يقال عن السوداني بأنه طيب ومتسامح في قضايا لا مجال فيها للمساومة او التسامح، وما يميزه ايضا ايا كان موقعه في الحكومة او المعارضة الخلط ، بين قضايا الوطن وهي من المسلمات والاختلاف او الاتفاق مع الحكومة عندها تتبدل المواقف وتتحرك الثوابت «ثوابت الوطن» لتحل محلها ثوابت الحزب او الجماعة لهذا تفرق الصف الوطني ووهنت الارادة واصبح الظهر مكشوفا والبلاد ساحة مفتوحة للعدو والصديق للنيل منها ومن كرامتها والجميع دون وعي في انتظار ما تقرره لهم وصاية الخارج. القوى السياسية والاجتماعية مشلولة وعاجزة عن الحركة والمبادرات الاقليمية متعثرة لذلك جاءت اميركا لملء الفراغ والتعامل مباشرة مع الازمة السودانية وقدمت مشروعها للتسوية متبعة اسلوب الخطوة ـ خطوة. المشروع الاميركي بكل ابعاده المحلية والاقليمية والدولية سعى الى تعظيم الدور الكيني بالسماح له برعاية الجهد الافريقي مع اعطاء دور لمصر لا يتناسب مع وزنها كدولة اقليمية كبرى ولا مع علاقاتها المتميزة مع السودان اما ليبيا فهي لا وجود لها في اي مبادرة ترعاها اميركا. السودان وجيرانه السودان اكبر دول افريقيا مساحة واكثرها تداخلا، موقعه الوسيط والهجرات المستمرة الى اراضيه اعطته النكهة المميزة له فهو عمليا افريقيا مصغرة بكل ما فيها من تعدد اثني وتنوع ثقافي وديني وصراعات عمقتها الحرب الاهلية في المنطقة والاستقطاب العربي الافريقي لهذا توسعت دائرة الصراع وتعددت قنواته الامثلة كثيرة منها اتفاق حكومتي السودان واوغندا على دخول قوات اوغندية الاراضي السودانية والسماح لها بمطاردة معارضيها. وهي العملية التي زادت من معاناة ابناء السودان في الجنوب خاصة والرصاص لا يعرف التمييز والسكان على جانبي الحدود من اصول قبلية واحدة. الوجود الأوغندي في السودان وان تم بموافقة حكومة السودان اعاد الى الذاكرة الاسلوب الذي اتبعته كينيا لضم مثلث اليمى الى اراضيها وهو محور هذا المقال الذي اعتمد في سرده على الورقة التي قدمها علي يوسف احمد لندوة علاقات السودان الخارجية البعد العربي والافريقي. كينيا والتمدد شمالاً للسودان حدود مشتركة مع عدد كبير من دول افريقيا لم تكن قبل عام 1926م كينيا واحدة منها الى ان ضمت الى اراضيها مقاطعة التركانا التي كانت تابعة لأوغندا فأصبح خط اوغندا لسنة 1914م ممثلا للحدود الدولية بين السودان وكينيا. التغيير الذي تم بقرار من وزير المستعمرات البريطانية عام 1926م في الحدود المشتركة بين السودان واوغندا وكينيا فتح شهية كينيا للتوسع في منطقة اطلق عليها مثلث اليمى وهي منطقة معزولة في اقصى الجنوب الشرقي للسودان، لم تبد الاهتمام المناسب من قبل حكومة السودان التي لم تتحمس لاقامة ادارة فيها لبعدها وصعوبة الوصول اليها، على الجانب الكيني من خط 1914 توجد المراعي التقليدية لقبائل التركانا وفي الشمال منها مثلث اليمى المميز بوعورته وبانتشار المستنقعات فيه وبارتياد قبائل الميريل والنيانقتوم الاثيوبية والتركانا الكينية له بحثا عن المرعى والمياه وبحدوث نزاعات حول المرعى وسرقة المواشي فيه. وفي هذا الاقليم توجد قبيلة التبوسا السودانية ولكنه عمليا يعتبر ارضا مفتوحة من جميع الجهات لغياب الادارة السودانية عنه. لهذا السبب بدأت كينيا تتحدث عن وسائل لحماية مواطنيها من هجمات القبائل الاثيوبية عبر الاراضي السودانية. خط الحدود الادارية المؤقت في عام 1931 عقد اجتماع في لندن لبحث الخطوات التي يمكن ان تتخذها حكومة السودان لملء الفراغ الاداري في مثلث اليمى وفي حالة عدم قدرتها على الوصول للمثلث تتكفل بدفع مبلغ خمسة وعشرين الفا وخمسمئة جنيه استرليني كنفقات ادارية لكل من حكومة اوغندا وكينيا. اختارت حكومة السودان المساهمة المالية على ان تقوم كينيا نيابة عنها بادارة مثلث اليمى السوداني، لم تتوقف هجمات القبائل الاثيوبية على المثلث لذلك بدأ الحديث عن اعادة ترسيم الحدود بين السودان وكينيا واثيوبيا. في عام 1938م بدأت لجنة مشتركة من الحكومة الكينية والسودانية وصف وترسيم الخط الشمالي للمراعي التقليدية لقبيلة التركانا داخل الاراضي السودانية بتفويض من الحكومة البريطانية التي اشترطت ان تتم العملية وفق معادلة جديدة ومتوازنة يعاد بموجبها ترسيم الحدود بين الدول الثلاث «كينيا، السودان، اثيوبيا» وكان المقصود من الترسيم الآتي: ضم جزء كبير من مثلث اليمى لايطاليا التي كانت تحتل اثيوبيا مقابل تنازلها عن المنطقة المعروفة بنتوء البارو التابعة لاثيوبيا للسودان ففي هذه المنطقة مجموعات من قبيلتي النوير والانواك ضمها للسودان فيه تسهيل لادارتهما لوجود غالبية النوير والانواك فيه وتكتمل المعادلة بضم جزء من الاراضي السودانية شمال خط سنة 1914 لكينيا. فرغت اللجنة المشتركة من ترسيم الحدود في يونيو 1938م ولكن فشل المفاوضات البريطانية الايطالية افرز اشكالية قانونية عطلت تنفيذ الاتفاق وفق الاسس المقبولة من كل الاطراف. هنا استفسرت حكومة السودان من الخارجية البريطانية عن امكانية اظهار خط الحدود الجديد في خريطة تزمع الحكومة اصدارها في الخرطوم. ردت الخارجية البريطانية بالآتي: انه وبعد التشاور مع مكتب المستعمرات رؤى الاشارة للخط الجديد «شمال خط سنة 1914» كخط مؤقت وذلك بالنظر لحساسية الحكومة المصرية تجاه كل المسائل المتعلقة بسيادة السودان ومن ذلك التاريخ اصبح خط 1938 يعرف بالخط الاداري المؤقت فهو لا يمثل انتقالا للسيادة من السودان الى كينيا، التطور الذي حدث بعد ذلك هو مطالبة كينيا بان يكون لها حزام امني داخل الاراضي السودانية وموافقة الحكومة السودانية عام 1941م على قيام نقاط بوليس كيني خارج الخط الاداري المؤقت «داخل الاراضي السودانية». ثبات الموقف السوداني وتأكيده بان الخط الاداري المؤقت يمثل اجراء مؤقتا تدير بمقتضاه كينيا جزءاً من الاراضي السودانية بالوكالة لحين انقضاء الاسباب ثابت ولم يتغير الى ان تقدمت حكومة السودان بمذكرة رسمية للحكومة الكينية في اكتوبر 1988م تؤكد فيها اعتبار حكومة السودان لاتفاق 1938 الذي تقوم بموجبه كينيا بادارة جزء من الاراضي السودانية لاغيا. بهذا انهت حكومة السودان امتياز الادارة الكينية للاقليم. ردت الحكومة الكينية على طلب الحكومة السودانية بتصريح لوزير خارجيتها جاء فيه: ان مثلث اليمى جزء لا يتجزأ من الاراضي الكينية الاشارة هنا للجزء الذي كلفت كينيا بادارته وتبلغ مساحته 3445 كيلومترا مربعا وقد قامت السلطات الكينية بضمه لحدودها الدولية عام 1963م وفي عام 1988 اصدرت كينيا خريطة جديدة ضمت فيها الجزء الشرقي من مثلث اليمى باضافة 6210 كيلومترات مربعة من الاراضي السودانية لها. لقد استغلت حكومة كينيا الحرب الأهلية وغياب الاستقرار وانشغال الحكومات الوطنية السودانية بقضايا جانبية الامر الذي مكنها من التمدد في الاراضي السودانية وهي تتحدث عن الوساطة وانهاء الحرب ولكنها عمليا لها