساس آخر لاكتساب الجنسية، وهو ما يعني أن الجنسية الكويتية تكتسب عبر التسلسل الوراثي الشرعي من الأب للابن. وعلى الرغم من إعطاء الجنسية لآلاف الكويتيين وفقًا لهذا القانون، فإنه منذ تطبيق الأخير في ظل الظروف التي تلت مرحلة بناء الدولة ووضع الدستور شهدت الكويت مشكلة ظهور فئات لم تستطع إثبات جنسيتها، خاصة بعد رفض عناصر من هذه الفئات التقدم للحصول على الجنسية «بالتجنيس» وليس «بالتأسيس» وهي الدرجة الأعلى من الجنسية لاعتقادهم بأنهم يستحقون الأخيرة، يضاف إلى ذلك أن قانون إقامة الأجانب رقم «17» لسنة 1959 قد جاء لينص صراحة في البند رقم «25» منه على أن يستثنى من فئة الأجانب أفراد العشائر والبدو الرحل، وهو الأمر الذي أعطى الصفة القانونية والشرعية لفئة البدون وأتاح لهم التنقل والحرية دون قيود، لاسيما أن الحدود الدولية لم تكن قد تم ترسيمها بين دول الجزيرة العربية. وقد كان عدم وجود حصر كافٍ أو كشف بأعداد المواطنين الكويتيين أو السكان القاطنين في البلاد - سببًا في تعقد المشكلة فلم يكن هناك حصر دقيق وتخطيط مكاني وسكاني شامل لأعداد المواطنين، وظلت الإحصاءات الرسمية تدخل أفراد البدون ضمن المواطنين منذ عام 1965 وحتى نهاية الثمانينيات. ولم تتخذ الحكومات الكويتية منذ تفاقم المشكلة في الستينيات من القرن الماضي إجراء شاملاً لإنهائها، فلم تقم بتجنيسهم أو مطالبتهم بجوازات سفرهم الأصلية، كما لم تستطع في الوقت نفسه إبعاد بعضهم ممن ثبت إخفاؤه أوراقه الأصلية الخاصة بهويته وجنسيته الأولى طمعًا في الحصول على الامتيازات الضخمة التي يحوزها حامل الجنسية الكويتية، وفي المقابل قامت الحكومة الكويتية بتوظيف أعداد هائلة من غير محددي الجنسية في سلك الشرطة والحرس الوطني والجيش حتى بلغ عددهم 117ألفًا وبما يعادل 53% من إجمالي غير محددي الجنسية، الذي وصل وفقًا لبيانات هيئة المعلومات المدنية إلى 220 ألف نسمة في يونيو 1990. وكانت وزارتا الدفاع والداخلية قد اضطرتا إلى تشغيل هذه الفئة دون شرط حيازة الجنسية الكويتية بسبب قلة عدد السكان، وتحول الكثير من الشباب آنذاك إلى استكمال دراستهم الجامعية من جهة واتجاه الحكومة الكويتية إلى تعزيز قوات الأمن وتطوير جيشها من جهة أخرى، هذا فضلاً عن تدافع أفراد فئة غير محددي الجنسية للالتحاق بالسلك العسكري رغبة في الحصول على الامتيازات المادية التي يوفرها. وقد كان الغزو العراقي لدولة الكويت عام 1990 سببًا في اكتشاف الخطورة البالغة لتنامي مشكلة البدون، خاصة بعد تعاون أعداد كبيرة منهم مع الجيش العراقي أثناء فترة الغزو بسبب انتمائهم الفعلي للجنسية العراقية، ومن بينهم ضباط وجنود داخل الجيش الكويتي، هذا فضلاً عن نزوح الآلاف ممن ادعوا سابقًا أنهم من فئة البدون إلى بلدانهم الأصلية وإظهارهم لجوازات سفرهم هربًا من بطش القوات العراقية آنذاك بحيث لم يظل داخل الكويت عند التحرير سوى 117 ألف فرد تم تسجيلهم في الهيئة العامة للمعلومات المدنية عام 1992. ومنذ ذلك العام بدأت الحكومة الكويتية في الاهتمام الجدي بقضية البدون فبادرت إلى دراسة أوضاع هؤلاء الأفراد وتحديد خصائص تركيبتهم الاجتماعية، حيث اتضح لها أن نحو 70% من إجمالي عددهم يتركزون في منطقة الجهراء القريبة من الحدود العراقية، وأن غالبيتهم ينتمي إلى فئة صغار السن، حيث بلغت نسبة من هم دون 15عامًا حوالي 58% من العدد الإجمالي للبدون، من ناحية أخرى أوضحت الدراسات أن عدد الكويتيين المتزوجين من فئة لا تحمل جنسية محددة قد وصل إلى 4203 كويتيين وعدد الكويتيات المتزوجات من هذه الفئة 6304 كويتيات، وقد أدى ارتباط أعضاء فئة البدون وأصحاب الجنسية الأصلية من المواطنين الكويتيين بعلاقات نسب ومصاهرة إلى إضافة مزيد من التعقد على محاولات حل هذه القضية. التعديل القانوني ولمواجهة قضية بهذا الحجم سارعت الحكومة الكويتية بعد التحرير لاتخاذ عدة إجراءات، فتم إدراج بعض التعديلات على قانوني الجنسية وإقامة الأجانب وتشكيل الكثير من اللجان لمتابعة مشكلة البدون، كما تم إلغاء مصطلح «البدون» في المعاملات الرسمية وغير الرسمية واعتبار كل من لا يحمل الجنسية الكويتية «غير كويتي» واستمر الوضع إلى نهاية عام 1993، حيث استبدل بالكلمة مصطلح «مقيمون بصورة غير قانونية» بهدف توضيح وضعهم الحقيقي الذي تعاملهم الحكومة من خلاله. وفي عام 1993 صدر المرسوم رقم «21» الخاص بإنشاء «اللجنة المركزية» لمعالجة أوضاع المقيمين بصورة غير قانونية واستمر العمل بهذه اللجنة إلى عام 1996، حيث صدر المرسوم رقم «58» الخاص بإنشاء «اللجنة التنفيذية لشئون المقيمين بصورة غير قانونية» برئاسة وزير الداخلية الشيخ محمد الخالد، والتي عملت بالتعاون مع اللجنة الوزارية المشتركة المكلفة بالبت في أولويات العمل الحكومي باعتماد تعداد عام 1965 كأساس لمن ينظر في منحهم الجنسية، على أن تتم دراسة أوضاعهم بحيث لا يعتبر هذا الشرط حقًا نهائيًا بل حق جوازي تقرره الدولة وفقًا لمقتضيات المصلحة العامة. وقد انتهت هذه اللجنة إلى تصنيف البدون إلى ثلاث شرائح رئيسية: الأولى: شريحة يبحث في تجنيسها وتشمل أبناء المطلقات والأرامل وعددًا ممن قدموا خدمات جليلة للبلاد وبعض أشقاء وأقرباء الكويتيين من الدرجة الأولى. والشريحة الثانية: هي التي تستحق التجنيس ولا تحتاج إلا لتطبيق بعض مواد قانون الجنسية المعطلة. أما الشريحة الثالثة: فتضم الأفراد الذين لا يستحقون الجنسية نهائيًا، سواء كان ذلك لحملهم جنسيات دول عربية أو لانتمائهم لهذه الدول دون الحصول على جنسياتها حيث يعمل رب الأسرة في الكويت على أمل الحصول على الجنسية. وبعد تحديد الوضع القانوني لكل فئة من هذه الفئات، وافق مجلس الوزراء الكويتي في أغسطس 1998 على مشروع مرسوم بمنح الجنسية الكويتية لأبناء الكويتيات الأرامل من رعايا مجلس التعاون الخليجي وعددهم 258 حالة، أما باقي الحالات فقد تم إعطاؤها مهلة لتعديل أوضاعها على ثلاث مراحل، انتهت آخرها في يونيو 2000، حيث تقدم إلى لجنة «المقيمين بصورة غير شرعية» حوالي 2577 شخصًا، ووصل إجمالي المسجلين لدى اللجنة 121.216 شخصاً، وبلغ عدد من عدلوا أوضاعهم 9019 شخصًا، وعدد من منحوا الجنسية 1776 شخصًا ممن لهم ملفات باللجنة، وعدد من منحوا الجنسية وفقًا للمادة 7 مكرر 153 شخصًا من إجمالي 543 شخصًا. أما عدد من عليهم قيود أمنية فبلغ حتى ذلك التاريخ 37.500 شخص، وعدد من ثبت أصولهم وجنسياتهم 25.690 شخصًا. وعلى الرغم من ذلك فقد ظل حتى عام 2000 نحو 106.453 شخصًا مسجلين كبدون في لجنة «المقيمين بصورة غير شرعية» مما يعني استمرار المشكلة دون حل جذري. جهود حكومية في محاولة لحسم قضية البدون بشكل نهائي من خلال مجلس الأمة أصدر الأخير في عام 2000 القانون رقم «22» بتحديد عدد من يتعين تجنيسهم ذلك العام بألفي شخص، ثم صدر القانون رقم «57» لسنة 2001 بتحديد عدد مماثل لسنة 2001. وقد رتب هذان القانونان عبئًا كبيرًا على الحكومة الكويتية، التي أضحت ملزمة بتجنيس هذا العدد من البدون سنويًا، هذا فضلاً عن الإجراءات الأخرى التي استمرت في اتخاذها لدفع المقيمين بصورة غير قانونية لإبراز هوياتهم الأصلية وتعديل أوضاعهم. وعلى الرغم من ذلك استطاعت الحكومة الكويتية في خلال العامين الماضيين جعل 40 ألفًا من بين 122 ألفًا سجلوا كمقيمين بصورة غير قانونية يعدلون أوضاعهم، وكشف جنسياتهم الأصلية، كما نجحت اللجنة التي شكلتها الحكومة لهذا الغرض في إثبات كذب إدعاء 17 ألفًا من المطالبين بالجنسية الكويتية، حيث قامت بأخذ إقرارات وتعهدات من هؤلاء تفيد بأنهم يحملون جنسيات أخرى وأنهم يحتاجون فقط لمهلة لتعديل أوضاعهم.وتنفيذًا للقانونين الصادرين عام 2000 عام 2001 قامت الحكومة بتجنيس 3517فردًا من العسكريين والمدنيين المسجلين كبدون، وجاء في الإحصائية الصادرة عن اللجنة التنفيذية لشئون المقيمين بصورة غير قانونية أن المجنسين من الشرائح التالية: 1000 رب أسرة ضمن الدفعة الأولى لقانون عام 2000، إضافة إلى 1055 شخصًا من أبنائهم القصر و72 زوجة، وبلغ عدد المجنسين وفق القانون الأول 2127 شخصًا منهم 71 عسكريًا بوزارة الدفاع، و72 عسكريًا في الداخلية. وأوردت الإحصائية أنه تم تجنيس 626 رب أسرة ضمن الدفعة الثانية وفق قانون عام 2001، إضافة إلى تجنيس 693 من القصر و71 زوجة ليصبح إجمالي الدفعة الثانية من المجنسين 1390 شخصًا منهم 80 من وزارة الدفاع، 48 من الداخلية، يضاف إلى ذلك أن الحكومة قد أكدت على أن أبناء العسكريين القصر يعتبرون كويتيين بقوة القانون، وأنه بإمكان الزوجات اللواتي لم يتم تجنيسهم التقدم للحصول على الجنسية في مدة أقصاها سنة من تاريخ حصول الزوج على الجنسية.فضلاً عن خطوة التجنيس قامت الحكومة الكويتية في الفترة الأخيرة باتخاذ عدة إجراءات بهدف تسوية أوضاع غير محددي الجنسية بما يكفل لهم التعليم والرعاية الصحية والعيش، ومن بين الخدمات التي تقدمها الحكومة في هذا الإطار ما يلي: في مجال التعليم: تقوم الحكومة سنويًا بسداد مصروفات أبناء العسكريين من البدون، وتقدر هذه المبالغ خلال العام الدراسي 98 ـ 99 فقط بخمسة ملايين دينار تقريبًا كمصروفات لعدد «20860» طالبًا وطالبة، وبوجه عام تتحمل الدولة تكلفة تعليم 37789 طالبًا في مراحل التعليم المختلفة بما يعادل 11مليون دينار كويتي. في مجال العلاج: يتم علاج غير محددي الجنسية أسوة بالمواطنين والمقيمين في كل المراحل بدءًا من دخول المستشفيات ومرورًا بالعمليات إلى صرف الدواء، وقد بلغ عدد المستفيدين من مرافق وزارة الصحة 12393 فردًا خلال عام 2000 فقط. - فيما يخص جوازات السفر: تم صرف «22127» جوازًا وفقًا للمادة «17» من قانون جوازات السفر بالإضافة إلى المرافقين وعددهم 34466 مرافقًا، كما صدر «2500» جواز للراغبين في أداء فريضة الحج عام 2001 مراعاة للاحتياجات الدينية والإنسانية لأفراد تلك الفئة.فيما يخص خدمات التوثيق: تم صرف 3019 شهادة ميلاد لأبناء المقيمين بصورة غير قانونية خلال عام 2000، كما تم توثيق 659 حالة زواج وطلاق خلال العام نفسه.في مجال الإسكان: يتمتع أغلب العسكريين بالسكن الشعبي بمقابل رمزي، كما قامت الحكومة بصرف نحو مليوني دينار كبدل سكن، وتخصيص 4483 بيتًا حكوميًا لأفراد هذه الفئة.في مجال العمل: يعمل أفراد هذه الفئة بالقطاع الحكومي كعسكريين بالداخلية والدفاع وجامعة الكويت وأطباء بوزارة الصحة، بالإضافة إلى عملهم في القطاع الخاص دون خضوع لرقابة وزارتي الشئون والداخلية، حيث لا يعدون ضمن العمالة المسموح بها لأرباب العمل، هذا فضلاً عن أعمالهم الحرة الأخرى. وفيما يتعلق بالإعانات: قامت الحكومة الكويتية بصرف 102 ألف دينار كويتي من وزارة الشئون الاجتماعية للكويتيات المتزوجات من المقيمين بصورة غير قانونية، كما تم صرف مليوني دينار ونصف كإعانات من بيت الزكاة ل4810 أسر تشمل 34283 فردًا، فضلاً عن صرف نحو 25 مليون دينار كمعاشات للمشتركين بنظام التأمينات الاجتماعية لعام2000. في مايو 2002 أعلنت الحكومة الكويتية توجهًا جديدًا فيما يخص معالجة قضية البدون، حيث أعلن نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية الشيخ محمد الخالد أن آلية جديدة ستتبع في حل هذه القضية بدلاً من استصدار قوانين سنوية من مجلس الأمة بتجنيس عدد معين من البدون، إذ ترغب الحكومة في التوسع في التجنيس للمستحقين من غير قانون، على أن يجرى التشدد في الشروط لاستبعاد غير المستحقين. لعل أهم هذه الشروط التي أوضحتها تصريحات المسئولين الكويتيين في الأيام الأخيرة، هي: خلو سجل مقدم الطلب من أي شبهات تخل باعتبارات الولاء والانتماء الوطني ونيل شرف المواطنة، وكذلك خلو سجله من أي أحكام ناتجة عن ارتكاب أو المشاركة في جرائم تخل بالشرف والأمانة أو الإضرار بالمجتمع بالإضافة إلى التحلي بالسمعة الطيبة، وعدم وجود قيد أمني على مقدم طلب الحصول على الجنسية أو أحد من أقربائه. إثبات التواجد في البلاد سنة 1965 أو قبلها، وإثبات استمرارية الإقامة فيها دون انقطاع، على أن تشطب أسماء من لم يستطيعوا إثبات ذلك من قائمة المقيمين بصورة غير قانونية ويتم التعامل معهم كمخالفين لقانون الإقامة، وهؤلاء ليس أمامهم غير المبادرة إلى تصحيح أوضاعهم كشرط أساسي لا تنازل عنه للإقامة