بيان الاربعاء: عندما غادر جورج بوش الرئيس الأميركي بلاده في الثاني والعشرين من الشهر الماضي متوجهاً صوب حلفائه الأوروبيين على الضفة الأخرى من المحيط الأطلسي، لابد أنه كان على يقين تام من أن هناك كثيرًا من الصعوبات والعقبات سوف تكون بانتظاره، وأن هذه الزيارة لن تكون مشابهة لأي زيارة قام بها رئيس أميركي سابق لأوروبا. وللمفارقة، فإن التناقض المذكور لم يقتصر على أوجه الخلاف الكثيرة التي كان يتوقع إثارتها في المحطات الغربية الثلاث من جولته، وهي بالترتيب برلين وباريس وروما، رغم أن هذه العواصم تعد تقليديًا من الحلفاء المقربين إلى واشنطن، وإنما تجاوز التناقض تلك العواصم الثلاث إلى المحطة الشرقية من الجولة «وهي الثانية بترتيب جدول الزيارة بعد برلين» ونعني بها العاصمة الروسية موسكو، والتي ظلت لأكثر من 40 عامًا خلال حقبة الحرب الباردة معقلاً مناوشاً لواشنطن على المستوى الكوني.. إذ يستطيع بوش أن يعلن بارتياح تام أنه نجح خلال مباحثاته مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين في تحقيق كل الأهداف التي قدم إلى روسيا من أجلها. وفي الوقت الذي أعرب فيه الكثير من المحللين عن تفوق المحطة الروسية في جولة بوش عن المحطات الثلاث الأخرى من حيث الأهمية فإن هناك أسبابًا كثيرة تدعو إلى إمعان النظر في فعاليات الزيارة بوجه عام، دون تمييز بين موسكو وغيرها، بل إلى قراءة ما دار بين السطور في لقاءات بوش بزعماء كل من ألمانيا وفرنسا وإيطاليا، ولا عجب في هذا، إذ إن روسيا رغم كونها ندًا عسكريًا للولايات المتحدة، أو لا تزال تصلح لأن تكون كذلك في الوقت الراهن على الأقل، فإنها تزداد ضعفًا بمرور الوقت وتزداد مساحة نفوذها تقلصاً بالشكل الذي لم يعد معه بإمكانها عملياً ممارسة ذلك النفوذ بحرية تامة إلا على نطاق إقليمها وحسب، في حين يختلف الوضع كلية بالنسبة لكيان الاتحاد الأوروبي، الذي تشكل عواصم جولات بوش الثلاث المذكورة إلى جوار العاصمة البريطانية لندن الدعائم الرئيسية فيه، فما هي الظروف التي اكتنفت زيارة بوش، وهل كانت الظروف الداخلية والخارجية على طرفي المحيط الاطلسي مواتية لنجاح زيارة الرئيس الأميركي؟ هناك كثير من الخلافات بين الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة حول قضايا محورية مثل الحرب على الإرهاب واتساع نطاقها لتشمل «محور الشر»، والصراع العربي الإسرائيلي وعددًا من السياسات التجارية الأميركية ـ سوف نتعرض له بالتفصيل في غير هذا الموضع- ظهرت إلى العلن مؤخراً بشكل يشي بأن الهوية الجيو سياسية التي تفصل بين ضفتي الأطلسي آخذة في الاتساع نتيجة لما تصفه الدوائر الأوروبية بأنه «إنفراد» الولايات المتحدة باتخاذ القرار الدولي دون مشورة الشريك الأوروبي ومراعاة مصالحه التي تضررت من جراء السياسات الأميركية الأخيرة. وعلى الرغم من أنه حاول تغليف تصريحاته بغلاف دبلوماسي، فإن وزير الخارجية الألماني عبر تمامًا عن الهواجس التي تدور في أذهان الأوروبيين عندما اقترح تعزيز دور الاتحاد الأوروبي على الساحة الدولية لـ «موازنة نزعة التفرد الأميركي بالقرار الدولي». لقد كانت دول أوروبا تحجم عن إبداء مثل هذا التوجه أثناء الحرب الباردة لعدم إحراج أو إغضاب الحليف الأميركي الذي وفر لها توازنًا أمنيًا لم تكن لتتمكن من تحقيقه بمفردها أمام قوة واندفاع الاتحاد السوفييتي، مما أهلها آنذاك للتفرغ للتنمية، لتتبوأ حالًيا المكانة الاقتصادية المرموقة التي حققتها. وباستثناء فرنسا الديجولية، لم تجرؤ أي من العواصم الأوروبية على إعلان خلافها مع واشنطن. لكن سقوط الاتحاد السوفييتي، وحرص روسيا من بعده على إبداء النيات الحسنة تجاه الغرب والاستعداد للتعايش السلمي معه كشريك وحليف وليس خصماً أو منافساً، أتاح للأوروبيين مراجعة الإدارات الأميركية المتعاقبة في كثير من السياسات محل الجدل بين الطرفين. على أن هذا الظرف العام ليس هو كل ما أحاط بالأجواء المتزامنة مع جولة بوش، إذ إن هناك الكثير مما يمكن أن يشار إليه في هذا الصدد ويصلح لأن يكون بمفرده حالة تستحق الدراسة والتحليل. ولما كان الهدف الأبرز لجولة بوش الأوروبية ـ كما ظهر من خلال تركيزه في المباحثات ـ هو إعادة حشد التكتل الدولي لمحاربة الإرهاب، فإن مثل تلك الأنباء التي تتردد في الداخل الأميركي، حتى وإن لم تتسم بالجدية أو الموضوعية، قد تترك أثرًا في الرأي العام الأوروبي يترك بدورة أثرًا في صناع القرار. أما خارج الولايات المتحدة، أو الداخل الأوروبي تحديداً، فقد حفلت الفترة الماضية بالكثير من المعطيات السياسية التي لهاما بعدها، وإذا كان الرئيس الأميركي قد سمع في روسيا ما يرضيه، فإن ظروف العواصم الثلاثة الأخرى «داخلياً» لم تسمح لقادتها باتخاذ موقف مشابه، ذلك أن الظروف والمتغيرات السياسية التي تمر بها أوروبا بمجملها حاليًا لا تعطي للقيادات الأمان والتفويض الذي يستطيعون الاستناد إليه في تأييد الخطوات الأميركية. وقد كان من المؤكد أن تقابل زيارة بوش بمظاهرات مناوشة في برلين وباريس وروما، حيث من المعروف أن الأوروبيين لا يؤيدون رؤساء الولايات المتحدة المحسوبين على الجناح اليميني، على نحو أصبح معه هذا الموقف أشبه بالقاعدة السياسية تقريباً. والرئيس الأميركي الأسبق رونالدريجان، رغم شعبيته الواسعة والمكانة المرموقة التي وصل إليها في أوساط الشارع الأميركي، لم يكن محبوبًا في أوروبا. وعندما زار ريجان ألمانيا الغربية عام 1987 كان بانتظاره أكثر من خمسين ألف متظاهر هتفوا ضد سياسة أميركا المتعلقة بالصواريخ العابرة للقارات، واستمرت المظاهرات بعد سفره. والطريف أن من الذين أعلنوا احتجاجهم بشدة على زيارة ريجان وقتها كان أحد أعضاء حزب الخضر في البرلمان الألماني «البوند ستاج» ويعي ذلك جيداً «يوشكا فيشر» الذي يتبوأ حاليًا منصب وزير الخارجية الألماني.وعلى العكس من ذلك فإن الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون الذي كان محل تشكيك وسط النخبة الأميركية نفسها، لا يزال حتى اللحظة الراهنة يتمتع بشعبية واسعة وسط الأوروبيين، شعوباً ونخبة. ومن جهة أخرى فإن الاتجاهات اليمينية المتنامية عبر أرجاء القارة الأوروبية، لا تهدف بقاء الزعماء الأوروبيين في مناصبهم وحسب، بل تذهب إلى حدود الإطاحة بالتعاون الأميركي ـ الأوروبي، واختلال الاتحاد الأوروبي نفسه إذا ما اقتنعت الشعوب الأوروبية بالدعوات القطرية المنادية بإيلاء، الشأن الداخلي الأهمية الأكبر. واللافت في هذا الصدد أن «رومانو برودي» رئيس المفوضية الأوروبية استبق وصول بوش إلى أوروبا، ووجه كلاماً واضحاً للزعماء الأوروبيين شدد فيه على ضرورة وحدة الموقف حتى تظهر أوروبا أمام الولايات المتحدة كالند للند. ومن هنا فإن ثمة تناقضات كثيرة تبرز إذا ما تطرق الحديث إلى الانتخابات الداخلية في البلدان