كشفت مصادر جزائرية مطلعة لـ «البيان» ان احمد اويحيى وزير الدولة للعدل، طلب من عبدالعزيز بوتفليقة رئيس البلاد، اعفاءه من اية مهمة تنفيذية في الحكومة الجديدة، مع قبوله بمشاركة حزبه في الائتلاف الذي يجري علي بن فليس رئيس الحكومة مشاورات من اجل تشكيله. وقالت المصادر إن أويحيى يفضل التفرغ لترميم وإعادة بناء التجمع الوطني الديمقراطي الذي يرأسه بعد هزيمة الثلاثين من مايو أمام جبهة التحرير الوطني في الانتخابات البرلمانية. لكن بوتفليقة لم يقبل الطلب وألح على أهمية وجود الرجل في الجهاز التنفيذي كما أكد بن فليس تعلقه بمشاركة أحمد أويحيى في الحكومة شخصيا وتوزيع حقائب هامة على قيادات من اتباعه تفوق الوزن الانتخابي للحزب. وتجمع الأخبار التي تسربت حول الحكومة الجديدة بأن أويحيى يحظى بمكانة فريدة ويمكنه الاختيار بين العدل والخارجية وهو تفضيل لا يحظى به غيره حتى من أهم قادة جبهة التحرير الوطني التي فازت في الانتخابات. وقد تراجع عدد كبير من مهاجميه داخل الحزب، وبدأ الاستقرار يعود تدريجيا الى التجمع الديمقراطي بعد حركة عصيان قادها بعض النواب السابقين في البرلمان وصلت الى حد احتلال المقر المركزي للحزب الواقع بابن عكنون على مرتفعات العاصمة الجزائر. وحتى إذا كانت جبهة التحرير الوطني هي الحزب الفائز بالأغلبية المطلقة في التشريعيات فإن الحديث يجري هذه الأيام أكثر ـ خاصة على أعمدة الصحف ـ حول التجمع الديمقراطي ومستقبله ومكانته في الخارطة السياسية وفي هياكل الدولة. فهو وإن خسر الغرفة السفلى للبرلمان لا يزال يشكل الأغلبية في مجلس الأمة (الغرفة العليا) وبدون موافقته لن تمر مشاريع القوانين وفي مقدمتها مشروع الحكومة الجديدة التي يشكلها بن فليس قريبا. لكن المحللين يعتقدون أن أهمية التجمع الوطني الديمقراطي تكمن في قائده. فأحمد أويحيى كان يمكن أن يكون في المكانة التي يحتلها حاليا دون أن يكون على رأس حزب سياسي بل دون أن يكون منتميا الى أي حزب سياسي. وكان قد عين رئيسا لديوان الرئيس اليمين زروال في مطلع عام 1994 ثم رئيسا للحكومة عام 1996 دون أن يكون له نشاط سياسي حزبي. فقد كان دبلوماسيا قويا تسلق المناصب منذ اكثر من عشرين عاما وصارت خدماته مطلوبة من جميع الأطراف في السلطة حتى أن البعض لا يتصورون اليوم حكومة بدونه. ويكون هذا الوضع الفريد لأحد أهم رجال الدولة في الجزائر اليوم هو الدافع الذي جعل الرئيس بوتفليقة وعلي بن فليس يعارضان ابتعاده عن موقع متقدم في الدولة. وحتى مختلف الأجهزة الأمنية تثق فيه أكثر من أي أحد غيره. ويؤكد الخبراء أن تصويت الجيش وأسلاك الأمن المختلفة على جبهة التحرير (وهي أطراف اعتادت التصويت الموجه، وكانت قبل خمس سنوات قد منحت نحو نصف مليون صوت للتجمع) لم يكن سلوكا معاديا لوجود أويحيى في الحكم ولكن لتنبيه الجميع بإمكانية تغيير مجرى الانتخابات رأسا على عقب. فمن 156 مقعداً في البرلمان السابق كان يحتلها التجمع مقابل 64 فقط لجبهة التحرير أصبح الوضع اليوم معكوسا تماما وكسبت الجبهة 199 مقعداً والتجمع 47 ومع أن النتيجة اعتبرها البعض زلزالا ورجح الكثيرون فرضية حدوث اضطرابات داخلية تخل بالتوازن وتطيح بالأمين العام أحمد أويحيى فإن المكتب الوطني وهو الهيئة التنفيذية للحزب اجتمع أول أمس وقيم الوضع على ضوء نتائج الانتخابات وعبر في بيان وزعه عقب الاجتماع عن ارتياحه أولا: «لإجراء الانتخابات البرلمانية في وقتها المحدد وهو ما جنّب البلاد الدخول في فترة فراغ دستوري خطير». وثانيا: لكون الأغلبية البرلمانية حققها «التيار الوطني» المتشكل من جبهة التحرير والتجمع. واعتبر الملاحظون هذا الموقف بمثابة استعداد للتعاون على مختلف مسارات الاصلاح التي كانت قد شرعت فيها الحكومة السابقة على أساس برنامج الرئيس عبد العزيز بوتفليقة. وقال عضو قيادي لـ «البيان» إننا ندرك أن جهات قوية في الحكم نفذت ما يشبه العقوبة في حق التجمع لأسباب عدة فإننا من جهتنا سنعمل من جهتنا على الحفاظ على التوازنات الموجودة في المؤسسات الدستورية ونعزز تعاوننا مع جميع الأطراف لتوفير العوامل التي من شأنها تجاوز الجزائر الظروف الصعبة التي تعيشها في مختلف المجالات». وحسب نفس العضو القيادي فإن هذه النتيجة خرج بها اجتماع أول أمس الذي جرى برئاسة أحمد أويحيى وتبنى توجهاته. الجزائر ـ مراد الطرابلسي: