الولايات المتحدة الأميركية آثرت على ما يبدو الانصراف الى ما هو عملي ومفيد، أي صنع وتفصيل النظام العالمي الجديد على قياس المصالح والأهداف الأميركية ما أمكن، تاركة لغيرها من الأتباع وعلى رأسهم مجموعة الاتحاد الأوروبي، انجاز المهمات التفصيلية الجانبية. من هذا الانقلاب التاريخي الذي تقوده أميركا ينشأ النظام العالمي الجديد. ولكن قبل ان ننظر الى أثر هذه التحولات التي تتم بدأب وانتظام على تهيئة البشر والمجتمعات لإحداث تغيرات عميقة في العلاقات الاقتصادية والاجتماعية والعسكرية، نطرح التساؤل التالي: هل استسلمت روسيا بشكل نهائي لأميركا لتكون حليفا ضد الارهاب وضد منظمة أوبك؟ وهل حقاً ان اتفاق قمة روما هو حدث تاريخي يجعل قارة بأسرها بعيدة عن النزاعات من خلال تحول حلف الناتو من محور عسكري الى كيان سياسي يستند الى تحالف استراتيجي أوسع يشمل القسم الشمالي من الكرة الأرضية بأسره؟ إن الهدف من اقامة حلف شمال الاطلسي كان يستهدف منذ البداية، احتواء الشيوعية وحلف وارسو، وكانت الحاجة تتزايد بدفع كلا المحورين الى محاولة تكييف العالم مع مصالحه وأهدافه، وبدأت الحرب الباردة بين الشرق والغرب، وكانت أوروبا الغربية منذ قيام تلك الحرب، في أمس الحاجة الى الحصول على الدولار الأميركي حتى تتمكن من شراء البضائع والتكنولوجيا الأميركية الضرورية للنهوض باقتصاديات بلدانها التي دمرتها الحرب العالمية الثانية، الا ان الصورة سرعان ما تغيرت حين تراكمت مليارات الدولارات في المصارف الأوروبية وتعاظم اقتصاد هذه الدول الذي تحرر من ظاهرة الركود لينطلق الى مواقع رائدة تبشر بتفوق كبير. الموقع الذي احتلته روسيا في حلف شمال الأطلسي بمقتضى اعلان روما، يبقى باعتقاد العديد من المعلقين السياسيين الايطاليين، شكلياً اكثر منه فعلياً، اذ احتلت موقع المراقب من خلال المشاركة في المجلس العشرين والى اجل غير مسمى، وهذا الموقع لا يتيح المساهمة في اتخاذ القرارات، بل هي وكما وصفتها الصحافة الايطالية، فهي أي روسيا احتلت موقع الخطيب عوضاً عن موقع الزوج. إذ من المشكوك فيه ان يكون الخطيب زوجاً مضموناً في واقع المتغيرات في العلاقات، بمعنى آخر ان هناك شكوكاً بأن تؤدي مثل هذه الصيغة الى المحافظة على الأمن والاستقرار الدوليين، اذ ان التوازن بين القوى هو الذي منع وقوع حرب عالمية ثالثة وليس مبادئ العقل والمنطق، كما ان الولايات المتحدة اطمأنت الى أمرين يتمثلان بعدم وجود خطر على حقول النفط في منطقة الخليج، وان روسيا الأمس اصبحت في حاجة ماسة الى تمويل غربي وإلى مساعدات تكنولوجية واقتصادية غربية، وهي فرصة ثمينة امام الولايات المتحدة لإخضاع التوجهات الروسية في الميدان الدولي حسب توجهاتها، ومن هنا كان اتفاق روما على انه حلقة مهمة في اطار تكريس هذا التراجع الذي يصب في اهدافها. والنتيجة التي آلت اليها هذه الحال كانت على ضوء سلسلة من الانهزامات التي لحقت بهذه القوة العالمية الكبيرة لتعلن في النهاية ما يشبه الاستسلام الذي وصفه الأميركيون بأنه سيكون قاعدة للهيكلية الجديدة للأمن في القرن الحادي والعشرين. الأوروبيون اختلفوا حول موقع روسيا الجديد، ففي الوقت الذي أكد فيه عراب الصفقة الجديدة سيلفيو بيرلسكوني رئيس الوزراء الايطالي ضرورة الاسراع بضم روسيا الى عضوية الاتحاد الأوروربي نظراً لتاريخها وثقافتها وجذورها المسيحية، في حين أعرب جاك شيراك رئيس الجمهورية الفرنسية عن قلقه من هذا الطرح الذي وصفه بـ «المستعجل» والسابق لأوانه، في حين أكد المستشار الألماني جيرهارد شرويدر أن تجاوز الانقسامات بين المعسكرين المتعارضين جعل الخصومة بين شرق أوروبا وغربها مجرد صفحة من تاريخ الماضي، أما رومانو برودي رئيس المفوضية الأوروبية فهو احتج علناً على فتح أبواب التعاون الاقتصادي وتقديم العون لروسيا. من ناحية تقويم الاتفاق التاريخي من المنظور الأوروبي، فإن دخول روسيا في مجلس العشرين لحلف الناتو هو حدث سياسي في غاية الأهمية، إلا ان عدداً من الأوروبيين يرون دور روسيا اشبه بالرجل المريض الذي تدهورت حالته الصحية، وعليه فإن فتح الابواب امامه امر مطلوب لإنهاء عزلته الطويلة لأجل تنميته وعلاج امراضه، وسيكون موقفه اكثر تفاهما واقترابا من الاوروبيين منه مع الأميركيين وخاصة حول اوضاع عالمية كثيرة تقف في مقدمتها قضايا الشرق الأوسط. المعلق السياسي في صحيفة «المانيفستو» اليسارية الايطالية ستيفانو كياريني يقول لـ «الملف السياسي» ان وجود روسيا في مجلس العشرين لحلف الناتو، لا يقدم ولا يؤخر، ولا يساهم بأي من القرارات الحاسمة التي تأمر بها أميركا، إنه اشبه بالتلميذ الذي يجبر على دخول احدى قاعات المحاضرات للاستماع غصباً عنه بدون حق رفع يده اعتراضاً أو استفساراً، الا ان وجوده سيعزز الجانب الأوروبي في منافساته ونزاعاته الخفية مع الجانب الأميركي، هذا يعتمد على أوروبا في المستقبل لتعزيز هذا الدور لأنها تدرك غضب الروس واستياءهم التاريخي من حلف الناتو، وعليه يتوجب اقناعهم بأهمية وجودهم وهذا يتطلب تقديم مكاسب ملموسة. الأوروبيون يدركون بأن الحلف اصبح اداة طيعة في يد أميركا التي تريد الاحتفاظ لنفسها بموقع الفارس الوحيد لفرض هيمنتها على العالم بعد ان توفق هذا الحلف في ازاحة الامم المتحدة ليقوم هو بمفرده وتحت قيادة أميركا بكل الادوار المطلوبة، وهم لا يحملون ثقة كاملة بما تريده القيادات الأميركية. إذ توجد وقائع عديدة تؤكد انعدام الثقة والحساسية بين أوروبا والولايات التحدة ومنذ وقت طويل، فكلنا يتذكر ما قام به الجنرال ديغول عندما سحب القوات الفرنسية من الحلف، وامر بإغلاق مكتب التمثيل الفرنسي في اللجنة العسكرية للحلف، وكلنا يتذكر فكرة انشاء قوة فرنسية ـ ألمانية تكون نواة لقوة دفاع أوروبية مشتركة تمكن أوروبا الموحدة من امتلاك قدرات عسكرية ذاتية، ويظهر رغبة الدول الأوروبية في تحمل مسئولياتها فيما يتعلق بشئون الأمن وحفظ السلام في اطار الوحدة القائمة بينها لتقليص نفوذ حلف شمال الأطلسي، وهو الأمر الذي جعل حالة التوجس بين الطرفين هي السائدة، على ضوء تحقيق الرغبة الأميركية في احتكار القرارات لتحقيق مصالحها المباشرة، في الوقت الذي يسعى الأوروبيون لمصلحة الناتو، ومن هنا جاء التعارض الذي افرزته العديد من الاحداث ووسعت المزيد من انعدام الثقة بين الجانبين وبالذات احداث البلقان (البوسنة وكوسوفو)، وعدم استجابة أميركا لدول الاتحاد الأوروبي بأوروبة القواعد الموجودة على الاراضي الايطالية ومنها القاعدة الجنوبية للحلف في مدينة