تكثفت وتوالت الزيارات للمنطقة خلال الأسبوع الماضي والجاري حتى ليخيل للمراقب السياسي العادي، أن وراء هذا النشاط السياسي والدبلوماسي المحموم والاتصالات الأمنية إن هناك مشاريع حلول منجزة أو قيد الإنجاز ولا تنتظر سوى اللمسات الأخيرة، لتصبح قيد التداول والتنفيذ، وما بين زيارة مساعد وزير الخارجية الأميركي وليم بيرنز وزيارة تينت مدير وكالة المخابرات المركزية الأميركي، وما جرى بينهما من لقاءات للمبعوث الأوروبي ووزير الخارجية الألماني ومدير المخابرات العامة المصرية ووزراء خارجية دول عدم الانحياز، يبدو أن هناك خيطاً رفيعاً إن لم نقل ناظماً يوحد ويرسم مسار هذه التحركات يقوم على أساس فرضية واحدة وهي الإصلاحات في السلطة الوطنية الفلسطينية وتصوير مسألة الوصول لحلول لأزمة المنطقة مرتبط بإشاعة الديمقراطية في السلطة الفلسطينية ومكافحة الفساد المستشري فيها، وان ما يعيق ويؤخر هذه العملية هي القيادة الفلسطينية والرئيس عرفات شخصياً، ولم يعد خافياً على كل ذي عين بصيرة إن مطالب شارون الإصلاحية في أجهزة ومؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية التي اكتشف فجأة هو والإدارة الأميركية النقص الفاضح في ممارستها للديمقراطية وفسادها، إن هذا المطلب الاشتراط الجديد يذكر بذات المطلب لشارون بسبعة أيام من الهدوء، الذي منحه الغطاء والشرعية كولن باول وزير الخارجية الأميركي في أول زيارة له للمنطقة وتحول هذا المطلب التعجيزي، إلى ذريعة لاستمرار وتصعيد العدوان ضد الشعب الفلسطيني وقيادته الوطنية، وكذلك فحص الخيار العسكري كوسيلة لتحقيق نتائج سياسية بما فيها تغيير قواعد اللعبة وأصول المعادلة القائمة بما فيها خيار القيادة البديلة على النمط الأفغاني. بيد أن فشل هذه الخيارات والبدائل بفعل صمود وصبر شعبنا وتحمله لمعاناة قاسية وصعبة وتقديمه تضحيات جسام، وثبات القيادة الفلسطينية، ورفضها الخضوع لسياسة الابتزاز والضغوط والإملاءات والاستناد إلى الموقف الشعبي وقواه السياسية والمجتمعية الحية. إن موقف الصمود الفلسطيني الرسمي والشعبي قد قلب هذه الموازين وفرض على اللاعبين الدوليين الرئيسيين و المساعدين الإقليميين في المنطقة التفكير بصيغ أخرى لتطويع الموقف الوطني الفلسطيني، والهبوط بسقف التوقعات لديه إلى أدنى المستويات، أي القبول والعودة مجدداً لدائرة الحلول الانتقالية سواء كانت طويلة أو قصيرة المدى، تعطي شرعية للاحتلال وتمنحه المزيد من الوقت والفرص لقضم المزيد من الأراضي وإقامة المستوطنات عليها واستكمال تهويد القدس. ملهاة الإصلاح والتغيير الداخلي والتي مازالت فصولها متوالية، رغم أهمية وضرورة هذا الإصلاح والتغيير، وذلك كتعبير عن احتياج وطني فلسطيني داخلي،يقوم على أساس الصراحة والوضوح والالتزام، والمحاسبة على المرحلة الماضية وتصفية آثارها، و يستهدف تعزيز وحدة الشعب الفلسطيني، وتعبئة طاقاته وحشد إمكاناته لمواصلة الصمود السياسي على قاعدة التمسك الحازم بالبرنامج الوطني. هذه الملهاة لم تسفر حتى اللحظة الراهنة سوى صرف الأنظار عما يحدث على الأرض يومياً من انتهاكات للأراضي والحقوق الوطنية والإنسانية للشعب الفلسطيني، وإعطاء الانطباع بنفس الوقت بعد ترويض العالم وتعويده على هذا النمط الجديد من العلاقة مع الفلسطينيين والتي تحاول أن تكتسي وتفرض صفة التقاسم الوظيفي الأمن للاحتلال والإداري المدني الاجتماعي للسلطة الفلسطينية، هذا علاوة عن تحميل القيادة الفلسطينية من زاوية أخرى مسئولية استمرار هذا الوضع بتأخرها في إنجاز الإصلاحات المطلوبة. القاسم المشترك الأعظم الجامع لهذه التحركات هو التركيز على الشق الأمني في العملية الإصلاحية المطروحة باعتبار أن الهدف هو تغيير بنية ومضمون ووظيفة ودور السلطة الوطنية وأجهزتها لتوفير وضمان الأمن لإسرائيل وللاحتلال ومستوطنيه، بينما الأفق السياسي المطروح والذي يتم الترويج له كثمن، مقابل هذا التجاوب أو التساوق مع المطالب الإسرائيلية هو العودة لاحياء حلول مرحلية طويلة المدى تتجاوب وتلبي مطالب شارون التي كان قد طرحها بعد توليه السلطة في إسرائيل مع إدخال بعض التعديلات الشكلية عليها أو الرتوش التجميلية فيما يتصل بتحديد نقطة بداية العملية السياسية الجديدة وجدول زمني لهذه التسوية تكون نقطة الانطلاق فيها إعلان الدولة الفلسطينية المستقلة، لكن ليس طبقاً وتطبيقاً لقرارات الشرعية الدولية ذات الصلة وإنما استجابة ورضوخاً للمطلب الشاروني بالتفاوض على وحول هذه القرارات. ويكتسب الترويج لصيغة مؤتمر دولي أو إقليمي أبعاداً جديدة، ويبدو الخلاف الظاهر على مستوى الحضور والمشاركة طاغياً على مضمونه ومرجعيته وهدفه.