جولة الرئيس الاميركي جورج بوش لاوروبا تضمنت اكثر من مؤشراتها الظاهرية، والمحطات السياسية التي سبقتها، فقبل احداث 11 سبتمبر أعلن بوش عن تعبير أراد به تمهيد الرأي العام العالمي لقبول ما ينوي فعله، وهو تعبير الدول المارقة، الذي فسره هو بأنها حكومات خارجة عن القانون الدولي، مطلوب محاسبتها، وعدم تمكينها من امتلاك أسلحة دمار شامل، أو كيماوية أو بيولوجية، ثم جاءت أحداث 11 سبتمبر وتحول التعبير الجديد الى دول محور الشر، وحينما وجد بوش ان بعض الدول الغربية وغيرها تستاء من هذا الوصف، لأسباب تتعلق بالمصالح الاقتصادية والدبلوماسية، نصحه مستشاروه بالثبوت على استخدام وصف محاربة الارهاب، لأنه أكثر اقناعاً من غيره لتنفيذ مخططات اميركا العلنية والسرية! حول هذه المحطات السياسية.. مؤشراتها الظاهرية.. أهدافها الخفية.. في اطار جولة الرئيس الاميركي لأوروبا التي كشفت تحريض بوش ضد ما أسماه بـ «الدول المارقة» التقى «الملف السياسي» في امستردام بـ «ساندر فان دي بيرخ» الخبير الهولندي في شئون السياسة الدولية فقال: ـ لوحظ ان وسائل الإعلام لدينا في أوروبا شأنها مثل الإعلام العربي تتحدث عن زيارة بوش مؤخرا لأوروبا، وتلقي بها في جعبة فردية، ويسود انطباع لدى المواطن العادي في كل مكان ان الرئيس الاميركي هو الذي يحدد سياسة بلاده، الواقع غير ذلك، فالسياسة الاميركية لا يرسمها الأفراد، ولا تتبدل بتغيير الرؤساء، وتؤكد المعلومات ان الشهية السياسية لادارة واشنطن انفتحت منذ سقوط حائط برلين، الذي اعتبر رمزاً لنهاية الشيوعية، وسقوط النظام السوفييتي، وفك حلف وارسو العسكري، فارادة اميركا لاحداث تغيير نسبي في خريطة العالم لصالحها ليست حديثة، ولو لم تحدث كارثة 11 سبتمبر كانت واشنطن ستجد ذريعة أخرى لتحقيق أهدافها الدولية. ـ هل حققت جولة بوش لاوروبا وروسيا أهدافها في اطار ما تعلنه بالحرب ضد الارهاب؟ ـ طبعاً لهذا السؤال مغزى، وتبحث كثير من وسائل الإعلام العربية له عن اجابة، وما يهمها الاستفسار عن تنفيذ أميركا لعملية عسكرية لضرب العراق من عدمه، وهي بالطبع مصلحة شرعية وحق استراتيجي، حتى في الأوساط السياسية، وبالتحديد داخل أروقة الاتحاد الاوروبي في العاصمة البلجيكية بروكسل هناك من يطرح بجدية استفسارات استشرافية عن اثر مستقبل (العلاقات العربية ـ الاميركية) فيما لو حدثت ضربات عسكرية (اميركية ـ بريطانية) على الأراضي العراقية، ما هو مدى تأثر (العلاقات العربية ـ الاوروبية)؟ وهذا الطرح الاوروبي الداخلي يبين عدم وجود رغبة حقيقية في الموافقة على ضرب العراق، وأوروبا تعيش منذ 11 سبتمبر مرحلة استطيع وصفها بالتردد الاستراتيجي، فهي تبحث عن التوازن السياسي على النحو التالي: ـ عدم اغضاب أميركا في توجهاتها للحرب ضد الارهاب. ـ الانتهاء من الملف العراقي بأسلوب غير اللجوء للحل العسكري. ـ الاحتفاظ بعلاقات عربية مستقرة. ـ التوفيق بين التوجهات الإعلامية الغربية وما تنشره عن الارهاب. هذه العناصر السابق ذكرها وغيرها تفسر موقف التردد السياسي الاوروبي، والتباين في المواقف ووجهات النظر بين اميركا وأوروبا، خاصة بعد تسرب تقرير سياسي أوروبي سبق زيارة بوش لأوروبا وروسيا، وكان التقرير تحت عنوان «السلام في العالم وشرق أوسط جديد». ـ ما هي فحوى هذا التقرير، وهل له علاقة بما نتحدث بشأنه؟ ـ سأطالع لك بعضا من أوراقه: تدفع الاحداث والتطورات العالمية لعقد لقاءات سياسية رفيعة المستوى، تهدف لاتمام لقاءات مباشرة بين واشنطن وكبريات الدول الاوروبية ذات النفوذ، خاصة وان الفترة التي تلت تلك الحرب الاميركية على معاقل الارهاب في افغانستان، شهدت ترددا وتراجعا نسبيا في دعم بعض الدول الاوروبية لاميركا، بشأن الاستمرار في محاربة بؤر الارهاب في العالم، وكذلك الدول التي تملك قدرات تكنولوجية على تصنيع الاسلحة النووية، وبعضها في منطقة «الشرق الأوسط» وهي تلك المنطقة التي تحتاج لاعادة توزيع محاور القوة العسكرية فيها، لهذه الأسباب وافقت لجنة الامن القومي الاميركية على مقترحات لمستشاري الرئيس الاميركي بوش في ان يسرع لعقد لقاءات مع صناع القرارات السياسية الاوروبية في ألمانيا وفرنسا وروسيا، وبالفعل تقرر ان يقوم بوش بجولة اوروبية في الاسبوع الأخير من شهر مايو، وتأتي