محمود أمين العالم مفكر مصري من نسيج خاص، يستعصى على التصنيف والقوالب الجاهزة، ورغم كونه ماركسياً ممارساً للفكر مشتبكاً مع قضايا الواقع عبر انتمائه الحركي، والتنظيمي للاحزاب والتنظيمات الشيوعية منذ الخمسينيات وحتى الان، الا انه أحد النقاد البارزين للمقولات الشيوعية سابقة التجهيز. محمود أمين العالم مفكر ينتمي الى قبيلة التنويريين العرب، ويتفرد بينهم بمزيجه الخلاق بين الفكر والممارسة، فهو ليس مفكراً من أصحاب الأبراج العاجية، بل لم تصرفه هموم الفكر والتنظير عن قضايا الواقع. محمود أمين العالم متعدد الاهتمامات، ففي شخصه تتجمع ادوار الناقد الادبي ذو الرؤية النافذة، والأديب، والمشرف على المسرح المصري في فترة من أزهى فترات صعوده، وهو الصحفي المسئول عن إدارة اكبر دار صحفية «أخبار اليوم» في فترة تحولات سياسية ماجت بها مصر، ونجح لحد كبير في اختلاق هوية جديدة للصحافة، تربطها بالواقع ولا تكتفي بجعل الصحفي مجرد ناقل للخبر، بل مشارك في صنعه ونجح في تخليص الصحيفة من صيغة الاثارة، وطعمها بمسحة الرصانة. محمود أمين العالم سياسي وحزبي يتجاوز برؤيته الانسانية قيود الحزبية، ويتعالى على جراحه ويأبى ان يصبح سجيناً لها، وخلافا لكثيرين ممن تاجروا خلال حقبة السبعينيات بقصص قليلها حقيقي واكثرها وهمي عن التعذيب في سجون عبدالناصر، وقف العالم في مصر وفي منفاه بباريس مدافعاً صلباً عن ثورة عبدالناصر، وقدم نقداً علمياً ذاتياً لرفاقه الذين اصطدموا مع زعيم الثورة لخطأ في التحليل السياسي وقراءة الواقع. محمود العالم يقترب من عامه الثمانين، وعطاؤه متواصل متجدد وشاب شعره ومازال قلبه ينبض بالشباب على طريق معاركه الفكرية، وسعيه الدؤوب للامساك بالحقائق وتعديل مسار الواقع من أجل عدالة رحبة ومشروع نهضوي يتسع لكل ابناء الأمة واقترابا منه كان هذا الحوار. خلافاً لكثيرين تدفعهم العزة بالاثم للوقوع في اسر عقد تاريخية وتبرير اخطاء الماضي، يقف محمود أمين العالم تحت هالة نور نقد الذات، بمنطق عقلي ورؤية انسانية، ترفض اختزال التاريخ في لحظة، او الانسانية في قفص الذات. وفي الجزء الثاني من حواره مع «البيان» يشهر محمود أمين العالم سيف شجاعته الفكرية والسياسية معترفاً بخطأ الشيوعيين المصريين في اتخاذ موقف عدائي من ثورة 23 يوليو بزعامة جمال عبدالناصر، وتبني موقف رافض للوحدة المصرية السورية تقليداً للحزب الشيوعي العراقي، الا انه في نفس الوقت لا يتجاهل أخطاء الدولة وأجهزتها مقارنة باطروحات الثورة. في البداية كان السؤال عن العولمة والرأسمالية المتوحشة وان كان كارل ماركس قد تنبأ بها في البيان الشيوعي «المانيفستو» رد العالم بأن أحضر نسخة من «قضايا فكرية» وفتح على صفحة من مقاله المنشور بالافتتاحية وهو بعنوان (العولمة).. وخيارات المستقبل وراح يقرأ نص ما كتبه. منذ أكثر من مئة وخمسين عاما كان كارل ماركس وفريدريك إنجلز يرسمان بدقة معالم هذه الصورة من العولمة التي نعيشها اليوم في بيانهما ( الشيوعي) الصادر عام 1848 نقرأ الفقرات التالية: وتكتسح البرجوازية - مدفوعة بحاجتها إلى أسواق جديدة - الأرض بأسرها، فلابد لها من أن تعشش في كل مكان - وأن تشتغل في كل مكان وأن تقيم العلاقات في كل مكان أعطت البرجوازية باستغلالها للسوق العالمية طابعا عالميا لإنتاج جميع البلدان واستهلاكها - ورغم أسس الرجعيين العميقة انتزعت البرجوازية من الصناعة قاعدتها القومية، فالصناعات القومية القديمة دمرت ويلحق بها يوميا مزيد من الدمار، وحلت محلها صناعات جديدة، أصبح تبنيها من جميع الأمم المتحضرة مسألة حياة أو موت، ولم تعد هذه الصناعات تستخدم المواد الأولية المحلية