الأوروبية واتجاه الرأي العام في أكثر من مكان إلى تأييد اليمين السياسي. على ان المشاكل الداخلية للقارة الاوروبية لم تنته عند هذا الحد فقد كان من اللافت للنظر مؤخرا ظهور بعض بوادر التوتر بين كل من اسبانيا وبريطانيا بسبب عدم توصلهما الى تسوية النزاع المحدود بينهما حول منطقة جبل طارق. ثم تأتي قضية توسيع الاتحاد الاوروبي، وهل سيساعد ذلك على احلال السلام في الوقت نفسه تعجز الدول الاوروبية عن تسوية عدد من مشاكلها مثل القضية القبرصية. ولم تتمكن أوروبا حتى الآن من بلورة سياسة خارجية عسكرية أو دبلوماسية مؤثرة خاصة بها، وهنا يتساءل أحد المحللين الأوروبيين «إذا كنا لم نستطع بعد تسوية مشاكلنا وصراعاتنا فلماذا يتعين علينا أن نعطي لباقي دول العالم يقصد الولايات المتحدة ـ دروساً في كيفية تسوية الصراعات. وليس من شك في أن قدرة الأوروبيين على معالجة مشكلاتهم الداخلية، والتي باتت محل جدل، لابد أن تنعكس حتماً على مدى التجاوب الذي يبديه زعماؤها للأجندة «الكونية» الأكبر للرئيس الأميركي. وقد طالب كثير من الأميركيين رئيسهم بعدم الضغط على هذه النقطة بشكل صريح الأمر الذي يثير حرجًا في نفس الحليف الأوروبي. وقد بات معلومًا أن الطرح الانفرادى للسياسة الأميركية بشأن القضايا العالمية، كثيرًا ما يثير الدعوات القومية الأوروبية. ويحاول فيليب جراسيه المحلل السياسي الفرنسي والناقد للولايات المتحدة منذ زمن طويل بأن ما يزيد على العشر دول أوروبية متحالفة ظلت راضية خلال 54 عامًا مضت بتنازلها عن السيادة القومية في المسائل الأمنية. وأصبح هذا مفروغاً منه في الثقافة السياسية لأوروبا الغربية وكانت لهذه الدول فكرة عن المستقبل الأوروبي في أعقاب الحرب الباردة تنزع إلى الاستقلالية في القرار مع إبقاء التعاون والتحالف على نحو ما تصنع سويسرا المحايدة في علاقاتها مع المنظمة الدولية، لكن ـ وكما يقول جراسيه ـ من يمسك بزمام السلطة في إدارة الرئيس بوش أرغم الأوروبيين على تغيير هذا التصور بسبب طابع «الأحادية» في اتخاذ السياسات ذات الأبعاد المشتركة. ولعل ذلك يقودنا إلى الجزئية التالية الأهم في جولة بوش الأوروبية وهي تلك المتعلقة بالمشاكل الطارئة في العلاقات بين الجانبين الأوروبي والأميركي. الخلافات الأطلسية ورثت الإدارة الأميركية الحالية بقيادة الرئيس جورج بوش منذ مجيئها إلى السلطة في يناير من العام الماضي عدداً من مظاهر الخلاف مع الحلفاء الأوروبيين، عن الإدارة السابقة برئاسة كلينتون، ومع مرور الوقت زادت الأوراق في ملف الخلافات بين الجانبين كماً وكيفاً ولاسيما بعد أن بدا بوش أكثر عزماً من سلفه على إتمام مشروع الدفاع الصاروخي الذي كان حجر الزاوية في الخلافات الأوروأميركية والذي تراجع كلينتون عن المضي في تنفيذه أواخر عهده. ثم ظهرت الخلافات الجديدة إلى العلن وفي الوقت الذي وجه فيه الأوروبيون انتقادات حادة للسياسة الانفرادية التي تتبناها الولايات المتحدة في علاقاتها الخارجية، بدأت وسائل الإعلام الأميركية في تصعيد تلك التوترات بإثارة تساؤلات حول الموقف الأوروبي بالتسامح مع التوجهات المناهضة للسامية. وقبيل زيارة الرئيس الأميركي لأوروبا، حدث أن احتدمت المواجهات الكلامية بين الجانبين عندما شجب وزير الخارجية الأميركي كولن باول الانتقادات المستمرة التي يوجهها الأوروبيون ضد السياسة الأميركية قائلاً «إن هناك البعض في أوروبا