ينقلنا هذا الكتاب إلى ما وراء اللحظات الحاسمة للهجوم على المركز التجاري العالمي في نيويورك ومبنى «البنتاغون»، ويبرر معطيات التهديدات الجديدة التي تتعرض لها الولايات المتحدة والتي تعتقد واشنطن أنها ستكون الأكثر خطورة. وعلى الرغم من البيانات المتلاحقة للادارة الاميركية حول انتصاراتها العسكرية في افغانستان وما تسميه بالرد «الشجاع» على أحداث سبتمبر فإن الفصل الأخير الجوهري لهذا العمل ليس نهاية المطاف بل حلقة من سنوات مقبلة تحمل في طياتها أحداثاً أكثر خطورة. يلقي هذا الكتاب الضوء على الدور المهم لدول الشرق الأوسط الذي تعول عليه أميركا كثيراً في حربها ضد الارهاب ومخاوفها من تعرض الثروة النفطية لعمليات ارهابية، ويؤكد على ضرورة نشر قوات أميركية مدربة تدريباً خاصاً على شكل فرق ترتدي الألبسة المدنية ويتقن أفراد منها اللغة العربية للقضاء على خلايا (الإرهاب) والتدخل في عمليات سرية ضد تنظيمات في المنطقة. قال توم ريدج وزير الامن الداخلي الاميركي، حاكم ولاية بنسلفانيا السابق، إنه سيبذل قصارى جهده لردم الثغرات في النظام الامني الاميركي الداخلي، معترفاً بوجود نواقص في برامج الامن الداخلي، واوضح في خطاب تعيينه في البيت الابيض في 8 اكتوبر 2001 ان: «الامر التنفيذي الذي اصدره الرئيس الاميركي يعلن انه ينبغي علينا ان نقوم بالمتابعة والتحضير والمنع والحماية والاستجابة وان نستعيد المبادرة للتصدي للارهاب، وهي مهمة غير عادية، لكننا سننفذ هذه المهمة وسننجزها، وسنبدأ العمل من مبادئ اساسية قليلة. اولاً: ينبغي الا يخشى احد للتقدم عندما يرى مشكلة، فهذه الطريقة الوحيدة للتعرف على اي حل.. اما الخطوة الثانية فهي التعاون. فينبغي علينا فتح خطوط الاتصال، وان نقدم الدعم اكثر من اي وقت مضى ونرسخ التعاون ما بين الوكالات الاميركية والادارات، بين السلطتين الاتحادية والولاية والخدمات المحلية وبين القطاعين الخاص والعام. ولعل الارضية الوحيدة التي ينبغي علينا ان نشعر بالقلق ازاءها ونقوم بحمايتها هي الارضية التي نقف عليها. واخيراً، وكما اعلن الرئيس الاميركي، فإننا سنواصل العمل للتأكيد على ان الحرية الجوهرية للشعب الاميركي مصانة الجانب وان الارهابيين لن ينتزعوا منا اسلوب حياتنا. خلال العقود الفاصلة بين بيرل هاربور و 11 سبتمبر 2001 تضاءل شعور الاميركيين بالامن مع ديناميات الحرب الباردة. ففي الخمسينيات من القرن الماضي قادت عملية بناء القدرة النووية العسكرية السوفييتية القادرة على الوصول الى الاراضي الاميركية الى مرحلة الملاجئ النووية واعتماد الاقبية تحت الارض، فضلاً عن تدريبات في المدارس الاميركية للوقاية من اي هجوم نووي. ومع التوصل الى انفراج دولي وتوقيع اتفاقيات نزع الاسلحة النووية في اعوام السبعينيات، عمل الاميركيون على اعادة الاحساس بالامن والامان في الوطن، حتى وان كانت الحياة خلال الالوف من الاسلحة النووية الموجهة الى المدن الاميركية والمواطنين الاميركيين. تاريخ من القلق لقد تعرض هذا الشعور النسبي بالمنعة والحصانة لاختبار في الثمانينيات، عندما تصاعدت حدة التوتر بين الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتي، وتعمقت عندما لاحت الحرب الباردة بالذوبان في 1989. ولم تعد روسيا عدوة لنا واصبحنا القطب القوي الوحيد في العالم، ولم يعد لقواتنا العسكرية منافس واصبحت اميركا تعيش بسلام. واعادت حرب الخليج الثانية في 1991 للاميركيين الحقيقة القائلة اننا نواجه تهديدات تطال امننا القومي، وعززت ايضاً شعوراً بأن الولايات المتحدة ستتعرض للقتال حتى داخل حدودها. ونبه احد استراتيجيي البنتاغون في اوائل التسعينيات الى ان «العسكرية الاميركية تقوم بمناورات فقط». وفي العقد الذي جاء بعد حرب الخليج الثانية بدأ خبراء الامن القومي الاميركي بالشعور المتزايد بالقلق نتيجة التهديدات المختلفة بما في ذلك تهديدات محتملة على الارض الاميركية ذاتها. وخلال الفترة ذاتها اطلقت ادارة الرئيس كلينتون سلسلة من المبادرات لمساعدة السلطات الاتحادية والولاية والحكومات المحلية على تعزيز قدراتها الدفاعية ضد هجمات محتملة على الاراضي الاميركية والرد عليها وتحسين جهود التنسيق. لكن الشعب الاميركي بقي على قاعدة واسعة لا يدرك او انه على الاقل غير مصدق انه يتعرض لتهديدات حتى بعد الهجوم الاول على مركز التجارة العالمي في العام 1993. وبالنسبة للكثيرين من الاميركيين فإن جانباً من الصدمة التي سببها هجوم 11 سبتمبر كان على ما يبدو لا يمكن تخيله. وفي صبيحة اسوأ هجوم ارهابي في التاريخ، ارتقت مسألة الامن الداخلي الاميركي لتحتل رأس الاولويات في الاجندة الاميركية. وقبيل 11 سبتمبر كان هناك التزام متصاعد بين الكثيرين في صفوف الحكومة الاميركية باتخاذ خطوات جزئية لاتخاذ الحيطة والحذر ضد تهديدات محتملة لأمن الولايات المتحدة. ولكن منذ 11 سبتمبر بات هناك مطلب شعبي ملح ودرجة غير مسبوقة من الرغبة السياسية لفعل وانفاق كل ما هو ضروري وبالسرعة الممكنة لتعزيز الامن الداخلي الى ابعد مستوى ممكن القيام به، وتشير رغبة الكونغرس، بعد فترة وجيزة من هجوم 11 سبتمبر، الى اعطاء الرئيس 40 مليار دولار اميركي في دعم مالي طارئ، وهو ضعف المبلغ الذي طلبه الرئيس، الى حلول مزاج جديد في البلاد. ويشكل الاعداد لحماية الامن الداخلي الاميركي من هجمات ارهابية ومن هجوم كبير بأسلحة الدمار الشامل مهمة مليئة بالتحدي، وقد اتسمت بأنها من اصعب المهام في مجتمع مفتوح مثل المجتمع الاميركي، يعتمد في اقتصاده على التجارة الدولية وتعد الحريات المدنية فيه اثيرة لدى الاميركيين. وفي كل يوم يعبر الحدود الاميركية نحو المليون و 300 الف شخص. واظهر الارهابيون مقدرتهم على دخول الولايات المتحدة، وغالباً ما يكون هذا الدخول شرعياً، ويعيشون من دون مراقبة او رصد هناك طوال سنوات. وفضلاً عن ذلك فإن اكثر من 340 الف سيارة و 58 الف نسمة تدخل الى الولايات المتحدة على قاعدة يومية، ولا يتم تفتيش سوى ما يتراوح ما بين 1 ـ 2% من قبل رجال الجمارك. وتتعرض مواقع وزارة الدفاع الاميركية على الانترنت الى 250 ألف محاولة تسلل، ويمثل ذلك جانباً من محاولات الاقتحام التي درجت الحكومة الاميركية واجهزتها الصناعية على التصدي لها سنوياً، وهو قمة جبل الجليد فقط. لكن تعزيز الامن القومي سيصبح امراً اكثر تعقيداً بناء على حقيقة مسئولية التعامل مع آفاق مختلفة لهذه التهديدات التي تتقاطع مع الاحكام القانونية لأكثر من 40 وكالة اتحادية و 14 لجنة كونغرس عدا عن اعداد لا تحصى من المؤسسات المحلية ومؤسسات الولاية، فضلاً عن دوائر القطاع الخاص. ولاحظ احد خبراء الامن الداخلي لدينا عدد ضخم من الرياضيين ولكن ليس لدينا مدرب واحد، وليس لدينا خطة للعب وكذلك لا نتدرب. فكيف ترون قدرتنا على خوض غمار اللعب، ان تنظيم الخطة كي يمكننا النجاح مسألة عصيبة كما تتعاظم صعوبتها. استراتيجية ذات 3 شعب يمكن تعريف الامن الداخلي الاميركي بعبارة مفيدة هي الوقاية والردع واخذ زمام المبادرة والدفاع ضد الهجمات على الولايات المتحدة وادارة تبعات اي هجوم. وفي صلب هذا التعريف 3 اهداف عريضة وثابتة ينبغي ان يوفر الاساس لأي استراتيجية قومية للامن الداخلي. الهدف الاول هو الحيلولة دون تعرض الولايات المتحدة لأي هجمات مستقبلية. ويصبح هذا الهدف واضحاً نظراً لانه يدخل في جوهر استمرار الديمقراطية والانفتاح واسلوب الحياة الرأسمالي الذي يميز المجتمع الاميركي. وتتضمن الوقاية وقف التهديدات ضد الولايات المتحدة بأقصى حد ممكن. كما ان جهود الوقاية في الخارج قد تشمل العمل مع الحلفاء لتصفية قاعدة الارهاب في الخارج ومنع انتشار اسلحة الدمار الشامل وانظمة المناولة بعيدة المدى ولاقفال مواقع «الهاكرز» الذين يتآمرون لشن هجمات ضد شبكات الكمبيوتر الاميركية. وقد يتطلب الامر القيام بتحركات سريعة داخل الولايات المتحدة لمنع الارهابيين من العبور الى الولايات المتحدة او الصعود الى رحلات جوية، او استئجار طائرات رش او اي شاحنة تجارية. والوقاية في حد ذاتها اجراء احترازي ويتطلب القيام برد هجومي لتدمير او تحييد اي تهديد قبل حدوثه، وينبغي على القيادة الاميركية ان تكون مستعدة للتحرك وفقاً لخطة استباقية بالتعاون والتنسيق مع الائتلاف والتحالفات القائمة وحتى بنفسها دون الاعتماد على احد لتوجيه ضربات ضد التهديدات القائمة والمحددة والموجهة ضد الداخل والشواطئ الاميركية وتتضمن الاجراءات الوقائية «تشكيل البيئة الامنية لتجنب واعاقة اي تهديدات طارئة على الولايات المتحدة. كما يمكن الوقاية من الهجمات الى حد كبير باشتباك الولايات المتحدة في الخارج. لكن في التحليل النهائي فإن الركيزة الاساسية في سياسة الوقاية الاميركية هي القدرة على رصد التهديدات قبل ان تصبح واقعاً لا يمكن تغييره ورصد هذه التهديدات بوضوح وصيغ كافية وبمتسع من الوقت لتمكين سياسة الوقاية من التنفيذ الصحيح والناجح. ونظراً لأنه يستحيل الحيلولة دون وقوع كل الهجمات فإن الهدف المعمول به ينبغي ان يكون في العمل على تقليص الاضرار التي قد يحدثها اي تهديد ناجح ضد الولايات المتحدة. لقد قال وزير الدفاع الاميركي دونالد رامسفيلد: «ان انتصارنا سيتحقق مع حياة الاميركيين على قاعدة يومية واثناء الذهاب الى العلم وتربية اطفالهم وبناء احلامهم كما درجوا على ذلك». لقد نجحت قوات الامن الاتحادية واجهزة الاستخبارات في تجنب العديد من هذه الهجمات في الماضي بالتحرك السريع لمواجهة مؤشرات محددة وتحذيرات وهو دليل على ان تحقيق درجة من الوقاية ممكن. الهدف الثاني هو تعزيز قابلية الولايات المتحدة على حماية نفسها ضد هذه الهجمات، ويتضمن تحقيق هذا الهدف تقوية الدفاعات الاميركية ضد التهديدات الداخلية للولايات المتحدة، مثل الهجمات الارهابية واستخدام اسلحة الدمار الشامل وتوجيه تهديدات جوية وبالصواريخ بعيدة المدى وتعزيز الامن على الحدود والمياه الاقليمية والمجال الجوي والبنى التحتية الحساسة والبالغة الاهمية. ان الجوهري في حماية المواطنين الاميركيين هو بناء قدرة فعالة لهزيمة وتحييد نشاط العدو ما ان يتم شن هجوم.وسواء كان رد الفعل ضد هجوم جوي او صاروخي فوري او دفاعي نشط او يتطلب مطاردة اشخاص للعثور على خلية ارهابية وتفكيك قدراتها او اتباع اجراءات امنية يومية لحماية حدودنا ومؤسسات البنى التحتية الحساسة وقدرات واسعة ومتنوعة، قوى الامن الداخلي والاستخبارات او الجيش والخدمات الصحية العامة وخدمات اخرى سيحتاج اليها في تصعيد عوائق فعالة في وجه هكذا هجمات. وتصبح هذه المسألة الخاصة بالامن الداخلي معقدة على وجه خاص بوجود تهديدات معروفة ذات تنوع واسع وهي استخدام الارهابيين لمعارف متطورة حيث اظهروا انهم على دراية بها فضلاً عن تكييف مفاهيم عملياتهم كي تستفيد من التقنيات الجديدة واستغلال نواحي الضعف من اي اجراءات امنية متخذة مهما كانت. ونتيجة لذلك فإن الجهود الاميركية لتعزيز الامن الداخلي لا ينبغي ان تركز بصورة اساسية فقط على ضمان عدم قيام الارهابيين بخطف الطائرات والتحليق بها وصدمها في الابنية. وينبغي على الولايات المتحدة ان تتوقع وتكون قادرة على حماية نفسها ضد مستوى واسع من التهديدات الممكنة، مثل هجمات ارهابية تستخدم فيها طائرات وصواريخ وشاحنات وسيارات وسفن، وقد تشمل الهجمات اطلاق عناصر كيماوية وبيولوجية او مواد نووية في المدن الاميركية الكبرى وشن هجمات على البنى التحتية المهمة. وتظهر التهديدات القاتلة والمدمرة وغير القاتلة والتهديدات المثيرة للخوف والفزع مدى تعقيد المشكلة واتساع العناصر المشاركة سواء في القطاع العام او الخاص التي ينبغي عليها المشاركة في حماية الولايات المتحدة. وللولايات المتحدة والمكسيك على نحو خاص دور مهم في الدفاع عن الامن الداخلي الاميركي. وقد يكون الامن الداخلي الاميركي قوياً اذا كانت النقاط الحدودية وموانئ جارتي الولايات المتحدة (المكسيك وكندا) امنة. وعلى العكس فإن اي هجوم يستهدف الولايات المتحدة، خاصة اذا كان الهجوم كيماوياً او بيولوجياً، فإنه قد يؤثر على سكان البلدين ايضاً. ويفترض ذلك الحاجة الى تطوير تعاون ثنائي اوثق في تعزيز الامن الحدودي ودور الاستخبارات وقدراتها وجوانب اخرى. الهدف الثالث هو تحسين قابلية الولايات المتحدة للرد على اية هجمات وادارة تبعاتها في حال وقوعها. وبداية ينبغي على الولايات المتحدة ان تمتلك