اشارتي لهذا التقرير لثبوت مصداقيته، كما أوضح ان الرئيس الاميركي حمل معه تصورات لخريطة مستقبلية لمنطقة الشرق الأوسط، عرضها على المستشار الالماني «جيرهارد شرويدر» والرئيس الفرنسي «جاك شيراك» والروسي «فلاديمير بوتين»، والتقى بالمقربين السياسيين من هؤلاء الزعماء، وأضاف التقرير: ان اسقاط النظام العراقي أصبح ضرورة لا يمكن تأجيلها بعد هذه المرحلة التي لابد من الاستفادة بتطوراتها لقيام دولة مستقلة للأكراد في شمال العراق، وهو والأمر الجاري البحث فيه والتشاور بخصوصه مع الاصدقاء الاتراك بوساطة اسرائيلية، كما ان معاناة المسيحيين في السودان مستمرة، واميركا لا تريد التنازل عن دورها في حماية الاقليات في العالم وتوفير حياة كريمة لهم، عن طريق مساعدتهم في الحصول على صيغ ملائمة للحكم الذاتي أو الاستقلال، واختتم التقرير فقراته عن الشرق الأوسط موضحا بأن نجاح زيارة الرئيس بوش ضرورة تفرضها التطورات السياسية الجديدة، والعمل على عدم منح الفرصة للدول غير المستقرة في المنطقة من استخدام الاسلحة النووية أو الكيماوية، وأعرف ان بعض ما ورد في هذا التقرير نشر في صحف عربية، لكن لم ألحظ رد فعل وقائي من طرف الدبلوماسية العربية والإسلامية، على الرغم من كشف أهداف زيارة «بوش» مسبقاً، ربما لأن دبلوماسية العرب تفضل التحرك بعد وليس قبل! وأضيف بأن اوروبا تتساءل الآن بدورها: هل سينجح الرئيس المصري مبارك اثناء زيارته الاسبوع المقبل لواشنطن في تغيير نسبي لسياسة بوش وبالتحديد تجاه العراق؟ ـ نحن نسأل بدورنا هل من الممكن ان ينجح الاتحاد الاوروبي في ثني أميركا عن ضرب دول اسلامية مثل ايران والعراق، واعاقة خطة اميركا في تغيير خريطة الشرق الأوسط؟ ـ من الممكن فقط تعطيل العملية، هذا إذا ترك العرب الاتحاد يتحرك وحده، دون تكثيف الحملات الدبلوماسية العربية، ودعني أصارحك القول بأن بوش الابن هو العدو الثالث للرئيس صدام حسين، ويعتبر الرئيس الاميركي الحالي هو اللاعب الثالث الذي دفعت به أميركا للساحة منذ نهاية حرب الخليج الثانية في عام 1991، وهو الذي أعطى أوامره العسكرية الأولى في العام الماضي لقصف جوي بعدد 24 طائرة على بغداد بمشاركة بريطانية، وكان والده الذي قاد قوات تحالف غربي اشترك فيه بعض من قوات دول عربية لتحرير الكويت، وقد نجح في حرب ارضية خلال 100 ساعة لأن يفتح الطريق الى بغداد، لكنه ـ بوش الأب ـ تلقى نصائح محددة من مستشاريه اتفقت مع وجهات نظر دول الاتحاد الاوروبي بمنع القوات العسكرية من الدخول للعاصمة العراقية، إلا ان الواقع الحالي يؤكد ان فرصة القضاء على صدام حسين ضاعت في حينه، الأمر الذي كان من نتيجته منحه امكانية استعادة ممارسة سلطاته ونفوذه وبقوة، وفور تدارك الندم على ضياع الفرصة التاريخية قام رئيس الوزراء البريطاني السابق جون ميجور في ابريل عام 1991 بعرض مبادرة «No-fly zone» لتحديد منطقة حظر جوي فوق الاجزاء الكردية بالعراق، وكانت التبريرات هي حماية الاكراد من قوات صدام حسين، وبالفعل مُنع الطيران العراقي من الطيران في الشمال على خط عرض 36، وقد لاقت المبادرة قبول أميركا وبقية قوات التحالف، إلا ان حكومات الدول العربية المشاركة في قوات التحالف لم تؤخذ آراؤها في حينه! كما لم تشارك ايضا في القرار الذي تبع ذلك بعام لفرض منطقة حظر جوي جديد في الجنوب وهو القرار الذي نتج عن مخاوف الغرب بسبب استعادة قوات الحرس الجمهوري العراقي لقوتها، بل فاقت قوتها مرحلة ما قبل حرب الخليج، الأمر الذي أدى لتكثيف الطلعات الجوية الاميركية البريطانية الفرنسية لمراقبة تنفيذ العراق لقرار الحظر الجوي. لكن ماذا فعل غضب العرب؟ والى أي مدى نجح التراجع النسبي للدعم الاوروبي لأميركا؟ فقد أهملت اميركا آراء ووجهات النظر العربية، واستمر دعم أميركا الخفي لاسرائيل في الاعتداءات على الفلسطينيين، ونعلم ان اسرائيل كانت ولاتزال تقف في الخلف تشجع قرارات ضرب العراق وتعبر عن سعادتها، في ذات الوقت فشلت بعض الدول الاوروبية في اقناع اميركا برفع يدها عن العراق وترك صدام حسين لشعبه يتصرف معه، وعلى الرغم من ان اميركا استشعرت الغضب العربي وتراجع دعم بعض الدول الاوروبية، إلا ان واشنطن أصرت على استمرار ضرب قوة الجيش العراقي واضعافها. لاهاي ـ د. سعيد السبكي: