بعد أن ظهرت معارضة واضحة لتوجهات السياسة الخارجية الاميركية من جانب الدول الأوروبية، التي تمثل الحليف الاستراتيجي الأول للولايات المتحدة، جاءت جولة بوش الأوروبية الأخيرة مستهدفة تحقيق عدة أهداف أهمها ما يلي: أولا: القيام بحملة علاقات عامة من جانب الادارة الاميركية لتهدئة المخاوف الأوروبية من انفراد الولايات المتحدة باتخاذ القرارات الاستراتيجية المؤثرة على التفاعلات الدولية، دون أخذ المصالح الأوروبية في الاعتبار، الأمر الذي يؤثر على هذه المصالح في شتى أنحاء العالم، بالاضافة الى محاولة احتواء المعارضة الأوروبية الرسمية والشعبية للرؤية الاميركية للحرب ضد الارهاب. والواقع أن تحليل الخطاب السياسي للرئيس الاميركي في العواصم الأوروبية التي زارها يؤكد هذا، ففي خطابه أمام البوندستاج الألماني لم يستخدم اصطلاح محور الشر الذي وصف به الدول المارقة المعادية لواشنطن في خطابه عن حالة الاتحاد الاميركي، وهو التعبير الذي أثار الرأي العام الأوروبي ولقي معارضة شديدة في الأوساط الرسمية الأوروبية، ولكنه اقتبس من القديس أوغسطين في كتابه الشهير مدينة الله، تحليله للصراع بين الخير والشر، والذي لابد وأن ينتهي بانتصار الخير الذي يمثل ارادة الله، وفي رد فعل ايجابي تجاه المظاهرات الشعبية الأوروبية المعادية للعولمة، ولانفراد الولايات المتحدة بادارة شئون العالم تحدث بوش عن ضرورة القضاء على الفقر كأداة رئيسية لمكافحة الارهاب، كذلك لم يتحدث بوش عن اسقاط الرئيس العراقي صدام حسين بالقوة العسكرية، وهو الأمر الذي تعارضه الدول الأوروبية، وقد أكد في باريس بعد ذلك من خلال المؤتمر الصحفي الذي عقده مع الرئيس الفرنسي جاك شيراك بعد مباحثاتهما على أنه لا توجد خطة لضرب العراق، كما تحدث في باريس عن الروابط الثقافية والفكرية التي تجمع بين فرنسا والولايات المتحدة، مؤكدا على قوة التحالف الاميركي الفرنسي في مجال مكافحة الارهاب ويبدو أن الرئيس بوش قد حقق قدرا من النجاح في حملة العلاقات العامة التي قام بها، فقد علق بيتر شتروك زعيم الكتلة البرلمانية للحزب الاشتراكي الديمقراطي الحاكم على الخطاب بقوله ان بوش قد ظهر بأفضل مما كنا نعرف عنه، وأضاف بأن رأيه في الرئيس الاميركي قد تغير بعد خطابه الأخير في البوندستاج، كما لاحظ المحللون أن أجواء الود البالغ والمرح كانت هي السائدة في لقاء الرئيسين بوش وشيراك في باريس. ثانيا: الهدف الثاني من هذه الجولة تمحور حول ايجاد حلول لبعض القضايا محل الخلاف بين الولايات المتحدة والدول الأوروبية، مثل قضايا البيئة والمناخ، ونزع الصواريخ المضادة للصواريخ، والنزعة العسكرية للسياسة الاميركية، اضافة الى قضية المحكمة الجنائية الدولية، والموقف من قضية السلام في الشرق الأوسط، وتوضح تصريحات بوش والمسئولين الأوروبيين أن الولايات المتحدة لم تقدم أي تنازلات بصدد هذه القضايا الخلافية، وقد لاحظ المحللون أن الرئيس بوش تجاهل القضايا محل الخلاف وتحدث عن القيم المشتركة بوصفها محل الاتفاق. ومن ثم فقد استمع الرئيس بوش خلال جولته الأوروبية للآراء الأوروبية بصدد هذه القضايا دون أن يتم بلورة أي مواقف أميركية جديدة بصددها. ثالثا: الهدف الثالث الذي سعى اليه بوش خلال جولته الأوروبية هو محاولة صياغة استراتيجية جديدة للتحالفات الدولية بين القوى الكبرى في العالم بما يتلاءم والرؤية الاميركية للعالم بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر، وهو ما تبلور في توقيع الرئيس بوش والرئيس بوتين على معاهدة لخفض ترسانتيهما النوويتين تدشينا لبدء عهد جديد من العلاقات بين الخصمين السابقين على أساس المصالح المشتركة والثقة المتبادلة، ثم مشاركته وعدد من القادة الأوروبيين في حفل توقيع اعلان روما بين روسيا وحلف شمال الأطلنطي والذي يتضمن اتفاقا تاريخيا للمشاركة الاستراتيجية وادارة الأزمات بين الجانبين. والواقع أن الرئيس بوش قد حقق نجاحا واضحا في هذا المجال ومن ثم فإن الجوانب التي تستحق المزيد من التحليل هي الجانب المتعلق بمعاهدة خفض الأسلحة النووية الاميركية الروسية الجديدة واعلان روما أي المحطة الروسية في جولة الرئيس بوش تحديدا وذلك على النحو التالي: 1- أثمرت هذه الزيارة عن توقيع معاهدة خفض الأسلحة النووية الروسية الاميركية، بمقدار الثلثين بحلول عام 2012 ليتراوح حجمها بين 1700 و2200 رأس نووي مقابل 6 آلاف رأس في الوقت الحالي، وتنص المعاهدة على الابقاء على الرؤوس النووية في المخازن دون تدميرها كما كانت تطالب موسكو بذلك، وهذه أول اتفاقية لنزع السلاح بين البلدين منذ يناير 1992 وقد علق الرئيس بوش على توقيع هذه المعاهدة بقوله ان توقيع هذه المعاهدة يضع نهاية لما تبقى من الحرب الباردة، موضحا أن العلاقة الاستراتيجية الجديدة بين البلدين تعزز اجراءات الأمن والتعاون السياسي والاقتصادي بين روسيا والولايات المتحدة، من أجل مواجهة التحديات الاقليمية والدولية، في حين قال الرئيس الروسي بوتين، ان توقيع هذه المعاهدة سيمنع انتشار الأسلحة النووية في العالم الأمر الذي من شأنه تعزيز الأمن الاستراتيجي في العالم، مؤكدا أن العلاقات بين البلدين تتعزز باستمرار، خاصة في مجال التعاون ضد الارهاب. 2- وقع الرئيسان اعلان موسكو للشراكة الاستراتيجية الجديدة، الذي وصفه الرئيس بوتين بأنه شراكة من نوعية جديدة تماما، كما وقع الرئيسان اعلانا آخر حول التعاون في مجال مكافحة الارهاب، وهو اعلان يضمن دعوة الدول المشاركة في التحالف ضد الارهاب لمتابعة الخطوات الرامية الى منع تقديم المأوى للارهابيين، وتدمير شبكاتهم المالية والتنظيمية والاعلامية وتقديمهم للعدالة. 3- من أهم ما نتج عن هذه الزيارة خاصة فيما يتعلق بآثاره المتوقعة على المنطقة العربية هو توقيع اعلان باسم حوار جديد، يقوم على أساس تنويع مصادر تزويد الولايات المتحدة بالنفط، وزيادة الاستثمارات الاميركية في روسيا، وتريد واشنطن من خلال هذا الحوار توظيف النفط الروسي في تقليل اعتمادها على نفط الأوبك، والحد من تقلب الأسعار، وبعبارة أخرى تريد واشنطن أن تحل روسيا ثاني أكبر منتج للنفط في العالم بعد السعودية محل الدول العربية المنتجة للنفط في القيام بدور الموازن للسوق النفطية، وهو ما سوف تكون له آثار خطيرة على المنطقة العربية في المستقبل. 