ينقلنا هذا الكتاب إلى ما وراء اللحظات الحاسمة للهجوم على المركز التجاري العالمي في نيويورك ومبنى «البنتاغون»، ويبرر معطيات التهديدات الجديدة التي تتعرض لها الولايات المتحدة والتي تعتقد واشنطن أنها ستكون الأكثر خطورة. وعلى الرغم من البيانات المتلاحقة للادارة الاميركية حول انتصاراتها العسكرية في افغانستان وما تسميه بالرد «الشجاع» على أحداث سبتمبر فإن الفصل الأخير الجوهري لهذا العمل ليس نهاية المطاف بل حلقة من سنوات مقبلة تحمل في طياتها أحداثاً أكثر خطورة. يلقي هذا الكتاب الضوء على الدور المهم لدول الشرق الأوسط الذي تعول عليه أميركا كثيراً في حربها ضد الارهاب ومخاوفها من تعرض الثروة النفطية لعمليات ارهابية، ويؤكد على ضرورة نشر قوات أميركية مدربة تدريباً خاصاً على شكل فرق ترتدي الألبسة المدنية ويتقن أفراد منها اللغة العربية للقضاء على خلايا (الإرهاب) والتدخل في عمليات سرية ضد تنظيمات في المنطقة. أكد دونالد رامسفيلد وزير الدفاع الاميركي ان الحرب الحالية ضد الارهاب لا تستخدم فيها صواريخ كروز او قاذفات لحسم المعركة، بل ستكون قصاصة ورق تتسلمها الاستخبارات الاميركية من بلد صديق «ستمكننا من اقتلاع هذه الشبكة الارهابية من جذورها». مع وجود تدبير مثالي يبدو واضحاً ان نواقص المعلومات والقدرات والعمليات مكنت الارهابيين من توجيه ضربة 11 سبتمبر الموجعة التي اخذت الجهاز على حين غرة، وكانت مفجعة، في تأثيرها. وفي الوقت ذاته من الواضح، كما قال الرئيس جورج بوش ان الرجال والنساء المخلصين في مجتمع الاستخبارات هم على «الخط الامامي لضمان ان نصرنا سيكون مضموناً». وبينما ندرس الحملة الطويلة ضد الارهاب واحتمال وقوع هجمات جديدة فإن الاستخبارات ستظل الركيزة الاساسية في حياتنا. وهي العنصر الذي لا يستغنى عنه في الحملة التي يعتمد نجاح العناصر الاخرى عليها. ولسوء الحظ، فإنه وفقاً لمعطيات طبيعة العدو فليس هناك اي ضمانات لأن نوعية مخابراتنا ضد التنظيمات الارهابية مثل «القاعدة» سيطرأ عليها تحسين جوهري. وتعد «القاعدة» تنظيماً مسطحاً بمعنى انه يتكون من خلايا صغيرة، تضم افراداً في اكثر من 60 بلداً حول العالم. وقد اظهرت قابلية لاستخدام سلسلة واسعة من الاتصالات، بدءاً من الادوات البسيطة الى اللقاءات وجهاً لوجه الى استخدام التقنيات المتقدمة، مثل تشفير الرسائل عبر مواقع انترنت، وعندما يتم اعتراض رسائل الاتصالات تتبع اسلوباً غاية في السلاسة في تغيير اسلوب العمل لتجنب العمليات الاستخبارية الغربية. وتفتقر منظمة مثل «القاعدة» للبنى التحتية التي تجعل من اجهزة الاستخبارات الاخرى هدفاً لها مثل الحكومات من السهل اختراقها. واكثر من ذلك فإن الايديولوجية المتطرفة التي تحرك المتطوعين وتقوي الشبكة الفضفاضة، هو ما يجعل اختراقها عسيراً، او مستحيلاً، على العملاء الغربيين. ونظراً لقوة ايمانهم فإنه من غير المرجح ان يهرب عناصر من التنظيم، حتى وان قدمت اجهزة الاستخبارات الغربية مبالغ طائلة للاغراء، وفي ضوء هذه المعطيات فإن الحملة ضد الارهاب قد تشكل اكبر تحد استخباري للولايات المتحدة وحلفائها منذ الحرب الباردة. ومع وجود الاستخبارات الناجحة فإن اي شيء ممكن، وفي