كيف انطلت علينا جميعاً ـ نحن العرب ـ هذه الكذبة الاميركية البلقاء؟ صحيح أن أميركا استخدمت كل ثقلها السياسي وماكينتها الاعلامية لفرض اصلاح السلطة الفلسطينية ، باعتباره البند الوحيد والملح على أجندة العالم العربي، لكن هل بلغ بنا العجز أمام هذا الضغط حد فقدان القدرة على استبصار وجهة هذا التيار الجارف؟ شارون افاد من الضغط الاميركي والارتباك الفلسطيني والعجز العربي ليذهب أبعد من ذلك لجهة تدمير سلطة الحكم الذاتي بكل مقوماتها. اميركا تعمد الى استخدام الوضع الفلسطيني انبوب اختبار في سبيل تحقيق أهداف في المنطقة. عرفات اولا وما ينجم عن التجربة الفلسطينية يصبح سيناريو قابلاً للتطبيق والتحوير في الحالات العربية الاخرى. ترتيب قائمة العواصم المستهدفة تحكمها عناصر قطرية واقليمية ودولية. بغداد ثانيا والحيثيات لا تتطلب إعمالاً مجهداً للذهن. عملية الاصلاح مطلب قديم على صعيد المنطقة العربية برمتها، عقب كل كارثة يتصاعد التسليم بهذا المطلب ويصبح شعار مرحلة. هكذا كان الحال عقب النكسة قبل 35 سنة طرح عبدالناصر «برنامج 30 مارس» لمكافحة فساد الاجهزة وتعميق ممارسة ديمقراطية في اطار الحزب الواحد. بعد «عاصفة الصحراء» تحدثنا كثيرا عن ضرورة اصلاح النظام العربي لمواكبة النظام العالمي الجديد ـ كانت اكذوبة. فلا نحن شاهدنا نظاماً دولياً جديداً ولا أقمنا نظاماً اقليمياً حديثاً، لكن شعارات الاصلاح القطرية لم تتوقف. حين تسلم بشار الاسد زمام السلطة عن أبيه تعهد بتحديث الدولة السورية. بوتفليقة اكد العزم ـ ولايزال ـ على دولة المؤسسات بدلا من طاحونة العنف الجزائرية. صدام حسين التزم بالتعددية السياسية. كل هذه الشعارات لم تتحول واقعاً لاسباب عدة ابرزها اننا نفهم السلطة التنفيذية محوراً ومصدراً للاصلاح. هذا وضع اشبه بوضع الحصان خلف العربة، مسار الاصلاح السليم انطلاقه من القاعدة ليثمر سلطة معافاة من مظاهر الفساد والاستبداد. ما كاد ياسر عبد ربه يعلن مرسوم عرفات بالتشكيل الفلسطيني حتى انفجرت «حلاقيم النقدة» عبر الفضائيات توسم السلطة الجديدة بالفشل. ما الذي كان يتوقعه هؤلاء من حكومة عرفات. اياً كان عدد الوزارات الملغاة او المدمجة او المستحدثة فكلهم رجال الرئيس. هذه نتيجة منطقية لرؤية الاصلاح القومي. تظل سلطة قطاع من الفلسطينيين على جزء من الارض الفلسطينية في ظل الواقع الناجم عن «أوسلو». ما لم يلتئم الصف الوطني الفلسطيني على مستوى القاعدة لن يتم تعديل او صلاح جوهري في قمة السلطة. تحت ضغط النفوذ الاميركي وماكينته الاعلامية المهولة تركز الجهد الفلسطيني على سلطة الحكم الذاتي محوراً وليس مدخلاً للاصلاح. ذلك هدف اميركي وليس فلسطينياً. الاكثر جدوى للاصلاح الفلسطيني الشامل تلاقي الفصائل الفلسطينية على برنامج وطني يشخص مظاهر الضعف في المرحلة الفائتة واهداف المرحلة الآنية وملامح المستقبل. مثل هذا البرنامج لن يتم انجازه في غياب الحوار الديمقراطي الوطني وقبول الاخر. عند ميلاد السلطة الفلسطينية كان ثمة رهان عربي على نظام وطني يشكل انموذجاً على الصعيد الاقليمي باعتبارها سلطة وليدة من رحم الثورة. غير ان التجربة كانت محبطة. امام الفصائل الفلسطينية فرصة لتقديم انموذج للحوار الوطني. اذ انها كلها تواجه معركة مصيرية وجهتاها الحياة والموت. مثل هذا الانموذج لن يصبح واقعاً مادام كل فصيل يتمترس في خندقه بين انقاض الدولة وجثث الشهداء. عرفات رهين حصار مزدوج من الداخل والخارج وهو ليس استثناء عربياً. عرفات اولا والسيناريو قابل للاستعادة والتطبيق. المخرج يكمن في اصلاح من الداخل باملاءات وطنية وليست خارجية.