يحلو لهم انتقاد أي موقف للولايات المتحدة دون روية، بينما لو أمعنوا النظر قليلاً لوجدوا أنها مواقف صحيحة وتستند إلى مبادئ» وكانت تلك التصريحات رداً على انتقادات الرئيس الفرنسي وعدد من الساسة الأوروبيين الآخرين، للقرارات التي اتخذتها واشنطن مؤخراً في مجال حماية صناعتها الوطنية في الصلب ومنح مساعدات ضخمة للفلاحين الأميركيين، ومالها من تأثيرات سلبية على الدول الفقيرة في العالم. بصفة عامة، وعلى سبيل المستوى التنظيرى، ينبع الخلاف بين الحليفين الأوروبى والأميركي بشكل أساسي من كيفية رؤية كل طرف للعالم وللنظام الدولي الذى يرغب في بنائه. ويمكن تلخيص هذه النقطة في جزئيات ثلاث: ـ الخلاف على صعيد المنظورات الاستراتيجية السياسية لكل من الطرفينStrategic Pespective فعلى سبيل المثال وفيما يتعلق بقضايا إقليمية كملف منطقة الخليج العربي وخاصة العراق وإيران منها، يرى الطرف الأوروبي أن خير وسيلة للتعامل مع الدولتين ينبغي أن يتم من خلال سياسة بعيدة المدى تقوم على الحوار النقدي Critical Dialogue مع حركة تبادل تجاري، على عكس السياسة الأميركية المرتكزة على العقوبات الاقتصادية hSanctionsالاحتواء المزدوج Dual Containment والمرتكزة على التحجيم السياسي والاستراتيجي، ولا تتردد الإدارة الأميركية من آن لآخر ولو بشكل منفرد في اللجوء إلى القوة العسكرية، في حين تفضل أوروبا عموماً اللجوء إلى الدبلوماسية الدولية والأمم المتحدة في التفكير الجماعي قبل اللجوء إلى القوة العسكرية. ـ على صعيد المصالح الاقتصادية Economic Interest يلاحظ أن الموقف الأوروبي تقاطع مع نظيره الأميركي في كثير من الأحيان، حيث إن الأوروبيين عارضوا بشدة قانون داماتو، فاستجابت الولايات المتحدة وغضت الطرف عن هذا الموضوع خشية العزلة الدولية. ـ ثالث الخلافات النظرية بين الولايات المتحدة وأوروبا يكمن في الثقافة السياسية Political Culture لدى مجتمعات الطرفين إذ عند تفحص المشهد السياسي الأميركي يلاحظ أنه يتخذ موقفًا ثابتًا تجاه كل من العراق وإيران، ولهذا يسهل أميركياً اتخاذ سياسات مضادة لكليهما، بل ربما تزيد هذه السياسات من شعبية الإدارات المتعاقبة على البيت الأبيض، في حين يلاحظ أن العكس هو الحاصل في الجانب الأوروبي، إذ ليس في أوروبا وجود قوي ومؤثر للمنظمات اليهودية كما هو الحال في الولايات المتحدة، ولذا نلاحظ أن الجمهور الأوروبي بشكل عام لا يتجاوب مع السياسات المضادة للعراق أو إيران أو أي دولة أخرى تظهر عداءها لإسرائيل بشكل سافر. وبعيداً عن التنظير قد يكون مفيداً إيضاح نقاط الخلاف بين الطرفين بشكل شبه حصري، مع التأكيد أن هذا التناول لا يعنى بتقييم أو تفضيل وجهة نظر على أخرى بقدر ما يبحث في إمكانية التلاقي المستقبلي بين حليفي الأطلنطي. وبوجه عام تتركز نقاط الخلاف فيما يلي: ـ قضية محور الشر وضرب العراق كأول المواجهات الأميركية معه: لعل ما يبديه الأوروبيون والروس من القلق البالغ إزاء العواقب التي قد تنجم عن توجيه ضربة عسكرية ضد العراق، كجزء من الحرب ضد «الإرهاب» التي تقودها الولايات المتحدة. هي مخاوف يبدو أن الرئيس الأميركي قد أخذها في اعتباره مؤخراً عندما سعى إلى تخفيف حدة انتقاداته للعراق، على الرغم من إعلانه أن الإطاحة بالنظام مازالت هدفاً رئيسياً للإدارة الأميركية. وأبرز مؤشرات هذا التحول هي المرونة التي أبدتها واشنطن في مراجعة