نابولي. أوروبا تدرك حالياً حقيقة النيات الأميركية، ولكنه ادراك تعوزه القدرة على المواجهة حالياً. أميركا تريد لأوروبا استمرار التبعية لمصادر الطاقة النفطية التي تسيطر عليها بالمقابل يدرك الأوروبيون بأن دور الولايات المتحدة في حلف الناتو حولها الى ديكتاتور يفرض كل ما يريده فرضا على الاعضاء الآخرين مستعيناً بقدراته في التغلب على كل العقبات. وفرض ضغوطها لاستخدام صناعاتها الحربية وعبر استخدام التجارة والقانون والدعاية والحرب للحد الذي اصبح النظام العالمي الجديد الذي تبشر به أميركا، نموذجاً قسرياً لخلق التشابه الى حد العمى بين أنظمة العالم وأخلاقها وأفكارها واستهلاكها وثقافتها ليسهل اخضاعها للنموذج الجاهز للتصدير والبرمجة القسرية. إن التعقيدات والاشكالات التي ينطوي عليها الوضع الدولي الجديد الناشئ من رحم الحرب الباردة، وتشكيل منتدى جديد للتعاون الأمني في تتويج للتحولات الجذرية في العلاقات بين العدوين السابقين، ويجعلهما شريكين في مكافحة الارهاب والحد من التسلح وادارة الأزمات، لا يطمس حقيقة ان فرصة تهيأت أمام الولايات المتحدة، التي عقد لها التاريخ الزعامة السياسية في العالم، للتأثير في مجرى التطورات والاحداث على نحو يمكنها من تشديد قبضتها على قيد العالم والتحكم في مصائر شعوبه. الدول الأوروبية حالياً تدعو الى التكامل بين جميع الدول الغربية على الصعيدين السياسي والعسكري باعتبار ذلك ضمانة للاستقرار وحفظ التوازن بحده الأدنى بين الشرق والغرب، كما أن أوروبا تعمل على انشاء نظام جماعي شامل في عموم القارة الأوروبية يحل محل التحالفات التقليدية ويعيد توازناً أمنياً يمتد من المحيط الأطلسي حتى الأورال بعد انتهاء التقلبات في الساحة الشرقية الأوروبية والذي وضع الجميع أمام قضية توحيد أوروبا في اطار جديد وأمام مستلزمات جديدة بسبب زوال الستار الحديدي وتفكك الاتحاد السوفييتي، واتجاه الجميع نحو التبدلات العالمية. فالقسم الغربي الغني من أوروبا معني بمد يد المساعدة للقسم الشرقي الفقير وإدخاله تدريجيا في صرح مجموعة الاتحاد الأوروبي. أوروبا تدرك ايضا ان النظام العالمي الجديد ليس نظاماً للتوازن في المصالح أو نظاماً لقانون دولي ترعاه الأمم المتحدة أو نظاماً للسلم والاستقرار، وانما هو نظام هيمنة القطب الأميركي الواحد على سائر الاقطاب، ونظام التسلط السياسي والعسكري القائم على السلطة المرجعية لحلف شمال الأطلسي. أما قبول روسيا لدخول العالم الجديد من خلال هيكلية مجلس العشرين الذي اعلن عن توافق في دور موسكو بما تفعله بالشيشان، وواشنطن بما فعلته وتفعله في افغانستان، وان البعد الشرق أوسطي هو الجانب الأوضح والهدف الأول من حملة العالم ضد ما يطلقون عليه الارهاب والذي يقتضي تجريد «العالم الثالث» من السلاح الذي لا يندرج الا في اطار الاستراتيجية الكونية التي تعتمدها واشنطن لفرض نفوذها كقوة عظمى وحيدة، قاد ذلك روسيا للاندراج بهذا التحول لخلق شراكة من موقع الدونية والانتقال الى المعسكر الآخر بدون تحفظات، وهو يمثل فرصة لفتح آفاق مستقبلية تخدم المصالح الاقتصادية لروسيا التي تعيش على حافات انهيارات الجوع والتفسخ والخوف والكوارث الاقتصادية والبيئية. بقلم: موسى الخميسي ـ كاتب عراقي مقيم في روما