في البلاد، وتجنب التعرض للجزاءات القانونية المختلفة التي سيتم تطبيقها بشكل حازم. اعتماد قواعد للمفاضلة في تحديد أولوية النظر في طلبات التجنيس تتعلق بصلة قرابة صاحب الطلب بالكويتيين وفترة إقامته بالبلاد والخبرات العلمية والمؤهلات الدراسية التي يحملها وحجم الأسرة وحجية الشهادات والمستندات المقدمة. أن يكون مقدم الطلب يمتلك جواز سفر وإقامة صالحين عند التقدم بطلب الجنسية. ويستند الموقف الحكومي الجديد بشأن قضية البدون إلى عدد من الاعتبارات والدوافع تنتج من حقيقة أن التجنيس بأعداد ثابتة وفقًا لقانون مجلس الأمة قد أثبت عدم فاعليته بل إنه عمل بدلاً من ذلك على تفاقم القضية، حيث دفع الكثير ممن يعملون على تعديل أوضاعهم وإصلاح إقامتهم إلى التراجع عن تلك الخطوة، مما زاد الأمر تعقيدًا أمام الحكومة، مما دفعها لإعادة النظر في آلية التجنيس وفقًا لأدوات وأطر جديدة تحمل حلاً جذريًا للقضية بدلاً من الإجراءات الحالية التي أصبحت تجد صعوبة بالغة في حمل البعض على تعديل أوضاعهم رغم الإثباتات التي توصلت إليها اللجنة الحكومية عن أصولهم وجنسياتهم الحقيقية، وذلك في ظل مغريات الدفعات السنوية للتجنيس. وقد ترتب على ذلك انخفاض في عدد من يكشفون عن هوياتهم وجوازاتهم الأصلية من 500 حالة شهريًا قبل إعلان دفعات التجنيس إلى نحو 3-5 حالات شهريًا فقط، ولاشك أن الاختلاف الشاسع بين الرقمين يبرز إلى أي حد أدى التجنيس السنوي إلى تعقيد قضية البدون بدلاً من المساهمة في حلها. وإذا نظرنا إلى الشروط التي وضعتها الحكومة للحصول على الجنسية، نجد أن الشروط الثلاثة الأولى منها شروط قديمة ومعتمدة قبلاً، أما الشرط الأخير المتعلق بحيازة طالب الجنسية على جواز سفر ساري المفعول وإقامة صالحة فقد أثار الجدل حول جدواه وإمكانية تحقيقه، إلا أن الحكومة قد أوضحت في تعقيبها على هذه الآراء أن ذلك الشرط ليس جديدًا فهو وارد أصلاً في قانون الجنسية والإجراء الأخير ما هو إلا تفعيل له، وكما أشار وزير الداخلية الشيخ محمد الخالد فإن كلمة تجنيس تعني وفقًا للقانون أن «الأجنبي الحامل لجنسية بلده يتقدم للحصول على الجنسية الجديدة ويقدم مستنداته الأصلية ليحصل على شرف الجنسية الكويتية». ضرورات تجنيس البدون ثمة آراء كثيرة ترى في الاتجاه الحكومي الأخير توجهًا نحو تقليص أعداد المجنسين إلى أقصى حد ممكن، الأمر الذي يؤدي إلى تفاقم مشكلة البدون التي يتطلب حلها إجراءً عكسيًا، وهنا يمكن تقديم عدة نقاط على قدر من التداخل يعتمد عليها القائلون بضرورة تحول الحكومة نحو التوسع في تجنيس البدون كسبيل وحيد لحل هذه المشكلة بشكل جذري: أولاً: تأثير هذه القضية على الوضع السياسي داخل الكويت سواء من خلال الرأي العام الشعبي المؤيد لتجنيس البدون، أو فيما يتعلق بتحول هذه القضية إلى مصدر خلاف دائم بين السلطتين التشريعية والتنفيذية. فمن ناحية يمكن ملاحظة أن جل كتابات المحللين الكويتيين في الصحف المحلية تركز على دعوة الحكومة لحل معالجة قضية البدون من خلال العمل على تجنيس أكبر عدد منهم، ويقوم المنطق الشعبي في هذا الشأن على عدة اعتبارات لعل أهمها ما يثيره البعض عن أهمية الخدمات التي قدمها أفراد هذه الفئة إلى الوطن، ومدى «سوء» الأحوال المعيشية لأفرادها، حيث يمنع معظمهم من العمل ولا يسمح لهم بالحصول على رخصة قيادة ليتنقلوا بواسطتها، فضلاً عن القيود المفروضة على التعليم واستخراج تراخيص الزواج.ووضع البدون هذا يمثل في نظر كثيرين نوعًا من الظلم الذي يتعارض مع الإحساس الكويتي الفطري بالعدل، وما سبق وأن تعرض له الكويتيون من ظلم نتيجة للغزو العراقي الذي ما تحررت منه الكويت إلا بشعور العالم بعدلها وحقها. يضاف إلى ما سبق تساؤل بعض المحللين عن المنطق الذي يمنع أفراداً من البدون وهم عسكريون إما في الجيش أو الشرطة من الحصول على إجازة قيادة يستطيعون من خلالها الوصول إلى مقار عملهم، وفي الوقت نفسه يؤتمن هؤلاء على أمن وسلامة المواطنين. من ناحية أخرى، نجد أن قضية البدون قد مثلت طوال السنوات التالية على التحرير ملفًا شائكًا في علاقة السلطتين التنفيذية والتشريعية، حيث الاختلاف في معظم الأحيان حول معالجة هذا الملف وسبل إنهائه، ففي مقابل الحذر الحكومي في تجنيس البدون ومحاولة اختيار بدائل مناسبة لذلك، نجد أن أعضاء مجلس الأمة غالبًا ما يركزون على التجنيس كخيار وحيد ويطالبون الحكومة دومًا بالالتزام به بصرف النظر عن تداعيات ذلك، وهم في ذلك يلجأون عادة إلى تصعيد الموقف تجاه الوزراء المعنيين، مما يوتر العلاقة بين الطرفين ويشعل المناخ السياسي بالدولة، الأمر الذي يرجعه كثير من المحللين إلى رغبة النواب من التكسب الانتخابي من هذه القضية، سواء من خلال الاستفادة من أصوات البدون المجنسين مستقبلاً أو عن طريق استغلال التعاطف الشعبي بهذا الشأن. وهنا يمثل تجنيس البدون ضرورة أساسية في نظر البعض لتفادي توتر العلاقة بين السلطتين وتحاشي نقاط الخلاف بينهما، وتفرغ كل منهما لمهامه الأخرى. ثانيًا: البعد الدولي للقضية، غالبًا ما يتم التركيز على قضية البدون بوصفها مؤشرًا على درجة احترام الحكومة الكويتية لحقوق الإنسان، حيث يتبنى القائمون على منظمات حقوق الإنسان سواء المحلية أو الدولية الاعتبارات الإنسانية وحدها في النظر لتلك القضية ويتجاهلون الاعتبارات الأمنية والسياسية، ووفقًا لهذه المنظمات فإن استمرار الوضع الحالي للبدون وما يعيشه هؤلاء من ظروف معيشية ينطوي على «خرق» للمواثيق والعهود الدولية التي انضمت لها دولة الكويت وعلى رأسها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي نص في المادة «15» منه على حق كل فرد في التمتع بجنسية ما، كما يدعو إلى كفالة الحقوق الأساسية لكل إنسان بغض النظر عن أصله أو جنسه أو عقيدته، ونفس الأمر بالنسبة للاتفاقية الخاصة بوضع عديمي الجنسية المعتمدة في 28/9/1954، والتي نصت على حق عديمي الجنسية في الحصول على كل حقوق المواطنين من حيث فرص العمل والتعليم والعلاج والتقاضي، هذا فضلاً عن الاتفاقية الخاصة بخفض حالات انعدام الجنسية المعتمدة في 30/8/1961. ثالثًا: البعد الأمني للقضية: ثمة شقان للبعد الأمني لقضية البدون يمثل كل منهما دافعًا نحو تجنيس البدون والعمل على حل قضيتهم، الشق الأول خارجي: ويتعلق بممارسات الحكومة العراقية التي تحاول استغلال قضية البدون لزعزعة الأمن الداخلي لدولة الكويت، ويشار هنا إلى المظاهرات التي نظمتها المخابرات العراقية عام 2001 على الحدود العراقية-الكويتية، والتي صورها العراق على أنها مظاهرات احتجاج للبدون الكويتيين الذين رحلتهم الحكومة الكويتية إلى الأراضي العراقية بعد التحرير، حيث يطالب هؤلاء بالعودة إلى الكويت. الشق الثاني: يتعلق بالتداعيات الأمنية السلبية لاستمرار وجود أفراد عديمي الجنسية داخل الأراضي الكويتية، فمن ناحية يحذر بعض المحللين من خطورة عواقب إحساس البدون خاصة المستحقين منهم للجنسية الكويتية- بالظلم في ضوء ظروفهم المعيشية الحالية، حيث يمكن أن يمثل هؤلاء نواة لجماعات تهدد أمن البلاد. ومن ناحية ثانية، تتعدد الحالات التي قام فيها أفراد بدون بتنظيم المظاهرات والاعتصامات احتجاجًا على أوضاعهم، وذلك في مختلف مرافق الدولة مما مثل تهديدًا مباشرًا للأمن الداخلي وتحديًا كبيرًا أمام وزارة الداخلية. ومن ناحية ثالثة وأخيرة، تؤكد الإحصاءات الرسمية أن البدون يحتلون المركز الثاني في ارتكاب الجنح 912 جنحة، إضافة إلى ارتكاب جرائم القتل والسرقة التي تنشأ من حالة الفراغ والبطالة، فضلاً عن حالة العوز والفقر التي يعاني منها الكثير من أسر البدون ، مع بقاء عدد هائل من أفراد هذه الفئة تحت سن الخامسة عشرة دون تعليم، الأمر الذي ينذر بوضع أمني غير مستقر ما لم يتم حسم هذه القضية في وقت قريب. معوقات تجنيس البدون على الرغم من النقاط السابقة والتي تمثل ضرورات للعمل نحو تجنيس البدون فإن هناك معوقات لا يمكن تجاهلها في هذا الصدد، يمكن اعتبارها عوامل تفسر الحذر الحكومي الحالي تجاه مسألة التجنيس: ـ معوقات اقتصادية: ثمة حقوق اقتصادية يلزم أن تمنح لحامل الجنسية الكويتية يجب أن تُراعى جيدًا قبل التوسع في منحها لآلاف البدون، وهي حقوق وامتيازات في مجالات التعليم والصحة والإسكان نص عليها الدستور الكويتي وألزم الحكومات الكويتية بتوفيرها، من بينها حق كل كويتي في التعليم الذي تكفله الدولة «مادة 40» وحق كل كويتي في العمل «مادة 41» وأن الدولة تكفل للمواطنين خدمات التأمين الاجتماعي والمعونات الاجتماعية والرعاية الصحية «مادة11»، فضلاً عما تقدمه الدولة من رعاية سكنية لكل مواطن وفقًا لقانون الرعاية السكنية. وهنا تثار أسئلة مشروعة بشأن قدرة الدولة على استيعاب أعداد أخرى من المتجنسين في الوقت الذي تزداد فيه أعداد المنتظرين للسكن، إضافة إلى أعداد المنتظرين لفرص عمل الذين بدأت الدولة في إعطائهم بدل بطالة، مما كلف خزانتها مبالغ طائلة، هذا فضلاً عن أعداد المنتظرين لبعض أنواع الرعاية الصحية ممن لا يجدون علاجًا بالكويت، ويتم إيفادهم للعلاج بالخارج على نفقة الدولة.