العقوبات التي تبنتها الأمم المتحدة. وإن كان البعض يعزو هذه المرونة إلى أن واشنطن ليس لديها خطة محددة حول ضرب العراق فضلاً عن أن الرئيس الأميركي جهر بنواياه في تغيير النظام، قبل أن يفرغ عمليًا من حربه في أفغانستان، أو على الأقل يتغلب على آثارها العسكرية المحضة. وتتحدث صحيفة «لوكارانشنيه» الفرنسية في هذا الصدد عن أن الصعوبات الوحيدة التي تواجه الآن تنفيذ خطط ضرب العراق هي عدم توافر الصواريخ العابرة من طراز توماهوك والقنابل الموجهة بالليزر بالقدر الكافي نظرًا لاستنفاد المخزون منهما بشكل كبير خلال ضرب أفغانستان، الأمر الذي يتطلب الانتظار إلى حين إنتاج الأعداد الكافية من هذين السلاحين. وفي هذا الصدد يقتضي الإنصاف الإشارة إلى تحليلات بعض الكتاب القائلة بأن الإدارة الأميركية باتت، بعد تجاربها في الحكم، أكثر إدراكًا لأهمية الحوار مع حلفائها. وفي هذا السياق تندرج ملاحظة وزير الخارجية الأميركي كولن باول، التي تزامنت مع بداية الجولة الأوروبية بأن «كل إدارة تحتاج إلى وقت كي تنضج..وأعتقد أن الرئيس بوش أصبح بعد أحداث سبتمبر بصورة خاصة، يقدر أهمية التحالفات والأصدقاء». وبغض النظر عن الدوافع التي حدت بالرئيس الأميركي نحو هذا التحول، فإن الحاصل هو أن لهجة بوش تغيرت حتى إن زعيم الكتلة البرلمانية للحزب الديمقراطي الحاكم في ألمانيا «بيتر شتروك» الذي كثيراً ما أعرب عن انتقاده للسياسات الأميركية، ولأداء الرئيس بوش تحديداً، قال عقب إلقاء بوش كلمته أمام البوندستاج الألماني إن «بوش بدا أفضل مما كنا نعرف عنه»، مشيراً إلى أن رأيه في الرئيس الأميركي تغير. وكان من أهم ملامح الاعتدال في خطاب بوش: أنه حرص على عدم استخدام تعبير «محور الشر» الذي أثار استياء الرأي العام الألماني والأوروبي في السابق، ولكنه تحدث بدلاً من ذلك عن ضرورة انتصار الخير على الشر بعون الله. أنه تجاوب مع الآراء التي تدعو إلى عدم اختزال قضية «الإرهاب» مشيرًا لأول مرة إلى الحاجة إلى استئصال الفقر كسلاح رئيسي في مكافحة الإرهاب. أنه لم يكرر عزمه على إسقاط الحكم في العراق بالقوة العسكرية. ومع كل هذه الإشارات الجديدة، يلاحظ أن بوش لم يقدم في واقع الأمر تنازلاً واحداً في أي من القضايا التي تعد محل خلاف بين الطرفين الأوروبي والأميركي، إذ ثمة فارق كبير بين ما هو منفي ومستهجن، وما هو مسكوت عنه وليس أكثر. الشرق الأوسط والناتو يستطيع المراقبون بسهولة تبين الفروق التي تميز الأجندة الأميركية عن نظيرتها الأوروبية فيما يتعلق بقضية الصراع الدائر في الشرق الأوسط بين العرب وإسرائيل. وما يخصنا في هذا التحليل هو: إلى أي مدى تؤثر هذه الاختلافات على علاقة طرفي الأطلسي ببعضهما البعض. ويمكن في هذا الصدد القول بقدر من الثقة إن جهود الرئيس الأميركي جورج بوش الأخيرة للتوسط من أجل وضع نهاية للصراع، حسبما يراه، بدأت تلقى قبولاً لدى الأوروبيين برغم التباين الكبير في تقييم رؤية كل منهما لمرتكزات الصراع وآفاق الحل. ولعل السبب في هذا يرجع إلى أن الاتحاد الأوروبي لم تكن لديه رؤية متكاملة في أي وقت مضى، فضلاً عن أن الأميركيين تقليديًا يحظون بقبول لدى الطرفين العربي والإسرائيلي، على المستوى الرسمي على الأقل. على الرغم من الزخم الذي صاحب زيارة بوش لأوروبا فيما يتعلق بحلف شمال الأطلنطي وتوسعته باتجاه الشرق، والخطوة الكبيرة التي انضمت روسيا بموجبها إلى