تؤكد مجمل السياسات والتحركات الاميركية الداخلية منها والخارجية ان ادارة الرئيس جورج بوش الابن عاقدة العزم على مواصلة شن هجومها الاستراتيجي الذي بدأته بعيد احداث الحادي عشر من سبتمبر الماضي وعلى مواصلة تطوير هذا الهجوم وتعزيز محاوره ومرتكزاته وتأمين كل مستلزمات الامبراطورية الاولى والوحيدة بدون شريك او مشارك باية نسبة لعقود عدة قادمة. ولعل ابرز قراراتها على الصعيد الداخلي في الآونة الاخيرة هو اعلان وزير العدل الاميركي عن تحويل الجهاز الامني الاميركي المعروف باسم (اف بي اي) من مكتب لمكافحة الجريمة بمختلف انواعها الى جهاز لمكافحة الارهاب وحماية اميركا من اخطاره. والاهم طبعا هو تلك التحركات الخارجية والامنية والسياسية التي يقودها الرئيس بوش بنفسه احيانا الى جانب نائبه ديك تشيني ووزير دفاعه دونالد رامسفيلد وقد توج تلك التحركات بزيارة هامة قام بها لموسكو حيث تركزت محاثاته مع نظيره الروسي على آفاق التعاون المشترك في محاربة الارهاب العالمي بما في ذلك ما يوصف بـ «ارهاب الشيشان» في روسيا ذاتها ومن ثم توج تلك التحركات والمحادثات في روما حيث عقد قادة دول حلف الاطلسي وروسيا قمة تم خلالها التوقيع على ما وصف باعلان روما والذي تم بموجبه منح روسيا دورا اكبر من السابق في اطار التعاون الامني مع حلف الاطلسي بزعامة الولايات المتحدة خصيصا لجهة الحرب ضد الارهاب وقد لخص رئيس الحكومة الايطالية بيرلوسكوني الهدف من هذا الاعلان بقوله انه «ابلاغ الارهابيين ومن يؤويهم بان عليهم الاستسلام» وبدا واضحا من خلال هذا الاعلان واستهدافاته ان الرئيس بوش قد حقق تقدما وانجازا كبيرا في حربه المعلنة ضد الارهاب عندما ضم روسيا الى منتدى الاطلسي في هذه الحرب والتي يتيح ضمها كسب المزيد من دول اوروبا الشرقية ودول شرق روسيا التي سبق وان كانت جزءا من الاتحاد السوفييتي الى عضوية الحلف، الامر الذي يعني نجاح الرئيس بوش في تشكيل تحالف دولي يضم ما يعرف بدول الشمال بقيادة اميركية ضد الارهاب. ويلحظ المتمعن في الحرب الاميركية والغربية المعلنة ضد الارهاب تمركز هذه الحرب في قارة اسيا وخصوصا في نصفها الغربي وفي جنوبها الشرقي ولعل ابرز ما يميز هاتين المنطقتين: 1ـ كونهما منطقتين نفطيتين استراتيجيتين مثل ايران والخليج واندونيسيا. 2ـ كونهما منطقتين مؤلفتين من دول اسلامية. نجحت ادارة الرئيس بوش في ان تجعل من الحرب ضد الارهاب عنوانا اميركيا بالدرجة الاولى ودولياً بالدرجة الثانية على جدول اعمال سياسات المجتمع الدولي بهيئاته وتنظيماته وتجمعاته الدولية والاقليمية المختلفة، ولعل ابرز الامثلة على هذا النجاح ما جاء في اعلان روما والاعلانات المشابهة التي صدرت في اكثر من عاصمة خصوصا تلك التي تقيم علاقات استراتيجية قوية مع واشنطن ويعزز هذا النجاح الحرب الاميركية الفعلية ضد الارهاب والدائرة بشكل اساسي حالياً في افغانستان. فتحت غطاء هذه الحرب حصلت ادارة بوش على موافقات دول عدة في وسط آسيا بينها باكستان وتركمانستان واوزبكستان وطاجيكستان على انزال قوات اميركية على اراضيها وتموضعها فيها. وتحت غطاء الاعداد لخوض المزيد من الحرب ضد الارهاب على جبهات اخرى تواصل الادارة الاميركية تحريض المجتمع الدولي ضد ما تصفه بدول محور الشر او الارهاب والمكونة حسب واشنطن من كل من: ايران والعراق وكوريا. وتواصل التحريض في الوقت ذاته ضد دول اخرى تصنفها الخارجية الاميركية بأنها دول داعمة او راعية للارهاب مثل: سوريا وليبيا وكوبا. وتصدر المزيد من التهديد وتمارس المزيد من الضغط ضد عدد كبير من الهيئات والمنظمات والاحزاب الدينية والوطنية التي يزعم انها منظمات ارهابية او منظمات داعمة للارهاب مثل حزب الله في لبنان وغالبية فصائل المقاومة الفلسطينية. في السابق وصفت الولايات المتحدة خصمها السوفييتي ودول اوروبا الشرقية المتحالفة معه بأنها امبراطورية الشر وذلك في اطار حملتها التعبوية والدعائية ضده، واكتفت بأن شنت ضد تلك الامبراطورية ورغم كل ما كانت تمتلكه من قوة استراتيجية حربا باردة دامت عقودا عدة إلى ان انتهت بهزيمة تلك الامبراطورية وتفككها من الداخل. اما اليوم فإن الولايات المتحدة ورغم انها اصبحت القوة الاولى في العالم بلا منافس فهي تصر على اعتماد مبدأ الحرب الساخنة بهذه الدرجة او تلك ضد ما تصفه بالارهاب وتلوح بهكذا حرب ضد ما تسميها بدول محور الشر وفي مقدمتها العراق. علما ان هذه الدول لا تشكل خطرا يماثل او يوازي باية نسبة من النسب الخطر الذي كان يمثله الاتحاد السوفييتي السابق ولا حتى الخطر الذي تمثله حاليا وريثته روسيا الاتحادية على الاستراتيجية الاميركية الكونية. لقد جعلت الولايات المتحدة من الحرب ضد الارهاب بديلا استراتيجيا لها من الحرب السابقة ضد الشيوعية. فكما الحرب ضد الشيوعية كانت تستهدف دولا ومنظمات كذلك الحرب ضد الارهاب تستهدف دولا ومنظمات. وكما انتصرت في الاولى تريد ان تنتصر في الثانية حتى ولو تطلب الامر خوضها حربا ساخنة لا باردة كما هو الحال في افغانستان. اما الهدف من الحربين فمازال واحدا: فرض السيطرة الاميركية المطلقة على المجتمع الدولي بمختلف مكوناته الاستراتيجية: الاقتصادية والامنية والجغرافية والسياسية والثقافية وغيرها وجعل العالم تحت حكم الامبراطورية الاميركية. بقلم: عمر كيلاني ـ كاتب سوري