ارادة لضمان سلامة الاميركيين واستمرارية الحكومة والقيادة والقدرة على السيطرة وسلامة الاتصالات والخدمات الاساسية. كما ان ادارة السياقات الفعالة مركزية ايضاً للحفاظ على ثقة الجماهير وخفض التأثير المادي والمعنوي للارهاب. وكما شاهدنا في 11 سبتمبر فإن رد الفعل الاول جاء من رجال الاطفاء المحليين ورجال الشرطة وفرق الطوارئ الطبية وهؤلاء هم العنصر الاكثر اهمية لادارة السياق الفعالة، وينبغي ان يمنح هؤلاء المصادر والمعدات والتدريب الذي يحتاجون اليه للقيام بأعمالهم كل خير ما يرام. ثانياً: ينبغي على الولايات المتحدة ان تكون قادرة على تخفيف حالة الاضطراب واستعادة عمل البنى التحتية المهمة في الحال عقب اي هجوم وفوراً وقد يتطلب ذلك استعادة خدمات الاتصالات واصلاح خدمات انتاج الطاقة وانظمة التوزيع او توفير طرق بديلة ووسائل للنقل. كما سيكون تصعيب الاهداف المحتملة وتطوير خطط طوارئ وبناء درجة من الاجهزة الاحتياطية في الانظمة الرئيسية وهو ما سيعد بالغ الاهمية بالنسبة للاستعادة السريعة للاوضاع. ثالثاً: ينبغي ان تعد الحكومة الاميركية العدة لاتخاذ خطوات سريعة لدعم استقرار الاسواق المالية والتحكم بالتبعات المالية والاقتصادية فوراً بعد اي هجوم. رابعاً: ينبغي ان تستعد الادارة الاتحادية وحكومة الولاية والوكالات المحلية والمنظمات غير الحكومية لتوفير المساعدات الفورية لضحايا اي هجوم وعائلاتهم والاحياء المتضررة. ويعد التخطيط المسبق والتدريبات والتدريب على انظمة المحاكاة لاكتشاف المشكلات واعادة تنقيح الخطط والتنسيق في داخل الحكومة الاتحادية ومع حكومة الولاية والسلطات المحلية، وممثلي المنظمات غير الحكومية حجر الزاوية للنجاح في كل من الحماية وردود الفعل على اي هجمات مستقبلية. الاستعداد للأسوأ بينما تطور الولايات المتحدة استراتيجية قومية من اجل الامن الداخلي، ينبغي توجيه انتباه خاص الى تهديدين يشكلان اعظم المخاطر لطريقة حياتنا الاساسية. التهديد الجرثومي الارهابي. الهجمات على بنى تحتية خطيرة. وبينما يمكن ان ينجم عن هجوم ارهابي فعال استخدام عناصر كيماوية يسفر عنه مصرع واصابة مئات الالوف من المصابين والموتى، فإن هجوماً فعالاً باستخدام الاسلحة البيولوجية (الجرثومية) يمكن ان ينجم عنه اصابة ووفاة الملايين، والثابت والاكيد ان عناصر من تنظيم القاعدة سعوا للحصول على وسائل هجوم بيولوجية (جرثومية)، واجروا اتصالات مع دول لديها برامج تطوير اسلحة جرثومية. وانهى الهجوم بالانثراكس (الجمرة الخبيثة) الجدل حول ما اذا كان الارهابيون قادرون على الوصول الى عناصر جرثومية واستخدامها. بالطبع لقد حصل هؤلاء على مبتغاهم وهم قادرون على استخدامها (الاسلحة الجرثومية). وما يطمئن حقيقة انه من الصعب تحويل المواد الجرثومية الى اسلحة جرثومية اي انه من الصعب اخذ الجراثيم من صحن المختبر وانتاجها بكميات ضخمة وتحويلهما الى شكل يمكن نشره بفعالية للتسبب في الحاق الضرر بأعداد ضخمة من البشر، اما الاخبار غير المطمئنة فهي أن الارهابيين سيحتاجون فقط الى كمية بسيطة من المواد المجرثمة عالية الخطورة مثل الجدري لنشر ما يكفي لاصابة جمهور ضخم من الناس. ويصبح كل مصاب سلاح جرثومي فتاك وذلك خطر يضخم في عصرنا الحالي في المجتمعات دائمة الحركة. وقد يصبح هجوم بيولوجي محلي خطراً قومياً عارماً مع خطورة اصابة البلاد كلها بالشلل. ولذلك فان الولايات المتحدة ستجد نفسها مضطرة لاعطاء أولوية كبيرة لمنع المواد الجرثومية التي يمكن استخدامها في مثل هذه الهجمات من الوقوع بأيدي ارهابيين ولتعزيز قدراتنا على التعامل مع هجمات اذا ما وقعت. ولا تعتبر اجراءات الأمن في داخل الولايات المتحدة وكذلك المرافق الاجنبية كافية للحيلولة دون سرقة مواد جرثومية خطرة. وفي الولايات المتحدة توضع عينات من الجدري تحت رقابة مشددة لكن عينات اخرى مثل الانثراكس (الجمرة الخبيثة) توجد في مختبرات في طول الولايات المتحدة وعرضها بأقل اجراءات الحراسة الأمنية، واكثر من ذلك فان هناك اطنانا من الاسلحة الجرثومية تنتمي لعصر الحرب الباردة لا تزال مخزنة في مرافق غير آمنة في داخل الاتحاد السوفييتي السابق. ولا يخفى ضعف التجهيزات المخصصة لدرء احتمال حدوث هجوم كيماوي شامل. وتفتقر الولايات المتحدة الآن لمخازن اللقاحات والمضادات الحيوية ووسائل التوزيع السريع المطلوب للرد الفعال. وينقصنا الكادر الكافي لأول من يرد من الذين تلقوا تدريبات وزودوا للتعامل مع مثل هذه الازمات. وتفتقر حكومة الولايات المتحدة ايضا الى استراتيجيات ادارة كافية وخطط وانظمة معلومات للتغلب على اي هجوم ارهابي جرثومي، ولا يتلقى القادة الكبار اليوم ببساطة المعلومات الاستخبارية ونصائح الخبراء بل هم بحاجة الى صنع قرارات. مدعومة بمعلومات، ونتيجة لهذا العجز فان مسئولين في الولايات والسلطة الاتحادية يمكن ان يجدوا انفسهم في موقف غير قوي حتى يفرضوا قيودا قوية على المواطنين لانهم يفتقرون الى وسائل فعالة اخرى لاحتواء أي ازمة وسيفرض ذلك تحديات كبيرة للحريات المدنية وخيارات مفزعة على صانعي القرار. ومن الواقع كلما تعاظمت التهديدات الارهابية البيولوجية كلما كان الفراغ اكبر وكانت التهديدات للحريات المدنية وللمواطنين الامريكيين العاديين اكبر. ولمواجهة هذا الموقف، فان الرئيس الاميركي متعاونا مع الكونغرس والولاية والحكومات المحلية ينبغي ان يشن مبادرة كبرى على مستوى مشروع ابولو لتعزيز قدرات امتنا لاعاقة وردع الارهاب الجرثومي. وينبغي ان يكون تركيز هذا المشروع على تعزيز وتقوية النظام الصحي العام لاعاقة التأثيرات الكارثية المحتملة للارهاب البيولوجي. حماية البنى التحتية ان تعزيز البنى التحتية المهمة للولايات المتحدة وهي الانظمة المادية ونظم الاتصالات الالكترونية جوهرية بالنسبة للحد الادنى من العمليات ذات الطابع الاقتصادي وعمليات الحكومة، هو تحد مركزي اخر في تقليص مخاطر وتبعات أية هجمات ارهابية مقبلة. ويستطيع أي انسان تخيل حالة الفوضى والفزع التي ستحدث اذا اخترقت طائرة نطاق مفاعل نووي وتعطل مصدر رئيسي للطاقة الكهربائية في مدينة رئيسية او تم تدمير نظام الكمبيوتر في سوق بورصة نيويورك. وتشمل