الحلف بشكل يؤهلها للتأثير في بعض قراراته.. على الرغم من هذا، يجادل البعض في أن البيت الأبيض والبنتاجون فقدا الرغبة في «الناتو» بشكله الحالي وبأداء وطريقة عمله، بعد أن تضاءلت أهميته العسكرية، وافتقد مبرراً فعلياً لاستمرار وجوده بالنسبة للولايات المتحدة على الأقل- ولاسيما بعد أن بات التفوق العسكري الأميركي مقارنة بالجانب الأوروبي مجتمعًا، لا يحتاج إلى جدل كثير، فضلاً عن أن المصاعب التي سببها الحلفاء الأوروبيون والفرنسيون تحديداً، أثناء الحملة العسكرية على يوغوسلافيا، غيرت من النظرة الأميركية لهذا الحلف العتيد. ويمكن القول انه مازال هناك خلافات كبيرة بين واشنطن وأوروبا حول بروتوكول كيوتو الذي يهدف إلى التصدي لظاهرة الانبعاث الحراري التي تتسبب آثارها المباشرة «الاحتباس الحراري» في رفع درجة حرارة كوكب الأرض. وهو البروتوكول الذي أقرته الدول الأوروبية ورفضت إدارة بوش التصديق عليه. وقد ظهرت انعكاسات هذا الخلاف في اللافتات التي رفعها المتظاهرون الأوروبيون في ألمانيا والتي تصف صناعة الولايات المتحدة بأنها «أكبر ملوث للأرض». ولعل هذه الجوانب هي التي تمثل الخلاف الحقيقي والهاجس الأكثر خطورة الذي يهدد دائمًا بتوتير العلاقات بين الولايات المتحدة والأوروبيين، نظرًا لأن الأخيرين ينظرون إلى القرارات الأميركية الأخيرة في هذا الصدد على أنها تمس مباشرة الاقتصاديات الأوروبية، ويعتبرون أن إصرار واشنطن على المضي في تنفيذ تلك القرارات، إنما يعبر عن تجاهل المصالح الأوروبية في سبيل تحقيق المصلحة الأميركية القصيرة المدى.. فما هي حقيقة الأمر؟ يمكن القول إن هناك قضيتين تشكلان الدعائم الأساسية للخلاف التجاري بين واشنطن والاتحاد الأوروبي. أولى هاتين القضيتين تتمثل في القرار الذي اتخذته الإدارة الأميركية بفرض تعريفة جمركية على وارداتها من الصلب بغرض حماية الصناعة الوطنية في هذا القطاع، بما يتعارض مع مبادئ تحرير التجارة التي كثيراً ما تبنتها واشنطن. ووفق هذا القرار يبدي الاتحاد الأوروبي مخاوفه من تدفق واردات يبلغ حجمها 15 مليون طن من الصلب على أراضيه ـ لها بالطبع أثر سلبي على الصناعة الوطنية الأوروبية من الصلب ـ تأتي من دول أخرى بعد أن أغلقت السوق الأميركية في وجهها. وعلى الرغم من جدية المخاوف الأوروبية في هذا الصدد، وتهديد المفوض التجاري الأوروبي «باسكال لامي» باستعداد أوروبا للرد بفرض عقوبات على مجموعة من السلع الأميركية إذا لزم الأمر، فإن الاتحاد الأوروبي حرص في بداية الأمر على إبقاء الخلاف في هذا الصدد في حده الأدنى من خلال الإشارة إلى أن القضية برمتها لا ترقى إلى «حرب تجارية بين الطرفين. إلا أن القضية التجارية الأخرى محل الخلاف والمتمثلة في موافقة مجلس الشيوخ الأميركي على تخصيص دعم مالي لإنعاش القطاع الزراعي في الولايات المتحدة بقيمة 190 مليار دولار على مدى السنوات العشر المقبلة، تسببت في إثارة الأوروبيين مجدداً. ومن ثم عاد الحديث مرة أخرى عن الخسائر الأوروبية. وحسب المتحدث باسم اللجنة التنفيذية للاتحاد الأوروبي «أنتوني جوتشي» فإن الرسوم الجمركية الأميركية تؤثر على صادرات صلب أوروبية تبلغ قيمتها حوالي 4 مليارات دولار من إجمالي صادرات قيمتها 6 مليارات وقال باسكال لامي المفوض التجاري الأوروبي «إن الاتحاد يدرس فرض عقوبات تصل قيمتها إلى حوالي 1.2 مليار دولار» وإنه أشار إلى أن هذه العقوبات لن تدخل حيز النفاذ قبل مرور عام، لتمكين منظمة التجارة العالمية من النظر إلى الشكوى التي قدمها الأوروبيون ضد الولايات المتحدة بشكل رسمي الشهر الماضي. تقييم الجولة يبقى التساؤل قائماً: هل نجح بوش في تحقيق أهدافه من جولته الأوروبية؟ يشير المحللون إلى أن الرئيس الأميركي حاول خلال جولته في العواصم الأوروبية الأربع إيصال رسائل محددة: أولى هذه الرسائل، هي التأكيد على أن الولايات المتحدة تعتبر الجهود الرامية إلى اجتثاث «الإرهاب» العالمي، حرباً حقيقية واسعة النطاق وليس استعراضاً ثانوياً، وتحذير بوش السابق الذي أكد فيه أن دول العالم «إما مع الولايات المتحدة أو ضدها» بات بمنزلة سياسة دولية جديدة لواشنطن. والثانية تتلخص في أن الحرب الباردة قد انتهت وأن روسيا تعتبر دولة حليفة، ذلك أن روسيا تلعب دوراً مهماً في أفغانستان ومن الممكن أن تباشر دوراً مماثلاً في العراق. والثالثة هي رغبة بوش في تركيز الاهتمام العالمي على الخطر الجديد الذي يهدد الأمن والسلام العالميين غداة انحسار خطر الحرب النووية، إذ تشمل الأخطار الجديدة «الإرهاب» وتخزين الأسلحة الكيماوية والبيولوجية من جانب أنظمة لا تخضع لأى رقابة شعبية. فهل وصلت هذه الرسائل المحددة إلى مناطق الوعي الأوروبي؟ تشير وقائع الزيارة ذاتها إلى أن ردود الفعل عند الأوروبيين لتلك الرسائل سارت في اتجاهين. الأول: اتجاه شعبي كانت أخطر مظاهره وأوضحها في المحطة الأولى في العاصمة الألمانية برلين، حيث لم تستطع العين أن تخطيء أكبر عملية استعداد أمنية منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية لمواجهة التهديدات الطارئة. وقامت السلطات الألمانية بنشر عشرة آلاف جندي تم اختيارهم من أنحاء ألمانيا لمواجهة الموقف. ومسحت أجهزة الأمن الشوارع، بل القنوات التي تخترق المدينة ومواسير المياه والصرف قبل إغلاق منطقة وسط المدينة نظراً لأن المتظاهرين كانوا قد بدأوا نشاطهم قبل وصول بوش. ثم تجمع متظاهرون ينتمون إلى 240 منظمة اتفقوا في ائتلاف تحت شعار «محور السلام» مرددين هتافات احتجاج يمكن أن توصف بالحدة ضد سياسات الإدارة الأميركية بوجه عام وتجاه الشرق الأوسط على وجه الخصوص، فضلاً عن رفضه تعبير «محور الشر» الذي أطلعه بوش منذ أشهر على العراق وإيران وكوبا. وعبرت جموع المتظاهرين التي بلغت ستين ألفاً في العاصمة برلين وحدها، إلى جانب مظاهرات في مدن ألمانية أخرى بلغ عددها 100 مدينة بوسائل أخرى منها: ـ عدد ضخم من المقالات تحذر بوش من استعمال القوة العسكرية في غير موضعها. ـ قياسات الرأي العام التي أشارت إلى أن ألمانى واحد من بين كل اثنين يعارض سياسات بوش، فيما يؤيد 26% فقط تلك السياسة ويصفها بالإيجابية. ـ وثيقة وقع عليها 15 من أعضاء البرلمان الألماني «البوند ستاج» أرسلت إلى بوش يؤكدون فيها أن القضاء على الإرهاب لا يمكن أن يتم إلا باحترام حقوق الإنسان. ـ بيان جماعة «مكافحة العولمة» الذي هاجمت فيه سياسة الحكومة الأميركية بلهجة لا تخلو من الحدة. ـ كما أرسلت مجموعة من 40 عالماً من كبار العلماء الألمان خطاباً إلى المستشار الألماني يطالبون فيه بالحذر من الارتباط بالسياسات الأميركية. أما في فرنسا فقد بدأت انطلاقاً من ساحة الجمهورية «لاريبوبليك» تظاهرة شارك فيها عشرات الآلاف من المتظاهرين، نددوا في هتافاتهم بالسياسات الأميركية مطالبين بوقف الحرب الأميركية