جاء ويليام بيرنز، وتبعه جورج تينت، في ركبه مضى سولانا وفيشر وغيرهم كثيرون ممن راحوا يتدفقون إلى بلادنا حاملين في ايديهم الحل السرى ليس لحل القضية الفلسطينية ولكن لاصلاح السلطة، وضمان رشاقتها وحيويتها، بحيث يرضى عنها بوش وشارون!! وفي المقابل فإن الجانب العربى لم يقصر، زيارات ومتابعات اتصالات ومباحثات.. اقتراحات وتعديلات والهدف هو الاستجابة للأطروحة الشارونية في فهم المعادلة الاصلاحية!! أما الرئيس عرفات فهو قد تبنى بدوره مفهوم الاصلاح، واعلن انه يوافق على كل مايطرحه رئيس مجلس إدارة عالمنا الجديد جورح بن بوش ولكن قالها غير مشروطة ياليت قائدنا المظفر يضغط على إسرائيل كي تنسحب حتى نستطيع أن نصلح الاحوال ونجرى الانتخابات ونضع الرجل المناسب في مكانه إن أمكننا!! ولم يكذب سعادة العالم العلامة والحبر الفهامة جورج بوش خبراً، فقد اطلق المتحدث باسم بيته الاسود معذرة «الابيض» ليطالب عرفات بالتراجع فوراً عن هذا الشرط، ذلك ان الانسحاب نقرة والاصلاح نقرة أخرى، بالضبط كما هو الأمر بالنسبة للحل الامنى والحل السياسي، ولا يجب ولا يتوجب خلط الأوراق وهدم الثوابت!! ومن يومها التزم الرئيس عرفات الصمت، وقرر المضي قدماً في طريق الاصلاح خاصة بعد أن تلقى نصائح عربية تطلب منه التزام الصمت قليلاً، لأن في «الاصلاح فلاح» وإن أفلح فسوف يحصل على اجره مرتين.. مرة بأن يبقى رئيساً للسلطة، ضامناً الطائرة والسجادة الحمراء وحرس الشرف، حتى وإن كانت رئاسته شرفية دون صلاحيات، بعد أن يتنازل طوعاً عن كل صلاحياته لواحد ممن يجوزون على الرضي السامي من واشنطن وتل أبيب. ومرة أخرى بأن يضمن إنشاء دولة فلسطينية حتي وإن كانت هذه الدولة محصورة وسط جزر معزولة بالمستوطنات والأحزمة الأمنية، دون أن يكون لها جيش أو سيادة أو ولاية جغرافية ولا علاقة لها بالقدس من قريب أو بعيد!! وبعد اللقاءات التي اجراها ويليام بيرنز حامل الملف السياسي، راحت المعلومات تتدفق عن أن هذه الدولة أو الدويلة أو الكانتون-سمها كما تريد سوف تعلن في العام المقبل، برجال جدد وعقول متفتحة مستنيرة تجيد الحوار مع الآخر وتحترم متطلباته الأمنية، وتكف عن لغة الشعارات.. وتقدم للمحتل وردة بدلا من الرصاصة كدليل على الإخلاص وتأكيد على أن ثقافة «السلام» هي التي تسود وتهيمن!! والاصلاحيون الجدد لا بد أن ترضى عنهم سلطات الاحتلال، ومن يرضى عنه شارون رضيت عليه أمنا الغالية «أميركا» ويا بخت من كان النقيب عمه وهذا مثل مصرى يمنح الحظوة لمن يرضى عنه شيخ المكان!! ومفهوم الاصلاح الذي انهكت واشنطن راعية السلام والوئام - نفسها فيه واستعانت في ذلك بخبراء يفهمون شخصية الفلسطيني ومكره ودهاءه هو مفهوم استراتيجي يضمن تحقيق الأهداف ويتعامل مع الظاهرة من الجذور.. فالمرشح لأي موقع أمني كبير، هو القادر على توحيد الأجهزة وفرض السطوة، وتوظيفها نحو الهدف المنشود وهو حماية الأمن «الاسرائيلي» الذي يتعرض لمؤامرات «الارهاب» الذي يقوده الاطفال «الشياطين»!!. ورئيس الجهاز يجب ان يكون مرضيا عليه وصاحب علاقات نافذة مع الاسرائيليين وبالذات أجهزة التنسيق الامني والاستخبارات العسكرية والموساد. اما رئيس الوزراء فلا بد أن يتمتع بخبرة في التعامل مع الاسرائيليين وأن يكون معاديا للمقاومين والاستشهاديين، وأن يدعو صباح مساء للسلام وينبذ العنف والإرهاب، وأن يحمل الفلسطينيين المسئولية وأن يمتد ببصره الي ايران وسوريا ولبنان ومصر ليضعهم في خندق الاتهام وان يكون رجلا استراتيجيا.. أي يتولى الموقع وبعد شهور يعزل عرفات بعد ان يثبت له تورطه في الارهاب أو يحاكمه باتهامات جاهزة أويمنعه حتي من العودة للداخل!! أما المستشار الاقتصادى الذي سيمسك بمفتاح الخزينة فلا بد أن يكون صديقا (لعمري شارون) نجل رئيس الوزراء.. ولا بد أن تكون صداقته تلك ممتدة إلى مشروعات مشتركة كنوادي القمار في أريحا أو كمشروعات «البيزنس» التي يجري تسويتها داخل الأراضي أو في المستوطنات.. وصاحب الخزينة ليس ضروريا أن يكون فلسطينيا.. يمكن أن يكون كرديا منبوذا مثلا المهم ان يكون قادراً على عقد الصفقات مع شارون وابنائه، ومع المؤسسات الإسرائيلية وقادتها الواعيين.. فأمثال هؤلاء هم القادرون على صنع السلام وتحقيق الاصلاح وفق المفهوم الجديد. بعد كل ذلك ماذا يمكن أن نقول.. الاصلاح قادم ولكن ليس هذا الاصلاح الذي بح صوت الفلسطينيين لاجل أن يتحقق منذ سنوات ولكنه الاصلاح وفقا لمفهوم العولمة الجديد، الذي يعنى أن المقاومة ارهاب، وأن وجود المناضلين في السطة رجس من عمل الشيطان، وأن الحفاظ على أمن اسرائيل هو شأن فلسطيني بالأساس.. وأن الحديث عن الحقوق الفلسطينية شأن شاروني بحت، فهو الأقدر، وهو الأكثر فهما بالواقع والمتغيرات. ألستم معي أنها هي بالفعل المرحلة الثانية من عملية السور الواقي، ولكن شريطة أن تتم بأيد فلسطينية وضغط أو موافقة عربية. حتى تفتح الطريق أمام توقيع الاصلاحيين الجدد لاتفاق الوضع النهائي مع اسرائيل والذي بمقتضاه يجري التنازل عن الارض والقدس وحق العودة. حقا إنه اصلاح ولكن على الطريقة الشارونية.