وهؤلاء هم من يحملون الجنسية الكويتية حاليًا، ولم توف لهم بعد كامل حقوقهم الدستورية بالنظر إلى الظروف الاقتصادية التي تمر بها الدولة، لذا يصعب تخيل قدرة الأخيرة في الوفاء بالالتزامات الجديدة من هذا النوع، وهي بموافقتها على تجنيس آخرين دون توفير الموارد المالية اللازمة تكون قد أفرغت حق الجنسية من مضمونه. ـ معوقات اجتماعية: تشير أرقام التركيبة السكانية الحالية للمجتمع الكويتي إلى خطورة التجنيس على مستقبل الدولة على المديين المتوسط والطويل، خاصة أن ذلك تم دون ضوابط تراعي النسيج الاجتماعي للمجتمع، مما يعنيه هذا من طمس هوية الكويتيين وإلحاق الضرر بمصالحهم وتقليل فرص تمتعهم بخيرات المجتمع الذي ساعدوا في بنائه. ـ معوقات سياسية: ثمة قيد سياسي بالغ الأهمية على تجنيس البدون، يتصل بالقيد السياسي العام على منح الجنسية بسبب أهمية الأخيرة القصوى التي تحتلها في قيام الدولة ذاتها. فالدولة تقوم على ثلاثة أركان، هي: الشعب والأرض والحكومة، والجنسية هي المحدد الوحيد للشعب الذي تتكون منه الدولة والذي ينتمي إليها بالجنسية، فهي ترتبط في واقع وجودها بالدولة بوصفها الرابطة السياسية والقانونية التي تربط الفرد بالدولة. وعلى ذلك فإن حامل جنسية الدولة ملزم التزامًا سياسيًا وقانونيًا بالدفاع عن أرضها وخدمة أهدافها، وفي المقابل يكون له أن يشارك في هيئة الناخبين التي تراقب عمل الحكومة وأن يكون ضمن الهيئة التشريعية، فضلاً عن التزام الحكومة المنصوص عليه في الدستور بعدم جواز إبعاد كويتي من الكويت أو منعه من العودة إليها «مادة 28». وهي كلها حقوق سياسية لحامل الجنسية الكويتية ترتب التزامات على الدولة تدفعها لوضع معايير صارمة وقيود واضحة على منح الجنسية خاصة لما في ذلك من تأثير لا يستهان به على خريطة الدولة السياسية وشكل حياتها البرلمانية. ـ معوقات أمنية: إذا كان العامل العراقي حاضرًا حين ذكرت ضرورات تجنيس البدون، فهو أشد حضورًا إذا تحدثنا عن معوقات هذا الأمر وأسباب البحث عن بديل آخر له، فقد ساهم الغزو العراقي كما سبق القول في الكشف عن خطورة بقاء الفرد دون انتماء سياسي واضح لفترة طويلة، الأمر الذي أدى لاستمرار التخوف من ازدواجية الولاء، حين تقوم الدولة بتجنيس مّن يمتلكون هويات أخرى لم تستطع السلطات الكويتية بإثباتها. من ناحية أخرى تحذر بعض الأقلام من خطر ما يسمى بـ «البدون الجدد» الذي ينتمي جل أعضائها وهم ثمانية آلاف فرد إلى الجنسية الأفغانية، والذين استطاعوا دخول البلاد عبر التسلل بحرًا وبرًا وباستخدام جوازات سفر باكستانية وأقاموا في البلاد بصورة غير شرعية. ولا يقتصر خطر هذه الفئة الأمني على مجرد دخولهم البلاد بصورة غير شرعية وعدم وجود أماكن للكسب والرزق يتعيشون منها، وإنما في انتماء هؤلاء إلى الأطراف المتصارعة داخل أفغانستان نفسها، إضافة إلى احتمال تورط بعضهم في عمليات إرهابية، الأمر الذي يحمل قيدًا أمنيًا بالغ الخطورة على إمكانية تجنيس هذه الفئة سواء في الوقت الحالي أو مستقبلاً، خاصة في ظل الأجواء الدولية الحالية إثر أحداث الحادي عشر من سبتمبر في الولايات المتحدة الأميركية.