وإنهاء الحصار على كوبا والعراق واتخاذ مواقف أكثر حيادية تجاه قضايا الشرق الأوسط. أما في إيطاليا فقد وصف المراسلون الموقف فيها بأن العاصمة الإيطالية روما تحولت إلى ثكنة عسكرية لاستقبال الرئيس الأميركي وسط إجراءات أمنية غير مسبوقة وصلت إلى حد إغلاق المجال الجوي نحو ساعتين ونشر حوالي خمسة عشر ألف رجل أمن، غير أن التظاهرات المناوئة لم تتخذ الزخم نفسه الذي تميزت به تظاهرات برلين وباريس. الاتجاه الآخر الذي سارت فيه ردود الفعل على زيارة الرئيس الأميركي هو الاتجاه الرسمي، حيث بدا زعماء العواصم الغربية الثلاثة أكثر ترحاباً بالرئيس الأميركي برغم ملفات الخلاف التي تحظى بها علاقات واشنطن بالدول الثلاث بدرجات متفاوتة. فلم يكن بوسع المستشار الألماني جيرهارد شرويدر إلا أن يغض الطرف عن بعض نقاط التقاطع الرئيسية، وهو يدرك تمامًا أن الطريق الوحيد لتجاوز الهواجس الألمانية التقليدية من الجار الروسي، لابد أن يمر عبر حقيبة الرئيس الأميركي الذي جاء إلى أوروبا أساساً لإنهاء حقبة الحرب الباردة ومعها أي تهديد يمكن أن تستشعره ألمانيا، وإن لم تكن موسكو لتبديه. كما أن الرئيس الأميركي بوش سهل على شرويدر هذه المهمة عندما حضر إلى برلين في صورة رجل الدولة «القائد» للعالم وليست الدولة «المهيمنة» على العالم، فنال تقدير الألمان الرسميين وإن لم يتنازل عن أي من أولوياته السياسية. وفي فرنسا كذلك لم يكن بوسع الرئيس الفرنسي أن يقول الكثير مما دأب الساسة الفرنسيون على قوله للولايات المتحدة، نظراً لأن الحقائق والوقائع المجردة كلها تصب في صالح واشنطن. ففي عالم ما بعد 11 سبتمبر لم تعد سياسة الافتراق ممكنة، والمعطيات المتاحة لأوروبا على المسرح الدولي، لا تمكنها بشكل عام وفي الوقت الراهن إلا من القيام بدور يغلب عليه الطابع الاستشارى. والأوساط الفرنسية المقربة من الرئيس شيراك تقول أكثر من ذلك، إن الرئيس نفسه مؤمن بالحوار مع الولايات المتحدة وأهمية استمراره، وإن التعاون معها مسألة استراتيجية، وإنها لم ترتكب بعد ما يهدد الأمن العالمي والعلاقات الدولية بالقطيعة أو إعادة العالم إلى صيحة الحرب العالمية. لكن ذلك لم يحل دون إثارة الملفات العالقة التي أشرنا إليها، بشكل لم يتعد حدود التشاور الودي. يبقى التساؤل الذي يفرض نفسه: ما هي فرص تلاشي الخلافات القائمة بين الأوروبيين والأميركيين في المستقبل؟ تترك الإجابة عن هذا التساؤل لأحد أعضاء البرلمان الأوروبي ويدعى «جراهام واتسون». حيث يؤكد واتسون أن الأوروبيين لا يمكنهم توقع إقامة علاقات متساوية ومتناسقة أو الشكوى من أن الولايات المتحدة تختار إدارة شئونها بنفسها، إلا إذا قاموا أولاً ببناء قدراتهم العسكرية وتوحيد صفوفهم وتحسين وضعهم دبلوماسيًا..إن إخفاق الاتحاد الأوروبي في الحديث بصوت واحد، يجعل من الصعب على الولايات المتحدة معرفة الطريق الذي تسير عليه، وفي الوقت نفسه لكي يتبنى الاتحاد الأوروبي سياسة خارجية أكثر مصداقية، نحتاج أولاً لسياسة أمنية مشتركة، ولا جدوى من تشكيل قوة أوروبية للرد السريع قوامها 60 ألف جندي، إذا لم نستطع إعدادها للعمل بشكل أكثر حرفية وتنسيقًا.. باختصار لن يأخذ الأميركيون مواقفنا على محمل الجد، دون أن تتحد جهودنا في وعاء واحد وصريح. انتهى كلام النائب الأوروبي، لكن المخاوف الأوروبية والأميركية من تراجع تحالفهم الذي جاوز عمره نصف القرن، لم تنته.