بل مواد أولية آتية من أكثر المناطق بعدا وتستهلك منتوجاتها لا داخل البلد، بل في جميع أنحاء العالم.. وعلى انقاض الانعزال القطري والقومي القديم القائم على الاكتفاء الذاتي، تنمو تجارة عالمية وتبعية متبادلة بين جميع الأمم، وما هو صحيح بخصوص الإنتاج المادي، لا يقل صحة بخصوص الإنتاج الفكري بالإتفان السريع لأدوات الإنتاج، وبالتحسين الدائم لوسائل المواصلات تجر البرجوازية إلى تيار الحضارة حتى أشد الأمم همجية، أما رخص منتوجاتها فتظل المدفعية الثقيلة التي تشن هجوما عنيفا على جميع الأسوار الصينية! وترغم على الاستسلام أشد الهمج مراسا في عداء الأجانب، وتقود قسرا جميع الأمم تحت طائلة الهلاك إلى تبنى نمط إنتاج البرجوازية، وترغمها مهما أبت على إدخال الحضارة المزعومة إليها أو قل ترغمها على أن تصبح برجوازية، باختصار فهي تخلق عالما على صورتها مثلما أخضعت الريف للمدينة، والبلدان الهمجية وشبه الهمجية للبلدان المتحضرة، طوعت الشعوب الفلاحية للشعوب البرجوازية، والشرق للغرب. انتهى كلام ( العالم). ثم مضى يقول: «هذا هو جوهر العولمة وجوهر القانون الحالي». العولمة ظاهرة طبيعية والمطلوب ترشيدها انسانيا ـ هل قرأوا ماركس واستفادوا من نبوءته ومحاذيره، وترجموها الى أمر واقع، وقالوا في أنفسهم (والله فكرة)؟! ـ هذا هو قانون الطبيعة، لهذا فأنا اعتبر العولمة ظاهرة طبيعية موضوعية، الشيء الذي لا تستطيع أن تقف ضده ولا تستطيع أن تغيره أما الشيء الخطير أو الجانب الذاتي في الظاهرة فهو (الهيمنة).. كيف نطور العولمة من نظام تسوده هيمنة 7 دول على رأسها أميركا، تهمين على العالم، وتمنعه من ان يتقدم وان تكون له خصوصيته الذاتية وحدوده، وتفرض عليه نمطا واحدا: اذاعة وتلفزيون وثقافة وملابس مشجرة، ووجبات غذائية سريعة (ماكدونا لا يزيشن) والمهم لا ينتج انتاجا ثقيلا لا يصنع أسلحة ولا سيارات ولا يزرع من المحاصيل ما يريد الا وفقا لمصانعها! تقضي على الغابات، وتسيء للطبيعة، كل هذا من أجل الربح لأن قانون الرأسمالية هو التوسع والاحتكار وتعظيم الربح والسيطرة، ونحن نعيش أقصى مراحلها سوءاً فهم يتاجرون بكل شيء بالجنس، بالنساء والأطفال ويخلقون معارك وهمية باسم الدين وهي ليست كذلك، وتحت دعوى محاربة الارهاب وهي ليست كذلك، انها عولمة شرسة تقوم على الهيمنة. وكل همي - وأنا أتكلم كماركسي - أن أحمي هذه العولمة، وأحولها من عولمة تسودها الهيمنة الى عولمة رشيدة، ديمقراطية الى حد ما، تتنوع فيها الخبرات الصغيرة والكبيرة، وتتعدد فيها الثقافات وتقوم على أساس العلاقات التضامنية، عولمة انسانية وليست أممية. عولمة تراعي احترام الخصوصيات والهويات والثقافات والتفاوت. الخصوصيات القومية، والذاتيات الثقافية. وفي اطار (مشترك انساني) عام، ينمو مع نمو الخصوصيات. فكلما تعمقت الخصوصيات، نمت العموميات، والمثل أمامنا واضح وبسيط.نجيب محفوظ. ممكن أن يكون عالميا، وهو خاص جدا، عندما يكون هناك تضامن في العالم. نجيب لم يأخذ حقه في العالم كما ينبغي، هناك أيضا أدب أفريقي وأدب ياباني، وأدب لاتيني، وأنا أزعم أن هناك مؤشرات لبزوغ عولمة بديلة بدأت تبرز في (أطباء بلا حدود) والعلماء الذين يتصدون لافساد البقية. والمظاهرات ضد الجات. وضد فتح الجمارك - وضد اضعاف السلطات المحلية وتفكيك الدول، وتحويلها الى تبعية، وقوى بوليسية تدافع عن مصالح أميركا! وتفكيك دورها لتكون دولة رفاهية، لا دولة انتاج. التنمية الذاتية هي الحل ـ وكيف نواجه هذا الخطر المتوحش، كيف يمكن ترشيد العولمة، وتجنب مخاطرها؟! ـ قد تستغرب إذا قلت لك: تحقيق ذاتية البلاد. وفي (عودة الروح) عبارة بليغة لتوفيق الحكيم دائما