صارت جولة بوش في عدد من البلدان الأوروبية بما فيها روسيا من أهم الأحداث السياسية العالمية لما لهذه الزيارة من المعاني الكثيرة وذلك لأن الرئيس الاميركي كان يستهدف من زيارته لكل عاصمة من العواصم الاوروبية مقاصد متباينة على الرغم من ان جولته حملت في طياتها هدفا استراتيجيا عاما، وهو تدعيم ومباركة من اوروبا للسياسة التي تتبعها الادارة الأميركية في العالم بعد 11 من سبتمبر الماضي وتنطلق هذه السياسة من بعض الاولويات وفي مقدمتها التضامن الدولي ضد الارهاب ومكافحة هذا الخطر الذي يهدد مصالح معظم اعضاء المجتمع العالمي رغم ان هذا الخطر يبدو وهمياً في معظم الاحيان. وقد بدأ بوش جولته في اوروبا الغربية وانتهى منها في نفس الاقليم ولذلك نلقي النظرة في غرب اولا حيث لم تطرأ اية تغيرات جذرية في العلاقات الأميركية الأوروبية في اعقاب الجولة باستثناء صدور بيان روما الخاص بالصيغة الجديدة للتعاون بين حلف الناتو وبين روسيا الأمر الذي سنتناوله لاحقاً. اما زيارة الرئيس الأميركي لكل من ألمانيا وفرنسا فقد اكدت كل من باريس وبرلين ان الأوروبيين ليسوا مستعدين بصورة مسبقة وغير مشروطة لدعم كل ما تخطط له أميركا في اطار حربها ضد الارهاب لا سيما وان باريس لها مواقف تقليدية مناقضة للسياسة الأميركية على صعيد القضايا الدولية. وتحاول فرنسا ان تظهر استقلاليتها عن دائرة الهيمنة الأميركية. هذا وتنطلق الادارة الأميركية في مخططاتها ومسلكيتها الدولية من ثقتها بأنها قادرة على تدبير كل الامور بمفردها وعلى استيعاب كل ما يجري في العالم بصورة افضل من غيرها الامر الذي يعود الى اعتماد أميركا على قوتها بينما تراهن فرنسا وغيرها من حلفائها في أوروبا على ادراك منطق التطورات ومتغيرات السياسة الدولية، ويبرز في الاتجاه الآخر التباين الأميركي الأوروبي ازاء قضايا عدة. فعلى سبيل المثال ترى الادارة الأميركية مؤخراً جميع قضايا العالم من منظور الحرب ضد الارهاب اما فرنسا فلا تهمل قضية الارهاب ولكنها ترجح اعادة الاهتمام بالقضايا الجذرية الاخرى التي قد تسبب الارهاب وتهيئ الاجواء له مثل الفقر والعملية السلمية في الشرق الأوسط التي تحتضر الامر الذي يتطلب الجمع بين القوة الأميركية وبين المنظور الأوروربي لأهم تحديات العصر التي لا تقتصر أبداً على الارهاب. ومما يلفت النظر ان فرنسا مثلاً تتابع بانتباه ما يجري في الشارع الأوروبي من مظاهرات واحتجاجات ضد السياسة الأميركية وتحاول ان تأخذه بعين الاعتبار عند صياغة نهجها الخارجي وذلك لأن مثل هذا الشعور العام يكشف نقاط الضعف في السياسة الأميركية المتمثلة في محاولة تبسيط المشاكل المعقدة والانفراد في معاملة قضايا العالم بالاعتماد على القوة والحلول السطحية فلا تستطيع باريس وغيرها من العواصم الأوروبية ألا تستجيب لنداءات الشارع كما لا تقبل محاولة واشنطن لتهميش كل حلفائها عند تحديد أولويات السياسة العالمية فعلى سبيل المثال سعى بوش من وراء جولته الاوروبية نحو نيل دعم اوروبا لسياسته تجاه ما تسميه أميركا بالدول المارقة مثل ايران وكوريا الشمالية بينما لا تعتبر اوروبا هذه القضية من أولويات السياسة العالمية. وبالعكس تتعاون الشركات الاوروربية مع نظيراتها الايرانية تعاونا وثيقا وتسبق الشركات الأميركية في هذا المجال. أما العراق فيكمن الموقف الأوروبي الاجمالي في رفض توجيه ضربة عسكرية لما لهذه الخطوة من آثار سلبية على منطقة الخليج والشرق الأوسط عموما. ويعكس كل ما تقدم نتائج زيارة بوش لأوروبا الغربية أما زيارته لروسيا فحملت في مضامينها بعض المعاني المشتركة مع مقاصد تعاون الادارة الأميركية مع أوروبا الغربية ومع ذلك تتميز زيارة موسكو ببعض الخصوصيات المهمة وفي طليعتها عقد الاتفاقية الخاصة بخفض الترسانتين النوويتين الروسية والأميركية ويرى بعض المراقبين ان روسيا قدمت تنازلات في موضوع التسلح النووي وفقدت دورها كدولة عظمى نهائياً بعد عقد الاتفاقية الاخيرة. وبطبيعة الحال فإن هذه القضية خلافية وتثير التساؤلات الكثيرة وتولد التقديرات المتباينة ولكن اخذا بعين الاعتبار كل هذا الآراء المختلفة يجب الا ننسى ان هذه الاتفاقية لا تقبل تحليلها من المنظور العسكري البحت بل تستلزم تقديرها من الزاوية الاستراتيجية السياسية انطلاقاً من ان الاتفاقية وثيقة سياسية قبل كونها صفقة عسكرية اذ تمثل نهاية الحرب الباردة بين أميركا وروسيا ورفع مستوى الثقة المتبادلة بينهما وقد يسود هذا البعد السياسي النفسي للاتفاقية غيره من الابعاد. لا شك ان روسيا تسعى من خلال الاتفاقية المذكورة نحو تحقيق مقاصدها السياسية والاقتصادية مثل الانضمام الى منظمة التجارة العالمية وتأمل ان تساعدها الادارة الأميركية على ذلك كما تحرص روسيا على رفع العقوبات التي تعترض سيرها في طريق السوق العالمية مثل تعديل (جاكسون ـ فانيل) الذي يفرض نوعاً من الحظر على تصدير السلع الروسية الى أميركا والتعاون في مجالات التقنيات العالية وإذا نجحت روسيا في تحقيق هذه الأهداف حصلت على فرص أكبر للخروج من المأزق الاقتصادي الذي لا يزال يرهق كاهلها ولكن هذا كله لا يعني ان روسيا جاهزة لتقديم التنازلات الكثيرة مقابل الحصول على هذه الفرص وذلك أن الاتفاقية النووية الأخيرة تعكس المصالح الأميركية بنفس المدى الذي تحققه المصالح الروسية. وتحليلاً لزيارة بوش لموسكو يجب ألا نتجاهل ابرام العديد من الصفقات والاتفاقيات الأخرى مثل بيان أسس التعاون الاستراتيجي واتفاقية التعاون الاقتصادي والاتفاقية الخاصة بالطاقة ويجب الاشارة على وجه الخصوص الى اعادة صياغة مهام اللجنة المشتركة لمتابعة اخطار الارهاب الدولي وتحميلها مسئولية متابعة الالتزام بمنع انتشار اسلحة الدمار الشامل الامر الذي يهم روسيا وأميركا معا اذ يقلق التعاون الروسي الايراني في مجال الطاقة النووية الادارة الأميركية، أما روسيا فتصر على ان هذا التعاون لا يتجاوز حدود الاستعمال السلمي للطاقة النووية ولا يهدد المصالح القومية لأية دولة أخرى وعلى هذا الاساس تهتم روسيا ان تتأكد أميركا من حسن نواياها. وعلى ضوء ما تقدم يمكن الاستنتاج بأن التعاون الروسي الأميركي يمكن ان يكون على شاكلة التعاون الأميركي مع أوروبا الى حد ما مع وجود بعض الخصوصيات التي تميز التقارب الأميركي الروسي الأمر الذي يتجسد قبل أي شيء آخر في قضية مكافحة الارهاب فيبدو ان روسيا الآن اكثر دول العالم تأييدا لواشنطن في حربها ضد الارهاب مما يعود غالبا الى الظروف الداخلية الروسية ولكن هذه الظروف قد تتغير لكونها مرحلية متعلقة بالمشاكل التي تواجه روسيا حاليا وتعود الى بقاء قضية الشيشان دون حل حتى الآن. أما بعد معالجة هذه القضايا فقد تزول العوامل والدواعي الرئيسية التي تجعل روسيا الآن تقدم الدعم غير المحدود وغير المشروط لواشنطن في حربها ضد الارهاب. ويمكن القول بناء على ما تقدم ان روسيا تحتل حاليا مكانا مزدوجا بين أميركا وبين أوروبا فمن ناحية تؤيد موسكو كل ما تقوم به الادارة الأميركية لمكافحة الارهاب الدولي ومن الناحية الاخرى تميل روسيا الى التضامن مع أوروبا الغربية لمواجهة تحديات العصر الاخرى وقد تكون الصيغة الجديدة للتعاون بين حلف الناتو وبين روسيا اداة التوفيق بين هذين البعدين لسياسة روسيا الخارجية. وخلاصة القول ان الاوضاع لم تتغير تغيرا جذرياً بعد جولة بوش ولم تمثل زيارته منعطفاً في مجرى تطورات العالم ولكن بعض المؤشرات قد ظهرت وتدل على احتمال حدوث بعض التغيرات مستقبلاً. بقلم: د. ليونيد سيوكيانين ـ كاتب ومحلل سياسي روسي