البنى التحتية الحساسة الاتصالات وانظمة الطاقة الكهربائية والبنى التحتية للغاز والكهرباء والانشطة المصرفية والمالية والمواصلات وانظمة شبكات المياه العذبة وخدمات الطوارئ، من 80 الى 90 في المئة منها مملوكة للقطاع الخاص وتشرف على ادارتها مؤسسات قطاع خاص. ويلاحظ انه مع تقدم تقنيات المعلومات الجديدة فان معظم البنى التحتية المهمة للامة اصبحت بصورة متزايدة آلية في السنوات الاخيرة جالبة معها فعاليات جديدة، وفي الوقت ذاته نقاط ضعف وبينها الهشاشة امام الهجمات على مواقع انترنت. وكما هي الحال بالنسبة لعمليات الدفاع البيولوجي ستكون الشراكة النشطة والمستمرة بين الحكومة والقطاع الخاص مسألة جوهرية لمواجهة هذه المشكلات. لقد اتخذت خطوات مهمة في السنوات الأخيرة، منها انشاء مراكز تقاسم المعلومات والتحليل لعدد من القطاعات لمواجهة التهديدات الالكترونية وعناصر الضعف والحوادث والحلول. وحتى الآن ركزت هذه الجهود بصورة أولية على الفضاء الالكتروني بدلا من التهديدات المادية. وفي ضوء ما اظهرته منظمة القاعدة من اهتمام في التسبب بالحاق خسائر بشرية كبيرة فان هجمات الفضاء الالكتروني قد لا تكون وضعا مفضلا لديها. وستصيب ادارة بوش عين الحكمة ان هي وسعت من نشاطها الخاص بحماية البنى التحتية المهمة لتنسحب على تأكيد اعظم على جوانب الضعف الماضي والتهديدات في كافة القطاعات. ولن يتطلب هذا الاجراء وقوع تهديدات جديدة فقط وتقويمات حالات الضعف بل وضع صورة اكثر وضوحات للجهات التي تتحمل المسئوليات والتي تستحوذ على السلطة لتعزيز الاجراءات الامنية ضد الهجما المادية على العناصر المختلفة للبنى التحتية المهمة. وعلى سبيل المثال من يتحمل مسئولية توفير الحماية الامنية الكافية لاكثر من 103 محطات طاقة نووية منتشرة في الولايات المتحدة الأميركية؟ هل هي مؤسسات النفع الخاص التي تشغل تلك المحطات؟ ام قوى الأمن المحلية؟ ام وحدات الحرس الوطني الخاضعة لحكام الولايات؟ تلك مسائل تحتاج الى تفسيرات ملحة. التنظيم من اجل النجاح كيف ينبغي ان تنظم حكومة الولايات المتحدة من اجل الامن الداخلي؟ يقف هذا السؤال في قلب بحث اي سياسة منذ 11 سبتمبر وقد تمت مناقشته بشكل معمق لأشهر بل لسنوات من قبل. تمت مناقشة 3 خيارات رئيسية بصورة متواترة: منح الامن لمؤسسة قائمة أو اخرى مثل وكالة ادارة الطوارئ الاتحادية او لوزارة الدفاع او بناء وكالة جديدة بدمج عناصر من المنظمات القائمة والبعثات او اقامة منسق قومي في البيت الابيض؟ ويبدو ان الرئيس جورج بوش قد حل المشكلة على الاقل بالنسبة لادارته بتعيين حاكم بنسلفانيا وزيراً لقوات الامن الداخلي، ومن حيث الجوهر فان بوش قد اختار خيارا ثالثا وهو وظيفة منسق قومي في البيت الابيض مهمته تجميع المصادر الخاصة بالحكمة كلها. وفي غضون ساعات من الاعلان استؤنفت المناقشات حول ما اذا كان الحاكم ريدج قد منح الصلاحيات ومنح الوضع المؤسسي الذي يحتاج اليه حتى يكون فعالا في وظيفته الجديدة. وحتى الآن كان قرار الرئيس بوش صائبا، ولكنه لن يكون كافيا على المدى البعيد، ان الهيكل الدقيق للحل التنظيمي طويل المدى يجوز الا يكون واضحا عند هذه النقطة. ولكن التغييرات ستكون الحاجة اليها أكيدة كما سيتم مناقشته لاحقا.