ما استعين بها. (لو قشطت جلد أي فلاح فسوف تجد تحت جلده ستة آلاف سنة من الخبرة)! دع هذا الفلاح يتحرك، دعه يقول، اشركه أكثر ثم عندك كنوز تراث، فنحن قادرون على انتاج القمح الذي يكفينا ويزيد ونصدره، لكننا (ممنوعون) فالقمح يأتي من أميركا على مراكب أميركية، والمعونة الأميركية تأتي ومعها خبراء، وبيوت خبرة، وأغلب أموال المعونة ينهبونها! - ثم عندك أيام عبدالناصر، كان لنا تجربة صناعية ممتازة. وحتى قبل وفاة عبدالناصر أيام طلعت حرب بداية الليبرالية الوطنية وعلى فكرة في حوار منذ أسابيع في احدى الندوات تحدث أحد الزملاء عن الليبرالية الوطنية الآن، قلت وطنية ايه بامارة ايه؟ الليبرالية الوطنية كانت أيام طلعت حرب أما هذه الليبرالية فهي تابعة وليس لها (كيان ذاتي). يا أخي في الرأسمالية الوطنية، وهناك رأسماليون وطنيون فعلا.. القضية اليوم ليست بناء الاشتراكية، وانما تنمية المجتمع. انتاجيا وعلميا والسيطرة على قوانين المعرفة الجديدة والقوانين التكنولوجية، ورفع مستوى العقلانية في المجتمع. ومشاركة الناس في وضع خطة تنمية وتنفيذها ورقابتها. ديموقراطية بهذا المعنى وليس ديمقراطية بمعنى برلمان ومجلس شورى ليس (ديمقراطية الخطب). ومطلوب تطوير التعليم بحيث يأخذ شكلا علميا حقيقيا، ويكون نابعا من تراثنا، ودائما ما أقول يجب ان نتحرك وننطلق من التراث، لكن لا نكرره ولا نجوده وانما نتمثله ونضيف اليه. كذلك النظر الى الغرب، هناك من يطالبون بالوقوف ضد الحداثة الأوروبية.. دون معرفة اننا بناة هذه الحضارة، ولكن علينا أن نتملك الآن مقومات هذه الحضارة معرفيا، وان (نبيئه) في بيئتنا وفق احتياجاتنا وان نضيف اليه. ومن العبث بل ومن الانتحار أن ندير للحضارة ظهورنا. الخطاب الاسلامي بحاجة للتجديد أيضا الخطاب الاسلامي بحاجة الى تجديد، انهم يقولون (الحركة الاسلامية) لن ينصلح حاضرنا الا بما صلح به ماضينا؟ هذا انتحار! (التكيف الهيكلي) الذي نطبقه.. هذا أيضا انتحار. القضية هي: كيف تدرك ماضيك، وتنتج انتاجا تمثليا ابداعيا وتمتلك ناصية المعرفة، وتضيف اليها وتطبقها بحسب ظروفك الخاصة وبحسب مرحلتك. لأن التقدم متمرحل، فيه الرؤية المرحلية ولا يمكن القفز على الأسباب الموضوعية. ولابد من (كتلة) وهنا فإن فكرة القومية العربية ضرورية وليست شيفونة عربية، ولا مجرد رومانتيكية. هنا توجد كتلة تاريخية ضرورية ولا قوام لنا بغيرها. جزء من وطنيتنا أن نؤمن بالقومية العربية، فقط أن نحترم ظروف خصوصيات كل بلد. هتفت لعبد الناصر داخل السجن ـ هناك فصيل كبير من الشيوعيين كانوا ضد القومية العربية، أو ضد الوحدة مع سوريا؟! ـ حين دخلنا السجن عام 1959 كنا مع الوحدة، وأصدرنا بيانا باسم فريد وسيد أصدرنا من داخل المعتقل نؤيد الوحدة مع سوريا، فريد كان (أنا)، وسيد كان الدكتور (عبدالعظيم أنيس) وقد كان لي معركة طويلة مع الفصيل الشيوعي الذي كان ضد الوحدة، وكانوا يحاكون موقف الحزب الشيوعي في العراق والذي كان ضد الوحدة وفي البيان الذي أصدرناه نؤيد الوحدة قلنا ان هناك اختلافات بين مصر وسوريا، الزراعة في مصر نيلية، وفي سوريا موسمية وتعتمد على الأمطار، في مصر بنية صناعية ضخمة ومختلفة، وفي سوريا بنية اقتصادية ضعيفة ومختلفة - التأميم في مصر لا يصلح في سوريا، ثم لا تبعث قيادة هناك الوحدة يجب ان تكون فيدرالية دمجية. ولما أصدرنا هذا البيان اعتبرونا خونة، وحين وقع الانفصال عملنا مظاهرة في السجن، وبعثنا رسالة لعبد الناصر، وقلنا نرجو ان تكون هذه الهزيمة الأولى، ولا تجعلنا نفقد الثقة بالوحدة وأذكر اني تكلمت في حوش المعتقل، واسماعيل صبري عبدالله في هذا المعنى. وقد قال عبدالناصر