غيابها فإن اي شيء ممكن ايضاً، وتمكن الاستخبارات جميع مكونات الحملة ضد الارهاب من ان تكون فعالة بدءاً من الامن الداخلي الى استخدام قوات الامن الى العمليات العسكرية والعمليات السرية وبناء التحالف ويجب على جميع صناع القرار في كل من هذه المجالات الاعتماد على معلومات يتم جمعها وتحليلها ويوفرها مجتمع المخابرات وترتبط مواجهة التحديات ذات الاوجه المتعددة بجمع المعلومات الاستخبارية وتحليلها وتوزيعها، وهي مهمة مخيفة لأن كل عنصر في الحملة ضد الارهاب يشكل متطلبات استخبارية فريدة. اولويات الامن الداخلي يحتاج المسئولون عن الامن الداخلي الى تملك ناصية فهم عام للتهديد، اي طبيعة انواع الهجمات التي تفكر فيها التنظيمات الارهابية المختلفة وتهتم بها ولديها قدرة على شنها ضد الولايات المتحدة. واذا افترضت المؤشرات ان مثل هذا الهجوم قائم، فإن السلطات نفسها بحاجة الى معلومات محددة تحذيرية حول المدفع المحدد ونوع الهجوم لكي يتم تعزيز الاجراءات الامنية وجهود ادارة البعثات. ولعل اعظم تحد في هذا المجال هو تقاسم المعلومات الاستخبارية والانصهار عبر الخطوط البيروقراطية وتشكيل اجزاء المعلومات النسبية التي تم جمعها عن طريق الوسائل والوكالات والوسائط المختلفة وتحويلها الى صورة متماسكة ودقيقة لما يرجح ان يحدث. وعن النهاية فإن الانصهار الاستخباري يعتمد على ترسيخ الصلات بين القطع المتميزة للمعلومات من خلال التحليل الراسخ والوطيد. وفي المعلومات التي نكون فيها غالباً في وضع متلاطم، يكون التحليل حاسماً في تحديد اي قطع من المعلومات مهمة وماذا تعني. قوات الامن وفضلاً عن نوع التحذير بالمعلومات فإن مجتمع الاجهزة الامنية يحتاج الى معلومات حول الافراد الذين يعرف عنهم او يعتقد انهم جزء من منظمة ارهابية والذين يدخلون الولايات المتحدة او دخلوا اليها ولذلك فإن عمليات الاستطلاع الاميركية المحلية يمكن ان تبدأ. والواقع ان قوائم المراقبة كانت موجودة قبل 11 سبتمبر لكن بعض الوكالات كان ينقصها المصادر لمراقبتها، او الرد عليها بفعالية. ولم تكن هذه القوائم بالضرورة متقاسمة مع الولاية وأي قوات امنية محلية. وفضلاً عن ذلك فإن احداً من الاشخاص الذين شاركوا في هجمات 11 سبتمبر لم تكن اسماؤهم على قوائم المراقبين ودخلوا الولايات المتحدة بصورة شرعية ولذلك فإن مجتمع المخابرات مطالب ان يضاعف جهوده لاكتشاف افراد لهم صلات بمنظمات ارهابية، وثانياً فإن الولايات المتحدة تحتاج لاعادة النظر بسياسة الهجرة مثل كيفية مواصلة رقابة افراد دخلوا الولايات المتحدة على اساس انهم طلبوا او وفقاً لتأشيرات مؤقتة. وفي داخل الولايات المتحدة اصبحت قوى الأمن المزود الرئيسي للاستخبارات معتمدة على معلومات تم الحصول عليها نتيجة الاستطلاع والانشطة التحقيقية. وفي ضوء ما نعرفه الان حول انشطة الارهابيين في الاشهر السابقة على 11 سبتمبر اصبح واضحاً ان جهود الاستطلاع الاميركية المحلية لم تكن قوية بما كان ينبغي ان تكون عليه. ويبدو ايضاً ان القصور كان واضحاً في انشطة المباحث الفيدرالية في التقصي عن الاشخاص، كما ان القصور قد يكون ناجماً عن جهود الاستطلاع التي احبطتها القيود المشددة المبالغ فيها في التوجيهات او القيود القانونية. وقد يكون القصور ايضاً ناجماً عن القدرات التقنية لاشارات الاستخبارات المنبهة وعدم كفاية ادارة المعلومات بالنسبة لتلك المهام، وهل هناك قصور ناجم عن قلة عدد الاشخاص الذين يتحدثون اللغات الاجنبية لترجمة وتحليل البيانات في الوقت المناسب؟ وهل هناك معالجات غير كافية لربط انشطة تبدو ظاهرياً غير مرتبطة ببعضها مثل (سرقة وثائق رسمية وتحويل اموال والتسجيل في مدارس طيران وشراء نقدي لتذكرة طيران) الى صورة واضحة لخطر داهم؟ وقد توحي الاجابات على هذه الاسئلة اصلاحات مهمة في حقل قوى الامن. العمليات المالية تتطلب محاولة قوى الامن الفيدرالية والبنوك لوقف تدفق الاموال الى الارهابيين جهوداً، مثل تجميد او تفريغ الحسابات المصرفية، وهو نوع اخر في الدعم الاستخباراتي. ويحتاج المسئولون في هذه الاجهزة الى صورة واضحة للعلاقات المالية واوضاع العمليات التي توضح صورة الشبكة، بما في ذلك مصادر التمويل، التي تمتلك في المنظمة سلطات اتخاذ القرارات والى كيفية تدفق الاموال الى المنظمة وكيف تتدفق داخل المنظمة وتتجه الى النشطاء في الميدان. وعلى المستوى التكتيكي تصبح المعلومات التفصيلية حول مساهمين معينين وحسابات بنكية وحسابات اخرى مسألة بالغة الاهمية بالنسبة للعمليات الفعالة. وهنا يتجسد التحدي في حقيقة بسيطة وهي ان الكثير من التعاملات المالية للمنظمة الارهابية قد لا يعرقلها شيء ازاء اي نوع من المراقبة المستخدمة ضد اهداف اخرى مثل الجريمة المنظمة، وتتعامل المنظمات الارهابية غالباً مع مؤسسات بنكية غير نظامية التي لا تلبي المعايير الدولية. وتميل هذه المنظمات الى تحويل اموال صغيرة حتى يمكنها تفادي لفت الانظار اليها وغالباً ما يتم نشاطها على قاعدة السيولة النقدية وهي تقوم بتحويل الاموال بصورة غير مشروعة من خلال مؤسسات تبدو مشروعة ظاهرياً واشخاص يبدو انهم موثوق بهم. ان مثل هذه الممارسات تجعل عملية متابعة مصادر الامل صعبة بصورة متزايدة هذا بصرف النظر عن التمويه على مصادر المال. العمليات العسكرية يحتاج صناع القرار في وزارة الدفاع الاميركية الى دعم استخباري متنوع وواسع النطاق للقيام بالعمليات العسكرية. وعلى المستوى الاستراتيجي يحتاجون الى فهم واسع لنوايا وقدرات المنظمات الارهابية مع مدى الوصول الى اهداف عالمية، وعلى المستوى العملياتي فإنهم يطلبون تفاصيل اكثر حول ظروف العمليات مثل طبيعة الارض والطقس والموقع وطبيعة القواعد الارهابية وتسهيلات القيادة والتحكم ومعسكرات التدريب والامكانات التعبوية الاخرى لدعم وتطوير الخطط العسكرية وقوائم الاهداف. ويحتاج صانعو القرار ايضاً الى معلومات مماثلة حول القوات الصديقة المحتملة والمجموعات الصديقة في المنطقة.وعلى المستوى التكتيكي يتطلب العمل العسكري مزيداً من التفاصيل ومعلومات استخباراتية ذات مواقيت حساسة لدعم عمليات محددة من البيانات تستهدف مواقع معينة من اجل توجيه الذخيرة بدقة الى معلومات حول الاماكن الدقيقة التي يتواجد فيها فرد معين او مجموعة مستهدفة للعمل المباشر. ويعد التحدي المرتبط بالاخر جوهرياً ويمكن ان يحد المدى الذي يمكن للولايات المتحدة ان تستخدم عملياتها الخاصة بفعالية في اتجاه العمليات لاعتقال الارهابيين او قتلهم. العمليات السرية هذه النوعية من العمليات تستهدف اثارة الاضطراب لدى العمليات الارهابية واذا كان ممكناً اعتقال ارهابيين، وكما هي الحال بالنسبة للعمل المباشر حتى يتم ضمان النجاح فإن العمليات السرية تتطلب معلومات حساسة وبالغة التفاصيل حول المواقع المضبوطة والتحركات والترتيبات الامنية للاشخاص ويتم ممارسة ذلك وفقاً لفنون الخداع والمراوغة. ويتطلب ذلك قائمة طويلة من التفاصيل وعادة ما تحتاج الى مجموعة من المعلومات الاستخباراتية البشرية والتنبيهات الاستخبارية والمسح المستمر والاستعدادات المكثفة وقليل من الحظ يعتمد عليه، ولاسباب تاريخية فقد ابتعدت الاستخبارات الاميركية عن هذا العمل لفترة من الزمن. وفي ضوء الارهاب الجديد فهي تحتاج الى العودة الى قلب هذه العمليات معترفة بوجود بعض الفشل على طريق النجاح. ويتطلب ذلك تقوية جانب من المجتمع الاستخباراتي بعد تجربة ضمور جوهري بينما يعيد التفكير بالجوانب الآمنة والاجراءات الزائدة التي تحتاج ان توضع في مكانها لضمان ان تكون الانشطة السرية متناسقة تماما مع اهداف السياسة الاميركية، وسيكون هذا الجهد طويل المدى متطلبا سنوات من الاستثمار. الابقاء على التحالف منذ سنوات، بقي جوهر السياسة الاميركية المضادة للارهاب ذا طابع تطغى عليه العلاقات الثنائية الاستخبارية مع عدد من الاقطار المهمة، وصباح 11 سبتمبر احتاجت الولايات المتحدة الى توسيع هذه العلاقات وتعميقها وفي جوهر الابقاء على تحالف دولي ضد الارهاب لفترة طويلة من الزمان هو ايجاد وسائل لتقاسم المعلومات الاستخبارية على امتداد البعد البيروقراطي والقومي بوسائل لا تشمل مصادر ووسائل، ذلك بالطبع ممر ذو اتجاهين كما هو الحال بالنسبة لما يمكن ان يكون عليه المجتمع الاستخباري حيث تكون المحطة النهائية المتلقية لمثل هذه الترتيبات. وعندما يتم جمع المعلومات من خلال القنوات الاميركية فإن الولايات المتحدة تمتلك اهتماما غالبا في ضمان ان أية معلومات تخص التهديدات الارهابية لشركاء التحالف يمكن تقاسمها في اسلوب دقيق ومحدد. وتحتاج الولايات المتحدة ايضا العمل بجد لضمان ان القادة السياسيين في التحالف لديهم المعلومات التي يحتاجون اليها لصنع قضية الزامية لجماهيرهم بالاشارة الى انهم هم ايضا يواجهون تهديدا من الارهاب. وفي هذا الميدان فإن التحدي الرئيسي هو تقاسم المعلومات في تفاصيل كافية لتزويد الشريك في التحالف بما يحتاجه بينما يتم حماية مصادر الولايات المتحدة واساليبها وامنها العملياتي ضد الحلول الوسط. تلك صورة توضيحية اكثر منها صورة شاملة للمتطلبات التي ستوضع على كاهل المجتمع الاستخباراتي طول الحملة ضد الارهاب لكن هذه الصورة تلمح الى التنوع الواسع للعمليات الاستخبارية والمنتجات المطلوبة لدعم العناصر المتنوعة للحملة وايضا التحديات المهمة التي سيواجهها المجتمع الاستخباري. واعتمادا على الدور المركزي للاستخبارات في نجاح هذه العملية وضخامة التحديات فان على الحكومة الاميركية اتخاذ عمل سريع لتحديد النواقص في قدرات الاستخبارات الحالية والعمليات وتطوير اولويات واضحة وخطة شاملة من العمل لمواجة تلك النواقص، وكخطوة اولية فإن الفرع التنفيذي ينبغي عليه منح امتياز لمجموعة تضم كلاً من خبراء استخبارات وأناساً ذوي سمعة طيبة للقيام بتقويمين ويتحتم ان يتناول التقويم الاول اعادة بناء الاحداث التي ادت الى 11 سبتمبر والاستخبارات المتعلقة بتلك الاحداث وانشطة قوات الأمن لتحديد مكامن الخطأ والصواب والاسباب. ولابد من القيام باجراءات حازمة وحاسمة لمراجعة وتقويم الاحداث اذا كان الرئيس والكونغرس يودان معرفة الرد على سؤال «كيف حدث ذلك؟» وهو السؤال نفسه الذي يراود ذهن كل مواطن اميركي واتخاذ خطوات ملموسة لتقليص مخاطر الهجمات المستقبلية، ولتحديد ما هي الدروس التي ينبغي تعلمها ينبغي اعطاء عناية كبيرة لضمان ذاك التقويم من انه لن ينحدر الى ممارسة اجراء القاء المسئولية على الآخرين او على العكس محاولة التمويه على ما جرى فعلا اما التقويم الثاني فينبغي ان يهدف الى تطوير خطة عمل لايجاد حلول لنواقص ذات اولوية في نطاق الاستخبارات وقد تكون هذه نواقص في السياسة والناس والعمليات او التقنية. وسيوفر التقويم مخططا لبناء قدرات وتعزيز اداء مجتمع الاستخبارات في مقارعة الارهاب طوال السنوات الخمس والعشر المقبلة. وينبغي ايجاد حل للنواقص العديدة المعروفة كجزء من هذه الممارسة. الاول هو ندرة المترجمين والمحللين الذين يتمتعون بمهارات لغوية وخبرة في المجال وخبرة وظيفية لتقويم وتحليل بحر من المعلومات التي تم جمعها والخاصة بالمنظمات الارهابية وعملياتها في انحاء العام. ويفتقر مجتمع الاستخبارات الحالي الى عدد كاف من الاشخاص الذين يتحدثون لغة يتحدثها اعضاء تنظيمات ارهابية مختلفة والبلدان التي تدعمهم ومن اهم الجوانب النقص والافتقار الى مترجمين باللغة العربية والفارسية وسلسلة من لغات آسيا الوسطى وجنوب آسيا. وتبدو هذه النقيصة على نحو خاص حادة بالنسبة لوكالات امنية داخلية مثل مكتب التحقيقات الفيدرالي الذي تتعرقل قابليته في متابعة انشطة خلايا ارهابية تنشط داخل الولايات المتحدة الاميركية، وفي الحقيقة وبعد اسبوع من وقوع هجمات 11 سبتمبر اصدر روبرت موللر مدير الـ «اف بي اي» نداء لكل الأمة الاميركية يناشد فيه المتحدثين بالعربية والبوشتونية والفارسية، وكان الرد كاسحا ففي الاول من اكتوبر تقدم اكثر من 1300 شخص، معظمهم من العرب الاميركيين الذين غطت طلباتهم للحصول على وظائف مترجمين معظم لوحات الاعلانات في ادارة الـ «اف بي آي»، والانترنت ويعرض هؤلاء مساعداتهم في طلباتهم. ويتطلب توظيف المئات من الاختصاصيين اللغويين في مدة وجيزة في الخدمة الحكومية زيادة مهمة في عدد الموظفين الذين يكرسون انفسم لوظائف جديدة وفي المدى الطويل فان المجتمع الاستخباري يحتاج الى ايجاد وابتكار وسائل جديدة للاستفادة من التنوع الاثني لمواطنينا، وهي من اعظم عوامل قوة أمتنا وختاما ان ايجاد حلول لهذه النقيصة سيعد حاسما لتمكين وكالات مثل الـ «اف بي اي» من الانتقال من مواقع رد الفعل الى وضعية فاعلة اكثر. اما النقيصة المهمة الثانية فهي تكمن في تقاسم عالم الاستخبارات خاصة بين الاستخبارات الاميركية والوكالات الامنية. ووفقا لجميع الحسابات فقد اثبت ذلك انه من بين اكثر التحديات ارباكا بالنسبة للمخضرمين الذين يقاتلون ضد الارهاب، وعلى الرغم من وضع مقاومة الارهاب قبل 11 سبتمبر على رأس اولويات اجهزة الاستخبارات والأمن، فان ذلك وحده لم يكن كافيا للحصول على معلومات صائبة حول الاشخاص المحددين، وبالوقت المناسب.