مصلحة في استمرارها. موقف السودان قرار كينيا السابق عام 1963م واللاحق عام 1988م باطل قانونا لاسباب واضحة هي: ـ اتفاق 1938 نص على ادارة كينيا للمثلث تتم نيابة عن حكومة السودان التي تحملت نفقاتها ونص ايضا على خط سنة 1938 بانه خط اداري مؤقت وعليه ظلت الخرط الرسمية لكلا البلدين تظهر خط سنة 1914 كخط للحدود الدولية التغير الذي حدث فيما بعد تم من جانب واحد «الجانب الكيني». ـ ظلت القوانين التي تعمل بها المحاكم في المنطقة المدارة سودانية حتى منتصف الخمسينيات وكانت الغرامات المالية التي تجمعها تلك المحاكم تسلم للمفتش الاداري لمنطقة كبويتا. ـ حتى منتصف الثمانينيات كانت الحكومة الكينية تأخذ اذونات التحليق فوق المنطقة المدارة من الحكومة السودانية. ـ لم يكن هناك وجود للقوات المسلحة في المنطقة قبل الثمانينيات. ـ في المنطقة المدارة بواسطة كينيا قامت حكومة السودان بمنح 12 ضابطا اداريا سلطات قضائية تحت قانون الاجراءات الجنائية السوداني وبصلاحيات كاملة في منطقة شرق الاستوائية وذلك تسهيلا لهم لمحاكمة المتسللين من القبائل الاثيوبية بدلا من ترحيلهم لمركز نواكشوط. ـ استعادت كينيا عام 1970 منطقة كاراسوك التي كانت تديرها اوغندا نيابة عنها وفق اتفاق تم عام 1931م والاسباب التي ادت الى وضع اقليم كاراسوك تحت الادارة الاوغندية شبيه بما تم في مثلث اليمى. ـ اعطت اتفاقيات الحدود التي ابرمت ابان الحقبة الاستعمارية للقبائل الحدودية في افريقيا اعتبارات خاصة لحقوق الرعي التقليدي للقبائل الحدودية الا انها لم تصل في اي دولة مرحلة اقتطاع اراض وضمها لدولة اخرى والامثلة كثيرة منها: ـ اتفاق بريطانيا والمانيا عام 1914 اعطى قبائل تنزانية الحق لعبور الحدود الكينية للاستفادة من الموارد المائية الا انها نصت في مادتها السابعة على خضوع القبائل التنزانية التي تعبر الحدود للقوانين واللوائح الكينية. ـ اتفاق بريطانيا وايطاليا عام 1925م سمح لقبائل صومالية بالرعي في اراض كينية بشروط معينة حددتها الاتفاقية. ـ ان القواعد التي تحكم اكتساب او فقد اقليم في القانون الدولي عددها الدكتور فيصل عبدالرحمن علي طه في كتابه نزاعات الحدود في القانون الدولي وهي الاستيلاء ـ التنازل والتقادم المكتسب لا تنطبق على موقف كينيا. ـ ضم الاراضي السودانية عام 1963 ـ 1988 يعتبر عملا عدوانيا وفقا للقوانين الدولية. التشدد الكيني بدأ عمليا عام 1983م قبل هذا العام توصلت اللجان المشتركة لمرحلة كان من الممكن الوصول بعدها لاتفاق، في عام 1983 عادت الحرب الاهلية من جديد وزاد من تعقيد الموقف اعلان نميري تطبيق قوانين سبتمبر مما اثار مخاوف غير المسلمين في السودان وفي دول الجوار خاصة كينيا بحكم موقعها المجاور ووجود الحركة الشعبية فيها وهي التي وفرت لها الدعم المعنوي والدبلوماسي وفي كينيا ايضا كثافة اوروبية عالية فهي المركز الاقليمي الجامع لخيوط كل انشطة الدول الكبرى الاستخباراتية وغيرها وهي ايضا مركز مهم للمنظمات الطوعية ونقطة انطلاق لعملها داخل السودان. الموقف الكيني من الصراع الدائر في السودان لم يقف فقط عند محاولة التوسط. هناك بعد اخر مسكوت عنه وللاسف سودانيا وهو استغلال كينيا لظروف الحرب في جنوب السودان وغياب الوجود الفعلي للسلطة السودانية في منطقة مثلث اليمى لتفرض وجودها الاداري والعسكري عبر عمليات نزوح واسعة لقبائل التركانا والسيطرة على الاراضي السودانية.