وبصرف النظر على التباين الذي يظهر حيناً ويختفي معظم الوقت بين الموقف الأوروبي والأميركي حول المؤتمر وذلك ارتباطاً بمدى التجاوب مع المطالب والضغوط الإسرائيلية التي تنجح قوى الضغط والمصالح الصهيونية في الولايات المتحدة الأميركية من تسليطها على ادارة بوش الابن، وتعكسها إدارته على الحلفاء الأوربيين. فإنه واستناداً لقراءة الموقف الأميركي ولحدود تحركه الراهن في إدارة الأزمة الناشبة في المنطقة وليس حلها وتجاوبه المحدود مع الضغوط العربية وبعض الدول الأوروبية المعاكسة للضغوط الإسرائيلية بشأن زيادة فاعلية الدور الأميركي، وحتى لا تكون صيغة المؤتمر الدولي المزمع عقده عنواناً لتمرير صفقة حل سياسي جائر يفرض على شعبنا تحت مظلة التلاقي مع مبادرة السلام العربية في منتصف الطريق التي أقرها مؤتمر القمة العربية في بيروت، فإنه انطلاقاً من هذه المخاوف المشروعة والملموسة في آن واحد. ينبغي التنبيه والتركيز في التحرك السياسي الرسمي والشعبي على جملة من القضايا التالية: ـ إن المشاركة في أي صيغة لمؤتمر دولي، يجب أن تتم، وقبل كل شيء، بعد وقف العدوان وفك الحصار،والانسحاب الإسرائيلي الكامل وغير المشروط من كافة الأراضي التي أعيد احتلالها، والعودة بالأوضاع على الأرض إلى ما قبل 28 سبتمبر 2000. لأن المشاركة في هذا المؤتمر وفي هذه الأوضاع المفروضة بقوة العدوان لا تعني سوى استئناف المفاوضات من موقع التغير الذي أحدثته عمليات اعادة الاحتلال والتعاطي معها كمعطى مسلم به يمكن التفاوض عليه مجدداً. إن عقد المؤتمر والدعوة له يجب أن تتم تحت الرعاية والاشراف الكاملين للأمم المتحدة وبمرجعية واضحة تستند على قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة بالصراع العربي الإسرائيلي، وبمبدأ الأرض مقابل السلام، وبمشاركة الدول الخمس دائمة العضوية في مجلس الأمن، لأن من شأن التمسك بهذا المطلب تفويت الفرصة على شارون وحلفائه في الإدارة الأميركية من تحويل المؤتمر من صيغة دولية تجدد مبادئ مؤتمر مدريد وتدعو للعودة إليها،إلى صيغة لقاء دولي أو إقليمي لا دور ولا وظيفة له سوى تمرير الحل الانتقالي طويل المدى وفرض مرجعيات جديدة للسلام ليس على المسار الفلسطيني فحسب وإنما على المسارات العربية الأخرى السورية واللبنانية. كما إن المشاركة الفلسطينية ينبغي أن تتم بالتشاور والتنسيق التام والكامل وبمشاركة الدول العربية المعنية وعلى أساس التمسك الحازم بقرارات القمة العربية التي عقدت في بيروت، حتى لا تبدو المشاركة الفلسطينية وهي كذلك خروجاً عن موقف الإجماع العربي وقرارات القمة العربية الأخيرة، واستفراداً بالوقت نفسه بالموقف الفلسطيني ومحاولة فرض حلول جزئية طويلة المدى تتوج بصيغة دويلة منقوصة السيادة والاستقلال. ويتعين أن يكون واضحاَ ومفهوماً منذ البداية أن هدف المؤتمر هو وضع الآليات الكفيلة لتطبيق قرارات الأمم المتحدة ذات الصلة وبخاصة 242، 338، 425، -1397،-194، وفق جدول زمني يضمن الانسحاب الشامل من كافة الأراضي العربية والفلسطينية المحتلة عام 1967بما فيها القدس العربية، وإقامة الدولة الفلسطينية عليها. إن محاولة التأكيد على هذه الثوابت والأسس من شأنها فضح وتعرية التحركات الجارية الان وتبيان أبعادها ومخاطرها على قضية شعبنا وتسليح الموقف الفلسطيني برؤية تسهم في توحيد الصفوف وتعزيز الوحدة الداخلية، باعتبارها أحد العوامل الفاعلة والمؤثرة ليس في الصمود فحسب وإنما في تحقيق المكاسب والانتصارات.