احيانا لا تلاحظ وكالة ان معلومة تكون ذات قيمة بالنسبة لوكالة اخرى، وغالبا ما تحتفظ الوكالة التي تحصل على معلومة وتحللها عن قصد ولذلك فإنها لا تقوم بتقاسم هذه المعلومة مع جميع الاطراف التي بحاجة اليها ولمعرفتها، تلك الصورة صادقة وصحيحة بالنسبة لوكالات تطبيق القوانين الامنية مثل الـ «اف بي آي» حيث تمنع في الغالب قضية ذهنية العملاء من تقاسم معلومات نسبية تكتيكية في داخل وخارج الوكالة في اثناء استمرار تطوير الحالة. ولذلك فان تقاسم معلومات ناقصة تشكل ايضا مشكلة بين الحكومة الفيدرالية والولاية والوكالات المحلية، وينبغي ان تكون ازالة الحواجز البيروقراطية امام الاستخبارات الفعالة واحدة من اعلى الاولويات اذا كنا نريد النجاح في الحملة ضد الارهاب.وبعد، فانه لا مفر من اثارة آمال وكالات الاستخبارات لجمع معلومات في داخل اطار الحدود الاميركية، وهو امر كان ينظر اليه سابقا على انه تعد على الحقوق الشخصية الخاصة للمواطنين الاميركيين، وتثير ايضا واحدة من اعظم التحديات التي تواجه الولايات المتحدة ضد الارهاب والسؤال الآن كيف ننشيء معرفة طرفية لمعرفة ما يفعله الارهابيون داخل حدودنا دون التحول الى دولة بوليسية؟ ولكي تكون الحملة ضد الارهاب فعالة سيتطلب ذلك التخلص من هذه القضية، وان بناء معرفة ظرفية الآن جوهرية ستتطلب اعادة التفكير بالسلطات القانونية القائمة التي تحصر تقاسم المعلومات بين الاستخبارات والوكالات الامنية ويعني ذلك ايضا تطوير وسائل جديدة للمسح القانوني للمواطنين الاميركيين والمقيمين الاجانب في الولايات المتحدة بينما يتم بناء مراقبة كافية لضمان ان وسائل جديدة لم تستخدم بصورة غير مناسبة. ويمكن ان يتضمن ذلك بناء مراكز تحقيق مشتركة للوكالات يتم الاشراف عليها بموجب قواعد متواصلة بواسطة ضابط جرى تعيينه بواسطة محكمة مخولة بموجب قانون الرقابة الاستخبارية الخارجية. تقاسم المعلومات وتعد عملية تقاسم المعلومات الاستخبارية والتحليل الافضل مركزيتين بالنسبة لمواجهة نواقص ذات صلة، فالانصهار الاستخباراتي او اعادة تركيب المعلومات المجمعة من الكثير من المصادر واساليب لتكوين صورة اوسع وهذا الصهر اشبه بمحاولة لاعادة تركيب احجية عملاقة مع مجموعة متنوعة من اللاعبين حيث يتم البحث في آلاف القطع للوصول الى قطعة او قطعتين قد تسهمان في تشكيل صورة اوسع وشاملة. والتحدي الاول هو ببساطة التفتيش عن كم هائل من البيانات الاستخبارية الاولية للعثور على معلومات قد يكون لها اهمية بالنسبة لتحديات التحليل. والثاني هو محاولة جمع تلك المعلومات في صورة مترابطة (الصهر المعلوماتي) وتقريب فهم اسهامات الوكالات المتنوعة (تحدي تقاسم المعلومات). وقبيل 11 سبتمبر كان اللاعبون غالبا ما يخفقون في وضع معلوماتهم المطلوبة على الطاولة. وتبعا لذلك فان اللاعبين كان لديهم معلومات محدودة او بدون معلومات على الاطلاق حول الاحجية الشاملة وما قد تبدو عليه او حتى ما هي المعلومات ذات الصلة التي ينبغي عليهم