في خطابه ما معناه ان علينا ان نراعي ظروف كل بلد وهذا درس لنا. ميشيل عفلق استعلائي على الغرب ـ قرأت عبارة وردت على لسانك في كتاب العبارة تقول ان الفكر القومي اعاق حركة القومية العربية - وضح هذه العبارة! - لا يمكن أن أقول ذلك! ـ أظن أنك كنت تقصد الفكر المثالي الرومانتيكي الذي أدى للانفصال؟! ربما بالمعنى المثالي غير العلمي ممكن. بالعكس الوحدة قومية، ولابد أن يكون الفكر قوميا ولي دراسة عن الأفكار المختلفة: الفكر القومي والليبرالي، والانتقائي والعلمي الماركسي وغير الماركسي. الفكر القومي احيانا يختلف عن الفكر الاسلامي وكثيرا من الكتابات الاسلامية ذات منبع قومي. وقد كان (ميشيل عفلق) يرفع شعار أمة واحدة ذات رسالة خالدة. هذا الشعار يحمل رؤية قومية استعلائية رومانتيكية! وعفلق عنده رؤية استعلائية عن الغرب، مع أن الفكر القومي عنده مصدره الفكر الألماني التوحيدي (بتاع وحدة ألمانيا)، وفي ألمانيا مقومات الفكرة المثالية كانت قائمة، مثل فكرة الدمج الكامل لعبد الناصر لكن عبدالناصر لم يكن مثاليا، كان واقعيا ويريد السيطرة، وكان خائفا من البعثيين هم يريدون أن (يأكلوه). وكانوا يقولون ان القومية في سوريا حركة بلا قيادة، وفي مصر قيادة بلا حركة قومية، ولما جاء عبدالناصر على رأس القومية، كانوا مسيطرين، وتلك هي لعبتهم، لعبة ذات طابع ذاتي، أكثر منها لعبة ذات موقف موضوعي يدرس الأمور مثل الموقف من العراق. كان العراقيون ضد فكرة أن يكونوا الاقليم الشرقي ونحن تحولنا الى الاقليم الجنوبي، وسوريا الاقليم الشمالي. حتى ان شعار المظاهرات في العراق (جمهورية لا أقليم)، والدرس التاريخي يقول لنا ان القومية مستمرة ولكن استمرارها ونموها مشروط بمراعاة الخصوصية، أنا ضد فكرة (الاقليم) ومع فكرة الأمة العربية والأوطان العربية لان من احترام خصوصية الأوطان واتمسك بالمشترك العربي التاريخي والديني واللغوي والمعركة ضد الصهيونية ومعركة التنمية والاستقلال من التبعية، والفكر الثقافي المشترك. تماما مثل فكرة العولمة، لا عولمة، صحية، من دون احترام الهويات وتأكيد الخصوصيات، فيه مشترك عالمي (العقل) اشرف شيء كما يقول (ديكارت) انه أكثر الاشياء عدالة في العالم: اليوم فيه عقل عملي وعقل أواني واستغلالي وعقل كلي وعقلي جزئي وعقل جدلي وعقل عملي وعقل نظري. أني أحلم أو قل ليس حلما وانما (يوتوبيا) بكتلة عربية متحضرة في هذا العالم في مواجهة التكتلات الحالية هذه التكتلات من شأنها ان تكسر الهيمنة الأميركية وتقوض حماقتها الشديدة وهناك مظاهرة الوحدة الأوروبية و(اليورو) والوحدة الألمانية رغم تنوع قومياتها والشرق البعيد يتوحد، وفي رأيي اننا قوة حضارية قابلة لأن تكون كتلة حضارية. الشيوعيون اساءوا الظن بالثورة ـ مازال الجدل التاريخي قائما حول اصطدام القوى التقدمية واليسار المصري بثورة 23 يوليو عبدالناصر، فماهي حقيقة هذا الصدام، وهل اخطأ عبدالناصر أم اخطأ اليسار؟! ـ أنا أزعم ان الحركات التقدمية لم تحسن التعامل مع عبدالناصر في بداية الثورة أو قل انها اساءت الظن بالثورة ولهذا كان لها موقفها المناوئ للثورة في البداية وسوء الظن بالثورة لم ينطلق من فراغ، ولكنه نهض على حسابات خاطئة. مثلا، اتفاقية الجلاء مع الانجليز كانت تخول للقوات البريطانية العودة الى مصر في حالة ما اذا هاجم الاتحاد السوفييتي تركيا، وقبل اتفاقية الجلاء كان ذهاب اللواء محمد نجيب القائد (الرسمي) وليس الفعلي للثورة الى قصر رأس التين يوم 26 يوليو 52 لوداع الملك فاروق ومراسم الوداع العسكرية للباخرة المحروسية التي اقلت الملك الفاسد وكان مشهدا غير مقبول صحيح ان عبدالناصر كان بعيدا ولم