4- لم تقتصر نتائج زيارة بوش لموسكو على النتائج السابقة بل امتدت الى روما حيث تم توقيع اتفاق المشاركة الاستراتيجية وادارة الأزمات بين موسكو والدول الأعضاء في حلف شمال الأطلنطي، والذي أطلق عليه اعلان روما وينص هذا الاعلان على تقليص دور الحلف كمؤسسة عسكرية مقابل تعزيز دوره كمنظمة أمن جماعية، ومنح روسيا دور الشريك المتكافئ في مجلس مشترك يضم موسكو الى جانب دول الحلف، وقد أكد الرئيس بوش في كلمته أمام القمة أن اعلان روما هو تحالف داخل التحالف، وأنه تدعيم لأمن العالم من أجل أن يكون القرن الحالي قرنا للسلام والاستقرار والديمقراطية وقد وصف رئيس الوزراء الايطالي اعلان روما بأنه حدث تاريخي، وزواج أبدي بين الغرب وروسيا يرسخ أقصى ضمانات الأمن الأوروبي ويسمح بتكامل روسيا مع الغرب. وبالرغم من هذا النجاح الذي حققته جولة بوش خاصة في موسكو فإن هناك بعض القضايا الخلافية التي مازالت عالقة خاصة فيما يتعلق بايران والعراق، والجولة الثانية من الحرب ضد الارهاب، اضافة الى توسيع الناتو شرقا. ويرى بعض المحللين أن الموقف تجاه بعض هذه القضايا يمكن أن يتغير في المرحلة القادمة باتجاه أقرب الى واشنطن وذلك نظرا للوعود الاميركية الكبيرة بتقديم المزيد من المساعدات الاقتصادية الى روسيا التي تواجه موقفا اقتصاديا صعبا، كما أشارت بعض التحليلات الى أن هذه الوعود الاميركية ربما تكون قد اشتملت على اعطاء الأولوية للشركات الروسية لاعادة إعمار العراق بعد انتهاء نظام الرئيس صدام حسين، كذلك بدأت بعض بوادر اعادة النظر في برنامج التعاون العسكري الروسي الايراني تظهر من خلال تصريحات أخيرة لبعض كبار المسئولين الروس. ومن ثم يمكن القول بأن الجولة الأوروبية للرئيس الاميركي بوش قد حققت أهم أهدافها الاستراتيجية، خاصة فيما يتعلق باعادة بناء التحالفات الاستراتيجية بين القوى الكبرى في العالم، وكذلك احتواء الانتقادات الأوروبية الى السياسة الخارجية الاميركية، وذلك من خلال الاعلاء من أوجه الاتفاق والتقليل من أهمية جوانب الاختلاف، وبالرغم من وجود بعض القضايا الخلافية المؤجلة على الأجندة الاميركية الأوروبية، والأجند الاميركية الروسية، إلا أن هذه القضايا لا يمكن أن تمثل عقبة أمام تطور هذه العلاقات الاستراتيجية، التي توافرت لها قواعد قانونية، وأسس فكرية مشتركة، فالخطاب الاميركي هو الخطاب المسيطر في مفردات الخطاب الأوروبي والروسي على السواء، خاصة فيما يتعلق بقضية الارهاب، ويبقى أن نشير الى أن هذه التحولات الجديدة على صعيد العلاقة بين القوى الكبرى في العالم سوف يكون لها آثارها على المنطقة العربية في المستقبل القريب، الأمر الذي يتطلب من الدول العربية التوصل الى اتفاق حول استراتيجية ملائمة للتعامل مع هذه النتائج. بقلم: أ.د محمد سعد ابو عامود ـ استاذ العلوم السياسية ـ جامعة حلوان