التفتيش عنها في ميدان سيطرتهم. ولا شك فإن الحالة المؤسفة لآلية قاعدة معلومات الاستخبارات الاميركية التلقائية تعيق عملية الانصهار فلاتزال معظم البيانات الاستخبارية في ملفات ورقية فالبيانات الكثيفة التي تبنتها استخباراتنا ومجتمعات قوات حفظ الأمن والقانون هي بكل أسف قد انتهت فاعليتها واصبح لا قيمة لها لانها لا تزال بحاجة الى تقنين لطباعتها. وتحتاج الولايات المتحدة للاستثمار في الوقت الحقيقي وهو الادخال التلقائي للبيانات من مصدر التجميع الى الملفات الالكترونية.وفضلا عن ذلك فإن عملية الصهر يمكن ان تفيد فائدة كبيرة من الاستخدام الاوسع للمعلومات التي يتم جمعها من مصادر مفتوحة، وهناك ثروة من مصادر المعلومات المفتوحة ومعظمها ليست معلومات حديثة بقدر ماهي مستقاة من ملفات المخابرات. ومع ذلك فان نظامنا يمتلك نقطة تحيز في انه يفضل المعلومات المبوبة. وفي وضع اي ازمة فإن هذا يعمل في تقريب دائرة الاشخاص الذين يدخلون المعلومات لتقديمها لعملية صنع القرار ولقيادة صناع القرار لوضع ثقل اكبر وبالتأكيد على أية معلومات استخبارية وان كانت ضئيلة، افضل من ان تحتاج الى توثيق وتبرير وبالمقابل اذا رغبت الاستخبارات في استخدام مصادر اكثر كثافة، فاننا سنقوم بصورة روتينية بفحص قضايا معينة دون ان نلوح بأيدينا بالضرورة الى أننا نخطط للقيام بعمليات في منطقة ما ويمكننا ان نجعل من معلوماتنا المصنفة قيمة افضل بوضعها في سياق أعرض بكثير. وبدون شك فإن مصادر المعلومات المفتوحة سيكون من السهل اكثر تقاسمها بين الوكالات المعنية. ويحتاج مجتمع الاستخبارات ايضا كي يأخذ على عاتقه ان يحاكي سلوك الارهابيين ويتقمص ادوارهم من اجل فهم افضل لانواع الهجمات التي قد تفكر فيها المجموعات الارهابية، وكيف يمكن ان ترد وعلى الرغم من نواقص مثل هذا العمل في افضل الحالات فإن مثل هذه التدريبات قد تكون مفيدة جدا في كشف الثغرات في التفكير والنواقص وقد يستخدم كل من جهازي الاستخبارات والأمن كيانا مثل مركز ابحاث التمويل والتطوير لتحليل دوافع وقدرات ارهابية والاساليب المتخذة في العمل للمساعدة على انتاج مفاهيم بحثية للصهر البياني (المعلوماتي) وللتفكير بصورة ابداعية بدون مفاهيم عملياتية جديدة لمحاربة الارهاب. ولعل النواقص الاكثر طرحا على بساط النقاش منذ 11 سبتمبر هي قصور جهاز الاستخبارات الاميركي وتنحصر في عدم قدرة المصادر الاستخبارية والعملاء النشطين على اختراق المنظمات الارهابية مثل القاعدة. والواضح انه منذ نهاية الحرب الباردة تقلصت النفقات التي تمنح لدعم برامج الاستخبارات بنسبة 20 في المئة فضلا عن ضمور هذه البرامج على نحو خاص، وفي الوقت ذاته فان عدد التهديدات المحتملة للولايات المتحدة ارتفعت بصورة لم يسبق لها مثيل. وبدلا من التركيز على اختراق عدد يعمل على قاعدة واسعة النطاق فانه ينبغي على جهاز الاستخبارات تنويع اهدافه التي تتضمن اهدافا حكومية وغير حكومية ومن بينها عدد من المنظمات الارهابية. ولا مجال للشك فإن مثل هذا الضمور بحاجة الى نقاش لكن زيادة عدد الجهات او المصادر العاملة لصالح الاستخبارات قد لا تكون الحل. وبداية كما لوحظ سابقا فإنه يصبح في الحقيقة من المستحيل على