يشارك في هذا المشهد، وكان ضد مراسم الوداع، الا ان هذا المشهد لاقى توجسا من قوى اليسار، ثم كانت هناك حادثة كفر الدوار واعدام خميس والبكري، وقد كان حادثا مدبرا ولا علاقة لعبدالناصر به الا انه كان سببا لتوجس وسوء الظن الذي احاط بالثورة، وهناك علاقة الثورة بأمريكا في البداية، وقد تصورنا ان عبدالناصر على علاقة طيبة بالأمريكان وانه سوف يستبدل الاستعمار البريطاني بالأمريكان.. وهو تصور خاطئ. ـ علاقة الثورة بالأمريكان في البداية كان لها مبرراتها الموضوعية والسياسية، وهي اللعب على التناقض، فأمريكا كانت القوة العالمية الجديدة بعد نهاية الحرب، وبريطانيا كانت تسعى للتشبث بامبراطوريتها الزائلة بعد ان غربت عنها الشمس، واللعب على هذا التناقض كان ضرورة سياسية لحماية الثورة؟! ـ هذا صحيح، وأنا لي مقالة واضحة جدا في هذا المعنى قلت فيها أن سبب الاتجاه السلطوي لعبدالناصر نحن المسئولون عن أكثر من عبالناصر كان في تلك اللحظات يتفاوض مع الانجليز ويعمل اتفاقية. الجلاء وفي نفس الوقت (يماين) الأميركان حتى يخلص من الانجليز، كانت علاقة تكتيكية وليس استراتيجية مع الأمريكان، ولكننا تصورنا ان هذه اللحظة، هي السياسات الجديدة والعهد الجديد كله. ولقد وقفنا في المكان الخطأ من الثورة فبدلا من ان نساندها ونظاهرها، رفعنا شعار عودة الجيش لثكناته، ثم وقعت أحداث كفر الدوار أو محنة كفر الدوار، فاعتبرنا الثورة قوة معادية وفي ذلك الوقت كل العالم الاشتراكي اعتبرها قوة أمريكية في المنطقة، باستثناء (حزب الطليعة) وقد كان عندنا نظرية جادة في الفكر الماركسي ان الذي يستولى على السلطة، اذا كان جزءا من السلطة القديمة، اذن لن يكون هناك تغيير جذري. أو بمعنى آخر، اذا قامت ثورة ولم تحطم جهاز السلطة، ومارست سلطة مختلفة بجهاز السلطة القديم، فإن جهاز السلطة القديم يستولى على الثورة الحركة الوحيدة داخل قوى اليسار تحديدا هي حركة (حدتو) التي كانت مشاركة مع الجيش في قيام الثورة وارتباط الضباط الاحرار بها. وقد كانت هذه الحركة مدركة لحقيقة توجهات الثورة الوطنية والقومية. ورغم ذلك، طغى جزء منها على الباقين، ووقفت الحركة الماركسية كلها ضد الثورة فكيف قاومهم عبدالناصر. قاومهم كما قاوم الاخوان المسلمين والوفديين واليساريين بجهاز الدولة. ثم بدأ يتحرك الى باندونج لتأسيس كتلة عدم الانحياز، وتوجه الى شراء اسلحة من الشرق وأقام السد العالي، وقبل ذلك أمم قناة السويس، وخاض معركة السويس. وشعر اليسار انه رجل وطني، وخاض معركته مع الصهيونية، وحين بدأنا نغير توجهاتنا لم يعد عبدالناصر بحاجة الينا. لانه بجهاز السلطة انتصر على كل هؤلاء الناس، وبجهاز السلطة نجح، فاستمر. وقد رأينا ان نتحالف معه، وعقدنا مؤتمرا لهذا الغرض، لاعلان موقفنا الجديد من الثورة وعبدالناصر، وحدث شئ يدلك على العقلية التي كانت سائدة آنذاك داخل التيار الماركسي. أقمنا المؤتمر، وانتهينا بالفعل لأن ثورة يوليو معادية للاستعمار واتفقنا ان نؤيدها، أو على الأقل ندعمها بروح نقدية. اتفقنا على هذا والمفروض ان نكتب البيان وبعض الناس كانوا مسافرين، وافترضنا ان يمر عليهم البيان كي يوقعوا عليه لكن أحدهم قرأ البيان، واضاف فقرة نسفت البيان تماما وهدمت موقفنا برمته من الثورة بل هدمت مااتفقنا عليه جميعا في المؤتمر اضافة عبارة بعد عبارات تأييد الثورة تقول: وهذا هو السبيل لاسقاط الديكتاتورية العسكرية! وأذكر خلال المحاكمات، قلنا اننا نؤيد الثورة واعلنا ذلك في مؤتمر عام، لكن عبارة (وهذا هو السبيل لاسقاط الديكتاتورية العسكرية) كانت دليل الادانة استند اليه القاضي. والواقع ان موقفنا هذا من الثورة، سببه اننا لم نر الموقف الا بشكل سطحي، وساعدنا عبدالناصر ان يتحرك بجهاز الدولة وحده، وهو ما أدى لتعاظم البيروقراطية. الشيوعيون هم صناع الاتجاه السلطوي في الثورة ـ اذن عبدالناصر كان مضطرا لحماية الثورة ولم يكن أمامه من سبيل اخر بعد ان اسأتم الظن به وبالثورة؟ ـ لقد اعترفت بذلك باننا السبب في الاتجاه السلطوي - فنحن الذين صنعنا هذا الاتجاه، كان بداخلنا انقسامات. سأقول لك شيئا، حينما ضرب عبد الناصر البرجوازية المتوسطة عام 61، هللنا في المعتقل ودعمنا قرارات التأميم، وأرسلنا برقيات تأييد، وأنا بعثت برسالة لأنور السادات ورغم ذلك، كان بداخلنا ماركسيون يقولون بأن البرجوازية المتوسطة حليفة لليسار.. وضربه للبرجوازية المتوسطة، هو ضربه لليسار، إذن فهو عميل للإستعمار ! ماركسيون قالوا هذا. ومعتقل الواحات كان مليئا بالشتات من كل حدب وصوب! ـ لماذا قررتم حل الحزب الشيوعي ؟ ـ في البلاد النامية التي ليس بها بلورة طبيعية كافية ممكن أن يتم نوع من التحالف بين الماركسيين وكافة القوى الوطنية هذا لم يحدث في الاتحاد السوفييتي فلماذا لا يحدث عندنا.. لقد حدث بنجاح في تنزانيا وغانا محاولات ناجحة يعمل حزب ديمقراطي في داخله كافة القوى الوطنية. الصين فعلت ذلك كوبا أيضا فعلت ذلك، كاسترو لم يكن شيوعيا لكنه أندمج مع الحزب الشيوعي وعملوا وحده وتحالفوا كل هذه التجارب درسناها داخل المعتقل في مؤتمرات الحزب الداخلية، وانتهينا إلى أن نظام عبد الناصر نظام اشتراكي غير علمي أي غير ماركسي، ولكنه يتطور شيئا فشيئا نحو الاشتراكية العلمية بالتجربة والخبرة والصراع ضد الاستعمار، وبهذا يمكن أن نحل الحزب ولا ندخل في الاتحاد القومي وهو التنظيم الذي كان قائما آنذاك - وكلنا نكون في طليعة الاشتراكيين - وبدأ حوار بيننا وبين عبد الناصر من خلال وسطاء، وتم الإفراج عنا بمناسبة إفتتاح السد العالي! ـ بعض الماركسيين يقولون بأن عبد الناصر تلقى تعليمات من موسكو بالإفراج عنكم، وبعضهم يقول بأن الزعيم السوفييتي (نيكيتا خروتشوف) قال لعبد الناصر انه لن يحضر افتتاح السد العالي وتحويل مجرى النيل مالم يفرج عن الشيوعيين السجناء؟ ـ غير صحيح، وعيب جدا أن يقال مثل هذا الكلام كل ما هنالك، أن الحوار الذي تم بيننا وبين عبد الناصر في المعتقل، جاء في مناخ وظروف تحولات اجتماعية وسياسية وفكرية، هذا ما أدى للإفراج عنا. ـ من كان وسيطا بينكم وبين عبد الناصر وأنتم في المعتقل ؟ ـ أحمد حمروش، وفي نفس الوقت كان هناك حوار بيني وبين أنور السادات وبعد خروجنا من المعتقل، بدأوا يلتقطون أفرادا من الماركسيين لاشتراكهم في التنظيمات السياسية، عبد الناصر اختارني ( للطليعة) ، ثم طلب أن أكون في الأمانة العامة، بعد ذلك أتصل بي أحمد بهاء الدين لكي أتسلم مجلة (المصور)، ثم أتصل بي ( ثروت عكاشة) كي أتولى هيئة الكتاب، ومن هيئة الكتاب أتصل بي عبد الناصر وقال لي لازم تروح تمسك ( أخبار اليوم) .. هيكل مش قادر يمسك أخبار اليوم مع ( الأهرام) واختفلت مع السوفييت، وأنا في أخبار اليوم، وفوجئت بأنور السادات يزورني ويطلب مني ترك أخبار اليوم ويقول لي بسبب الخلاف بينك وبين إدارة (أخبار اليوم)! والواقع أني كنت أجهز لقضية فساد كبرى داخل أخبار اليوم، الفساد في هذه المؤسسة كان للركب. وكنت قد حولت الطابق الثاني من المؤسسة وهو الطابق الخاص ( بعلي ومصطفى أمين) إلى قاعة محاضرات وندوات وجاء الفرقة القومية للفنون الشعبية التي أنشأتها وقدمت عرضا في هذه القاعة وجاء ( الشيخ إمام) لأول مرة وغنى في هذه القاعة وقمت بتعيين شباب الصحفيين الذين كانوا يعملون (بالديسك) ومنهم (فيليب جلاب، وعادل حسين، وأعدت إلى