يتطلب تصميم طويل الامد لرد متكامل وفعال على المشكلة المعقدة للارهاب الدولي الذي شن هجومه على الاراضي الاميركية فهما لثلاثة خطوط خاطئة اصابت الحكومة الاميركية بشرخ في هذا المنعطف التاريخي. الخط الخاطئ الاول هو انقسام الحكومة الفيدرالية حول جوهر الديمقراطية الدستورية الاميركية ويعتزم المؤسسون بناء نظام تدقيقات وتوازنات كي ينجم عنها عدم كفاءات في اتخاذ القرارات سيؤدي الى منع الاساءة للسلطة. ولكنهم حققوا نجاحا لم يطرأ على خيالاتهم الجامحة. ومع مضي الوقت، طرأ تطور على الحكومة الأميركية حتى اصبحت على جانب كبير من التعقيد وغير ذات قيمة كبيرة حتى صار لكل ادارة رئيسية ومكتب ادوارا تنسبية في نشاط الامن الداخلي. اما الخطأ الثاني ذو الطابع الدستوري فهو الفيدرالية الأميركية، والطريقة التي نقسم فيها السلطات بين المستوى القومي والولايات والمستويات الحكومية المحلية. والحكومة الاتحادية هي السلطة الوحيدة الناقدة التي تملك صلاحيات اعلان الحرب او تنظيم التجارة بين الولايات. ومن جهة عامة فان الولاية والحكومات المحلية هي المسئولة عن وظائف مثل التعليم والحماية من النار والاستجابة الطارئة وقوات الامن الداخلي. ويحتاج التنسيق للرد على المستوى القومي ضد الارهاب الى تجسيد هذه الثغرة. اما الخط الخاطئ الثالث فهو تراثي اكثر منه دستوري، الانفصال بين الخارجية واجهزة الامن المحلية. ما لبثت التقاليد السياسية الاميركية دائما تشعر بالقلق من سلطة الحكومة الطاغية ويؤدي ذلك الى الحد من نشاطها، وطالبت الاستخبارات المركزية والجيش داخل حدود الولايات المتحدة. ويبقى دور العسكرية الأميركية مقيدا بصورة كبيرة في داخل الاراضي الاميركية اما جهاز الاستخبارات المركزية الأميركية فلا يستطيع التجسس على المواطنين الأميركيين كما تفرض قيوداً عملياتية صارمة على الانشطة الاستقصائية على اجهزة الامن الداخلي. وعندما يتعلق الامر بمحاربة الارهاب فان هذا الانقسام ما بين الامن الخارجي والامن الداخلي تنشئ قطيعة خطيرة. وعلى سبيل المثال، فان الارهابيين يستخدمون شبكات اتصالات متطورة لتجاوز كل التشريعات السياسية وهو ما يسمح لهم بالنشاط داخل الولايات المتحدة بأساليب فرضت على وكالات الامن ان تهجر مطاردتها. في الماضي، كانت تطلب اجهزة الامن وتطبيق القوانين من وكالات تطبيق القوانين ان تتابع اجراء معقداً قائماً على الورق يخص أوامر المحكمة وأوامر استدعاء. ويتضح ان هذا الخط الخاطئ للامن الخارجي والداخلي ينشئ حواجز عملياتية للتنسيق بين القوات العسكرية والاستخبارات وقوات المحافظة على الامن التي تحتاج باستمرار الى من يهيمن عليها وهي مشكلة امكن التغلب عليها وتم ايجاد حل لها. ان هذا الانقطاع في المشهد الأميركي كان له طابع مماثل بين الولايات المختلفة الاخرى وهو ما عقد المشكلة الخاصة بالمشاركة والتنسيق في عملية تبادل المعلومات على المستوى الدولي