العملاء الاميركيين اختراق مجموعات مثل القاعدة بسبب ايديولوجيتهم ونظام تجنيدهم ووسائل التحري عن الاشخاص واسلوب الانقطاع التي تعمل بموجبها الخلايا. ثانيا، وحتى لو كانت هناك اسباب للاعتقاد ان آمالنا في اختراق تلك المجموعات ستتحقق فإن تطوير عناصر متسللة فعالة سيستغرق سنوات كي تؤتي ثمارها. كما ان تطوير عملاء اميركيين لاختراق التنظيمات الارهابية هو ببساطة ليس بالامر الاكثر تحقيقا للآمال على مدى الحل القريب ولا المتوسط.ونتيجة لذلك ينبغي اعطاء المقاربات الاخرى حلا لهذه الثغرة ومنحها الاولوية في الاعتبار واذا لم نستطع اختراق هذه التنظيمات بأنفسنا، فاننا بحاجة لأولئك القادرين على تحقيق ذلك .ويعني ذلك العثور على مجندين وتطوير قدراتهم وتزويدهم بالمعلومات عن المنظمات الارهابية التي نسعى الى تدميرها، ولا ريب فإن التعاطي مع قضية الارهابيين هي بكل المقاييس عملية كريهة ومحاولة تحطيمهم بحاجة الى الحصول على معلومات من اشخاص ولكن ليسوا كريهين ولتحقيق فعالية عالية في هذا المجال فقد تحتاج الولايات المتحدة الى سلوك العملية للحصول على موافقة لاستخدام تلك الاحتياجات. ولعل الاكثر اهمية هو قيام الولايات المتحدة بتقاسم المعلومات الاستخبارية من تلك الدول التي تتمتع بقدرات استخبارية افضل في المنطقة وتعتمد على جماعات لها الشأن الاعظم. وينبغي على الولايات المتحدة تشجيع هذه البلدان على مضاعفة الجهود لتطوير جهاز استخبارات افضل لديها يعتمد على حقيقة ان الارهاب الحالي يهدد تلك الانظمة ذاتها ايضا.ومن اهداف دبلوماسيتنا الجوهرية ايضا في الاشهر والسنوات اللاحقة توسيع وتعميق هذه الترتيبات باعتبارها حجر الزاوية لعلاقتنا الثنائية مع دول رئيسية في المنطقة ويتضمن ذلك السعي بصورة اكبر لاقامة تعاون مع الحلفاء للقيام بعمليات مسح وتفتيش عن المصادر المالية للتنظيمات الارهابية المختلفة واذا كانت الاستخبارات الذراع الطويلة في مقاومة الارهاب فان العلاقات التعاونية المعززة مع وكالات الاستخبارات الدولية هي الخطوط الثابتة والقوية لتمكين جهاز الاستخبارات من الفعل الحقيقي. ولعل الاقرب الى نواقص جهاز الاستخبارات هي العمليات السرية، التي سبق نقاشها، في اعقاب 11 سبتمبر، نحتاج الى اعادة الفحص والتحقيق في عملياتنا السرية. ولكن كما العادة علينا ان نوجه اهتمامنا الخاص الى الارشادات المناسبة والى الاستطلاع السياسي. وكما اشرنا سابقا فإن فروعا من مجتمع الاستخبارات كانت متخلفة تقنيا فالتغيرات الثورية والساحقة في مجال تقنيات الاتصالات غيرت بصورة جذرية طبيعة جمع المعلومات. فالاوضاع الجديدة للاتصالات مثل «الانترنت» وخدمات الكابل وتقنيات اللاسلكي قد اصبحت شائعة وجزءا من النشاط اليومي وتقنيات التشفير التي كانت حكرا على الحكومات باتت شائعة الاستخدام على نطاق واسع في القطاع التجاري. وفي الوقت ذاته فإن التمويل الشامل للاستخبارات تراجع واصبحت اجراءات الابحاث والتطوير والحصول على المعلومات ببساطة غير قادرة عى مجاراة التطورات السريعة في الميدان التقني وادت هذه التطورات الى تعقيد الاشارات الاستخبارية وخلفت اجهزة الاستخبارات بدون التقنيات التي تحتاج الى استخدامها في البيئة الجديدة.