المؤسسة عددا من الصحفيين الذين كان (هيكل) قد فصلهم، وكان (كامل زهيري) نازل إنتخابات نقيب الصحفيين. فجاءني أنور السادات.. وطلب منى ترك المؤسسة. الذين يهاجمون عبدالناصر هم صناع كل السلبيات ـ ما قولك فيمن يقولون بأن فترة حكم عبد الناصر كانت معتقلات وقصف للحريات وديكتاتورية، ولا ديمقراطية ؟! أسألك لأنك اعتقلت في العهد الناصري، وشهادتك على العصر لن تكون مجروحة فهناك من يوجهون الطعنات لعبد الناصر باسم التباكي على الحريات والديمقراطية؟! ـ هذه الطعنات لا تستهدف في الحقيقة عبد الناصر الإنسان أو القائد بقدر ما تستهدف ثورة مصر والثورة العربية عامة والمؤسف أن أكثر الذين يشهرون أسلحتهم الزائفة في وجه التجربة الناصرية كانوا أكثر تمهيدا لسلبياتها خاصة واستفادة منها عامة. بل كانوا من أدوات التخلف في قلب التجربة الناصرية. ويمضى العالم قائلا : هذا الموقف أعلنته مرارا وهو مسجل في كتب ومقالات: أن التباكي على الحرية والديمقراطية هي لعبة قديمة تجيدها الرجعية والإمبرالية، ألا تسمي الإمبرالية نفسها اليوم بالعالم الحر ومعسكر الديمقراطية تحارب كل قوى التحرر والتقدم في العالم إنهم باسم الدين يضربون الدين، يحاربون تحت زعم محاربة الإرهاب. وهم أصل الإرهاب.. يمارسون إرهاب الدولة ويرهبون شعوبا فقيرة، بترسانه أسلحة لا يقدر على مواجهتها أحد. أنه من الخطأ والخديعة أن يقال أن تجربة عبد الناصر لم تكن إلا تجربة سجون ومعتقلات وأيضا من الخطأ القول بأن هذه التجربة كانت النموذج الفذ للتحرر والتقدم والوحدة . فكلا الرأيين على تناقضهما ينتهيان إلى نتيجة واحدة وهي طمس الوعي الصحيح. ان تقييم تجربة عبد الناصر ينبغي أن يكون وعيا صحيحا لا بماضي عزيز من تاريخنا النضالي، فحسب وإنما وعيا بالواجبات النضالية الملحة إزاء حاضرنا ومستقبلنا. الحقيقة التي لا تنكر لثورة عبد الناصر منذ بدايتها وحتى وفاته عام 1970 أنها كانت ثورة من أجل الاستقلال الوطني والتنمية الاقتصادية والاجتماعية وإستقلال وتحديث وكانت ثورة وطنية معادية للإستعمار والإمبريالية ومعادية للتخلف الإقطاعي والاحتكار الرأسمالي. لقد تحقق الاستقلال السياسي والاقتصادي والعسكري لأول مرة في تاريخ مصر الحديث في ظل ثورة يوليو. وتحررت مصر من الإحتلال البريطاني، وتحررت السلطة من إذناب الاستعمار وهم كبار ملاك الأراضي، وكبار الرأسماليين فضلا عن السراي. وتمت هذه الإجراءات، خلال معارك ضارية ضد الإمبرالية والصهيونية العالمية والرجعية العربية والمحلية. أرفض لقاء عرفات بالارهابي شارون ـ ما هو موقفكم من الأحداث الجارية على الساحة الفلسطينية؟ ـ أنني أشعر بضيق و«قرف» شديد لو أن السفاح شارون جلس مع عرفات، مفروض ألا أدعوه ليجلس مع عرفات بل لا أقبله.. مطلوب أن يكون خطابي لا وقف للانتفاضة إلا بإعتراف كامل بحق قيام الدولة الفلسطينية وتطبيق قرارات الأمم المتحدة، وحق عودة اللاجئين وإزالة المستعمرات في الأراضي المحتلة، وحق الفلسطينيين في الحصول على تعويضات. أنا مع المشروعية الدولية، ومع المشروع السعودي، فبهذه الدعوة نكون قد حددنا الجانب المبدئي. وأنا ضد وقف الانتفاضة كشرط لبدء مفاوضات السلام.. الفيتناميون والأمريكيون كانوا يتحاربون بينما المفاوضات جارية بينهما في باريس. ـ هب أننا الآن في عام 2050 وأفرض السلام القائم على العدل قد تحقق، وعادت الأراضي العربية، المحتلة، وقامت دولة فلسطينية وعاصمتها القدس وأزيلت المستعمرات وعاد اللاجئون .. أفرض كل هذا هل يمكن أن تذوب دولة الكيان الصهيوني وسط الدول العربية وتنمو علاقات صحية مع هذا الكيان العنصري ؟ ـ هذا يتوقف علينا نحن، ماذا سوف نفعل، هل تنمو الوحدة العربية، هل نقوم بمخطط تنموية حقيقية، وهل تنمو الدول العربية كتلة قوية وموحدة، في هذه الحالة تسحب الرؤية الصهيونية الحمقاء لو استمرت هذه الرؤية بهذا الشكل الأحمق. والتاريخ يخبرنا بحالات انتحارهم للجماعات اليهودية التي قادتها الحماقة إلى الانتحار حماقة الحاخامات وأبنائهم الجدد، إنهم يعتبرون شارون نبيا، حدث ذلك في أسبانيا وفي الإتحاد السوفييتي وألمانيا، وكان إنتماؤهم هو النتيجة الحتمية لمحاولتهم تحقيق هذا الحلم الخرافي ! ـ وحلم النيل للفرات ؟ ـ حلم اليهود الرأسمالي أن ( كارل ماركس) له كتاب مضطهد جدا، بعنوان (في المسألة اليهودية)، الكتاب ظهر قبل ظهور الصهيونية، وكان يؤرخ لظهور الحركة اليهودية. فالبرجوازية نشأت نشأة عطبة خروجا من الإقطاع وإرتبطت بها البروتستانتية، الجانب العقلاني في المسيحية، وسرعان ما برز (المرابون) في العصر الإقطاعي، بدأوا يتكلمون في النظام الجديد وركبوا النظام الرأسمالي. واليهودية هنا معناها اليهودية المالية الرأسمالية، أكسبت الرأسمالية البروتستانيه وتمت في مرحلة تحولها من يهودية وثيقة الصلة بالنظام الرأسمالي العالمي، إلى صهيونية، وهي الصهيونية التي أحس بها ( لينين) وله (كلام فظيع) في هذا الصدد: لا شئ اسمه قومية يهودية أو سلطة يهودية، فقد طلب اليهود أن يؤسسوا حزبا عماليا داخل الحزب الشيوعي السوفييتي، فرفض لينين قائلا: ان اليهودية ليست قومية وليست اتجاها علمانيا أو أيديولوجيا ولكنها إتجاه رجعي عنصري! لكن مع تطور النظام الرأسمالي ومع البرجوازية الرأسمالية الكبيرة المتخلفة، وجدت الصهيونية تربة صالحة للنمو والتضخم والسيطرة حتى باتت الدولة اليهودية تلعب دورا مهما للرأسمالية العالمية. وهذه الدولة ليست لديها مقومات النمو الطبيعي كدولة، ولكن بها كل مقومات الانهيار. فهي دولة ليست لها ثقافة ولا تراث، ثقافتهم أوروبية، وأنا دائما ما أقول أننا لم نعرف تراثنا القديم بعد لدينا أعظم تراث. تراثنا الإسلامي في تركيا واليمن وإنجلترا من مخطوطات قديمة.. لم يكشف النقاب عنه بعد. ففي الأربعينيات فقط من القرن الماضي اكتشفنا كتابا للقاضي عبد الجبار، أضيئت به رؤيتنا للمعتزلة لأول مرة منذ عشرات المئات من السنين فما بالك وآلاف الكتب والمخطوطات التي لم نكتشفها بعد. ثم أننا لم نحقق الكتب القديمة.. بينما اليهود حققوا كل كتبهم القديمة على قلتها. نحن بحاجة لمشروع ثقافي للنهضة وحينما عينت رئيسا لهيئة الكتاب في الستينيات تصورت ما هي الكتب التي يجب أن تكون في مكتبتي ؟ وماذا أترجم من الكتب الأجنبية ؟! قلت نبدأ في عمل مشروع تدوين كما حدث في القرن الثاني، لكنني لم أستمر في هيئة الكتاب طويلا. ويمضى محمود أمين العالم قائلا : اليابان أرسلت آلاف المترجمين إلى الخارج فترجموا عشرات الآلاف من الكتاب ونقلوا التراث الحضاري في الشرق والغرب والإتحاد السوفييتي فعل نفس الشئ ونحن بحاجة إلى حركة تدوين وإعادة صنع وتحقيق التراث العربي والإسلامي القديم.. بحاجة إلى حركة ترجمة كبرى وشاملة إلى مشروع ضخم. أنت بحاجة إلى جانب هذا لاقامته حركة صناعية ضخمة، وديمقراطية، وتفتح ثقافي.. أنت عندك رموز في الثقافة والفن والفكر.. بهذا تتضاءل الحركة الصهيونية وتتراجع وتذوب.لكن الجريمة التي تتم أن يتم الصلح مع إسرائيل دون وحدة عربية، وبهذا تنفرد إسرائيل بكل بلد عربي على حده، وهي قادرة على ذلك، ليس بذاتها وإنما بالرأسمالية العالمية. هناك مخاطر كبرى من تفكيك الوحدة العربية، وعدم قدرة الأمة العربية على تجاوز إنقسامها وغرقها وتخلفها ولا سبيل لتجاوز الإنقسام إلا بالوحدة ولا سبيل لتجاوز التخلف إلا بالتنمية الشاملة.