بيان الاربعاء: شهدت الاربعينيات من القرن الماضي فترة انطلاقته وثوريته، كان ممثلا لكلية الحقوق في اللجنة الطلابية التي قامت بمظاهرات 1935. تعرف على الرئيس الراحل جمال عبدالناصر، وزميله الرئيس الراحل انور السادات في الكشافة، وكان شاهد عيان على حادث 4 فبراير وكان شاهدا على اكبر خلاف في تاريخ مصر الحديث بين مكرم باشا عبيد من ناحية والزعيم الوفدي مصطفي النحاس وفؤاد سراج الدين من ناحية اخرى، واتهم الاخير بانه أفسد الحياة السياسية. بعد قيام ثورة 23 يوليو 1952 آثر الابتعاد عن السياسة لاكثر من 25 عاما وعاد اليها في عهد الرئيس انور السادات. تولى مناصب قيادية فكان اول امين عام للحزب الوطني ونائبا لرئيس مجلس الوزراء لشئون مجلس الشعب والشورى. كان بجوار السادات في حادث المنصة الشهير عام 1981، ويرى ان أحداً اياً كان موقعه لم يعارض قرارات اعتقالات سبتمبر الشهيرة.. يطلقون عليه السياسي العجوز فهو اكبر اعضاء مجلس الشورى المصري سنا حاليا. انه السياسي الكبير فكري مكرم عبيد شقيق الزعيم الوفدي الشهير وسكرتير عام الوفد وليم مكرم عبيد الذي يقدم هنا شهادته على الاحداث والوقائع التاريخية التي كان قريبا منها وشاهد عيان عليها، في محاولة لاعادة قراءة هذه الاحداث برؤية موضوعية بعيدة عن التشويه، يشاركه شخصيات ومؤرخون وباحثون، كانوا على صلة وثيقة بهذه الاحداث، سعيا لصياغة التاريخ برؤية جديدة ننشرها بالتنسيق مع وكالة الاهرام للصحافة. في البداية توجهنا لـ فكري مكرم عبيد أول أمين عام للحزب الوطني ونائب رئيس مجلس الوزراء لمجلس الشعب والشورى في مصر سابقا للتعرف على بدايته مع السياسة وبشكل خاص الدور الوطني الذي لعبته مظاهرات الطلبة عام 1935 التي استشهد فيها الكثير من الطلبة عندما اطلقت الشرطة النيران بمجرد وصولهم كوبري عباس. ـ فكري مكرم عبيد: في الفترة التي سبقت ثورة 23 يوليو كنا نعيش اجواء ثورة 19 وهي الثورة الأم، وكانت ثورة ضد الغاصب الانجليزي المحتل وكنا نرفع شعار «الاستقلال التام أو الموت الزؤام» وكان شعاراً لكل المصريين وفي كل الأقاليم بطولها وعرضها.. وفي طفولتي اتذكر البعثة التي جاءت الى بلدي قنا بجنوب الصعيد لجمع التوقيعات للوفد المصري الذي اوكله الشعب ليدافع عن القضية الوطنية بعد ان طلب الانجليز من سعد ورفاقه اثبات انهم ممثلون عن الامة. ومن هنا تكونت اللجان المختلفة لتجوب انحاء الجمهورية لجمع التوقيعات.. وأذكر بعدها في عام 1925 كانت هناك جريدة اسمها «الكشكول» يصدرها شخص اسمه سليمان فوزي كان يوجه شتائم كثيرة لسعد باشا زغلول زعيم الامة، فقمنا بإحراق الجريدة لأنها تطاولت على زعيم الامة.. وقمنا بمظاهرات ونحن طلبة ضد وزير خارجية بريطانيا في ذلك الوقت عندما قال ان مصر لا تستحق الاستقلال وكنا نقول في المظاهرات «يسقط الثور بن الثور..» وقد وصلت الحركة الطلابية الى قمتها في حادثة كوبري عباس الشهيرة عندما اشتبكنا مع الانجليز.. تضاربت الروايات التاريخية وتناقضت حول حادث 4 فبراير الشهير عندما حاصرت دبابات الانجليز الملك فؤاد وأجبرته على تشكيل وزارة برئاسة مصطفى النحاس باشا، مما جعل البعض يقولون أن النحاس جاء على أسنة رماح الانجليز.. بوصفك شاهد عيان على هذا الحادث المهم.. أين الحقيقة فيما يقال؟ الحقيقة التي أذكرها للتاريخ أن مصطفى باشا النحاس لم يكن لديه علم بهذا الحادث لأنه كان معى في رحلة الى أسوان والأقصر وتم الاتصال به من جانب القصر لإبلاغه ضرورة أن يقوم هو بتشكيل الوزارة وكان هذا ليس حباً في النحاس وإنما لأنه كان هناك عدم استقرار سياسي.. والبلاد في حاجة الى زعيم مثل النحاس، وكان القصر يريد حكومة ائتلافية فرفض النحاس باشا وقال ائتلافية يعنى اختلافية مما جعل أحمد باشا ماهر يقول للنحاس انك جئت الوزارة على أسنة رماح الانجليز.. هذه هي الحقيقة.. ـ لكن ماهي علاقة أمين عثمان باشا بهذا الحادث ولماذا اتهمته صراحة بالخيانة والعمالة للانجليز وأنه سمسار سياسي في مقال نشر لك بجريدة «الأهرام» بمناسبة حادثة 4 فبراير تحت عنوان شهادة شاهد عدل.. ــ أمين عثمان كان تلميذا لشخص انجليزي اسمه مستر ريد وكان عميلا للمخابرات الانجليزية وأمين عثمان سافر الى انجلترا وتزوج من انجليزية وكان يقوم بدور السمسار السياسي فيذهب للانجليز ويقول لهم ان لي مكانتي عند المصريين، ويذهب الى المصريين ويقول لهم ان لى كلمتي على الانجليز.. وهذا ليس كلامي إنما جاء في مذكرات السفير الانجليزي في ذلك الوقت.. ـ المؤرخ د. عبد العظيم رمضان مارأيك فيما نسبه السياسي فكري مكرم عبيد إلى أمين عثمان بأنه خائن وعميل؟ ــ كلمة الخيانة كلمة كبيرة جداً ولا أستطيع أن أصف أحداً بها ببساطة وإذا كان فكري مكرم عبيد يقول هذا عن أمين باشا لأنه على علاقة أو اتصال به فأقول له إن انجلترا في ذلك الوقت كانت حليفة لمصر وتربطنا بها معاهدة وأن الاتصال بها شيء طبيعي في هذه الظروف. ومعاهدة 1936 كانت معاهدة تحالف وصداقة بين مصر وبريطانيا.. ـ قلنا لفكري مكرم عبيد.. ان المؤرخ د. عبد العظيم رمضان يرى أن أمين باشا عثمان ليس خائنا ويرى أن اتصاله بالانجليز كان طبيعياً في ضوء معاهدة التحالف والصداقة بين مصر وبريطانيا فما رأيك؟ ــ عبيد: أنا عشت الحادثة ولا أحد يقول أنني أدافع عن أحد.. وهناك فرق بين المؤرخ وشاهد العيان.. وأنا لا أنحاز لكن أروى رواية رأيتها بنفسي.. ومن حق د. عبد العظيم رمضان أن يرى ما يشاء.. والدليل على صدق كلامي أن هناك مجموعة كبيرة من العناصر الوطنية كان يدربها أنور السادات، قامت بإغتيال امين عثمان لخيانته، خاصة انه قال في خطبة شهيرة له أن ما بين مصر وبريطانيا زواج كاثوليكي.. واقول أن د. عبد العظيم رمضان حسن النية.. وأكرر أن هناك فرقاً بين المؤرخ وشاهد العيان.. ـ وأنت تدلى بشهادتك للتاريخ والحقيقة نفتح معك أحد الملفات التي لاتزال تثير جدلاً بين المؤرخين.. ملف شقيقكم وليم مكرم باشا عبيد سكرتير عام حزب الوفد وأبرز قياداته .كيف كانت العلاقة بين شقيقكم والنحاس باشا؟ ــ في حياتى لم أر ولن أرى صداقة كتلك التي كانت بين شقيقى مكرم باشا عبيد والنحاس باشا والأدلة والوقائع والأحداث التي تؤكد صدق كلامى كثيرة وعديدة.. فعندما نفي النحاس ومكرم هاجمت الملاريا شقيقى مكرم وهما في البحر فلم يكمل النحاس باشا الرحلة واضطر الى النزول مع فكري في ميناء عدن حتى يخفف من مرضه وكان بجواره يقوم بخدمته ليل نهار وعندما توفي مكرم أرسل النحاس برقية رثاء لزوجته. ـ إذن.. ما الأسباب التي أدت الى نشوب الخلافات بين مكرم عبيد والنحاس باشا والتي وصلت الى ذروتها بصدور اكثر الكتب اثارة للجدل الكتاب الأسود الذي فضح فيه مكرم عبيد الممارسات السياسية للوفد وقياداته وسلبيات حكومة النحاس؟ ــ سبب الخلاف مجموعة من المستفيدين أوقعوا بين مكرم والنحاس.. وهم معروفون بالاسم ولا أستطيع أن أذكر أسماء، لأنهم أصبحوا في مناصب حيث كان شقيقى مكرم في ذلك الوقت وزيراً للتموين وكان في سلطته المنح والمنع.. الخلاف بين مكرم والنحاس ـ المؤرخ وأستاذ التاريخ الحديث عبد الوهاب بكر.. كيف ترى الخلاف الذي نشأ بين مكرم باشا عبيد والنحاس باشا وانتهي بالكتاب الأسود؟ ــ أعتبر أن الكتاب الأسود سقطة في حق المجاهد الكبير مكرم باشا عبيد،.. أما عن الخلاف فأراه شخصياً بين مكرم باشا سكرتير عام الوفد ومصطفى النحاس زعيم الوفد، خاصة عندما فكر النحاس في تدعيم حزب الوفد بمجموعة من الوجوه الجديدة بعد خروج زعامات وشخصيات كبيرة من الوفد مما عرضه لهزات سياسية وانقسامات.. فكان لابد للنحاس أن يأتي بشخصيات جديدة تملأ الفراغ الذي تركه رحيل البعض. ومن هنا جاء الانشقاق وصدور الكتاب الأسود لأسباب شخصية وليست موضوعية. ـ أستاذ فكري بصراحة هل ترى أن الراحل فؤاد سراج الدين زعيم الوفد لعب دوراً في تاريخ العلاقة بين مكرم والنحاس ووصولها الى طريق مسدود؟ ــ عبيد فؤاد باشا كان رجلاً محترما ونزيها وابن ناس.. لكننى أرجع الخلاف الى الوشايات التي قام بها اولاد الحلال للوقيعة بين النحاس ومكرم لأن الصداقة بينهما كانت قوية ومتينة جداً. ـ المؤرخ عبد الوهاب بكر.. البعض يرى أن اهمية الكتاب الأسود ترجع الى أنه قام بكشف بعض السلبيات التي تمت في عهد النحاس ووزارئه من فساد في بعض الأمور؟ ــ بكر: اذا كنت تقصد ما اتهم به المرحوم مكرم باشاحكومة النحاس بالفساد السياسي وسوء الحكم.. أقول ان هذا كله كان بدافع شخصي من مكرم لأنه سبق أن دافع عن تجاوزات واستثناءات كثيرة حدثت قبل ذلك. ـ ياسين سراج الدين أحد زعماء الوفد الجديد.. كيف ترد على ماقاله فكري مكرم عبيد بشأن الخلاف الشهير بين مكرم باشا عبيد والنحاس باشا؟ ــ سراج: سوف أكون رحيما على مكرم، رحمه الله، وأقول أن مصطفى النحاس كان شخصية محبوبة جداً وشعبيته غير قابلة للوصف وكل ما كتب اعتراف بزعامة وجماهيرية النحاس باشا، وبدأت المسألة عندما اقترب شقيقي فؤاد سراج الدين من النحاس باشا وأخذ يقترب منه، وتوطدت العلاقة بينهما خاصة أنهما كانا متجاورين في السكن بجاردن سيتى.. من هنا بدأت الغيرة داخل مكرم الذي رأى أن مكانته عند النحاس تقلصت بجانب أن اولاد الحلال لعبوا دوراً في الوقيعة بين الطرفين. ـ فكري مكرم عبيد.. ما هي طبيعة العلاقة بينك وبين الزعيم الوفدى الراحل فؤاد سراج الدين؟ ــ عبيد كانت تربطنى به صداقة وكنا على علاقة طيبة.. ـ المؤرخ عبد الوهاب بكر.. هل ترى أن فؤاد باشا سراج الدين كان أحد أسباب الخلاف الذي نشب بين مكرم والنحاس؟ ــ بكر: كمؤرخ.. أرى أن فؤاد باشا لم يلعب دوراً في إفساد العلاقة بين مكرم والنحاس، إنما الذي حدث أن مكرم شعر بنوع من الغيرة وأن البساط سحب من تحت قدميه عندما اقترب فؤاد من النحاس وأصبح قريباً منه، يأخذ رأيه في كل شئ، هنا شعر مكرم أن الأضواء بدأت تنحسر وان موقعه بدأ ينتهي ويحل محله فؤاد المثقف صاحب الأصول الثرية، وهذا الذي أدى بمكرم الى مهاجمة الوفد وصدور الكتاب الأسود الذي اعتبره وصمة عار في جبين مكرم باشا عبيد. ـ ياسين سراج الدين.. هل لعب شقيقكم فؤاد سراج الدين دوراً في تأزيم العلاقة بين مكرم باشا عبيد والنحاس باشا؟ ــ سراج: لنفي ما قيل بهذا الشأن اذكر واقعة مهمة جداً، وهي أن مكرم باشا عبيد هو الذي أدخل فؤاد باشا حزب الوفد الذي عرفه بالنحاس باشا وتوسم فيه أن يكون زعيماً.. فكيف اذن يوقع بينهما خاصة وأن العلاقة بين النحاس ومكرم كانت وطيدة جداً وقوية وكان مكرم يقول أن النحاس سيد الناس. ـ فكري باشا ما حقيقة الصراع الخفي بينك وبين فؤاد باشا الذي اتخذ أشكالاً عديدة اتسمت بالعداء الشديد الى الحد الذي اتهمته صراحة بأنه المسئول عن إفساد الحياة السياسية والمثل العليا في السياسة؟ ــ عبيد: الخلاف بيني وبين فؤاد هو خلاف على المبدأ، فهو يرى ان رجل السياسة لابد وأن يكون غنيا وثرياً ومن وجهة نظرى أنا لابد من المساواة تماماً بين الغني والفقير في السياسة وقد يكون فقيراً لكنه سياسي بارع وكفء وقد يكون ثرياً ولا يملك مواصفات السياسي، إذن المسألة ليست بالغنى أو الفقر وانما المعيار هو الكفاءة وهذا سبب الخلاف، أن فؤاد يرى أن المال يسند السياسة وأنا أرى ان السياسة تسند نفسها. ـ لكنك اتهمته بإفساد المثل العليا للسياسة؟ ــ عبيد: لأنه كما ذكرت يربط بين المال والسياسة وأنا في أعتقادى المتواضع أرى ضرورة الفصل بينهما. ـ ياسين سراج الدين.. ما رأيك في الإتهام الذي وجهه مكرم عبيد لفؤاد باشا بأنه قام بإفساد المثل العليا وأنه ينحاز للأغنياء؟ ــ سراج: المتابع الجيد لتاريخ فؤاد باشا يرى عكس هذا الكلام وأن هناك قوانين كثيرة صدرت تثبت أنه رجل مبادئ مثل قانون التأمينات الإجتماعية واستقلال القضاء والبوليس.. بجانب أن فؤاد باشا كان متمسكاً بالدستور والصفحة الاولى لجريدة «الوفد»، تعكس هذا الكلام.. مكتوب على صدرها وعلى لسان زعيم الوفد فؤاد باشا أننا ننحاز للديمقراطية والحرية وحقوق الانسان.. اوضح د. عبد الوهاب بكر.. كون أن فؤاد باشا يرى أن الأغنياء هم الأجدر بممارسة السياسة فهذه وجهة نظر شخصية لفؤاد باشا والرأى عندى أن السياسي ينبغى ان يكون مثقفاً وحاذقاً وواعياً اكثر من أن يكون ثريا.. ـ فكري مكرم عبيد بعد عودة الأحزاب لممارستها السياسية وضعت شرطاً وحيدا في الانضمام لحزب الوفد الجديد وهو عدم وجود فؤاد سراج الدين وانضممت لحزب الأحرار مع مصطفى كامل مراد لماذا؟ ــ ليس بالضبط.. الذي حدث أن عبد الفتاح باشا حسن جاء الى وقال ان فؤاد باشا يقوم بتشكيل حزب الوفد الجديد وانه لم يفاتح أحداً وتحدث معي بشأنك.. والحقيقة أنني وجدت او لم أتصور نفسي في حزب واحد مع فؤاد باشا الذي قام بإعتقال شقيقي مكرم باشا عبيد لأن وقتها كان وزير داخلية ولهذا لم أنضم للوفد ودخلت الأحرار مع مصطفى كامل مراد.. ـ ياسين سراج الدين..ما رأيك فيما ذكره فكري مكرم عبيد من انه لم ينضم لحزب الوفد الجديد طالما شقيقكم فؤاد سراج الدين به؟ ــ من قال أننا كنا سنقبل فكري مكرم عبيد لو جاء لحزب الوفد.. اما فيما يتعلق بمشاعره نحو فؤاد باشا سراج الدين، فله الحرية المطلقة حر اذا كان يرى أن دمه ثقيل مثلاً.. وأن حزب الوفد لا يقف على فكري مكرم عبيد.. ـ فكري هل يصل الخلاف إلى هذه الدرجة التي تجعلك تتخلى عن نشأتك وتكوينك الوفدي؟ ــ لابد أن نضع حداً فاصلاً بين الوفد القديم والوفد الجديد.. الاول هو بوتقة انصهر فيها المصريون جميعاً لذلك لم نقل وقتها حزب الوفد وانما كنا نقول الوفد المصرى لدرجة ان المواطن الذي لم يكن وفدياً في ذلك الوقت كانوا يعتبرونه خائنا.. أما الوفد الجديد فهو حزب قام على مبادئ الوفد ولكن ليس هو الوفد القديم لذلك اسمه حزب الوفد الجديد وعلى الرغم ان هذا أقول ان حزب الوفد والتجمع هما من أكثر الأحزاب اقداما في مصر وخلافي مع فؤاد شيء واحترامي له كرجل سياسي محنك شيء آخر.. ثورة يوليو ـ فكري مكرم عبيد.. في شهادتك التاريخية نحب ان نتوقف معك عند ثورة 23 يوليو، هذا الحدث التاريخي المهم الذي أحدث تغييراً سياسياً واجتماعياً.. ما هي الاسباب الحقيقية وراء ابتعادك عن السياسة بعد قيام ثورة 23 يوليو والاختفاء عن الأحداث؟ ــ عبيد: كل شيخ وله طريقة.. بعد ثورة 23 يوليو 1952 كان عندى آمال عريضة وكبيرة فيها، وكانت لي صداقات كثيرة ببعض أبطالها مثل عبد اللطيف البغدادى وحسن إبراهيم، وفي الفترة من 52حتى 58 كان النظام شعبيا وطنيا وغير قائم على عبادة الفرد ثم جاءت الوحدة مع سوريا وتحولت السياسة الى عبادة للفرد.. جمال عبد الناصر زعيم عظيم لكن نحن أفسدناه لأننا جعلنا منه إله ووصل الأمر الى أنه عندما ذهب الى سوريا قام الشعب برفع سيارته على الاكتاف. ومن كثرة التضخيم والنفاق تصور جمال عبد الناصر. وهو معذور أنه غير قابل للخطأ وتحول من رجل سياسة الى رمز.. ولهذا ابتعدت ولم يكن لى دور أو نصيب في ضوء كل ما يحدث حتى جاء السادات وعملت معه.. ـ يرى البعض أنك كنت من الذكاء في ابتعادك عن السياسة في هذه الفترة؟ ــ عبيد: ليس ذكاءً وإنما هذه الفترة كان لها رجالها وأنا لست واحداً منهم.. ـ إذن ما سر هجومك الشديد على الفترة الناصرية وخاصة فيما يتعلق بحقوق الانسان؟ ــ عبيد لا أحد ينكر أن هناك تجاوزات كثيرة من اعتقالات وتنصت على الناس وغيرها من الأساليب التي تتنافى مع أبسط حقوق الانسان، والذي كنا نسمعه عن زبانية التعذيب أمور يشيب لها الولدان وأعتقد أن عبد الناصر لم يكن يعلم بهذه الأمور البشعة وأنه برئ مما كان يحدث في ذلك الوقت. ـ فكري مكرم عبيد.. نصل معك في شهادتك الى المرحلة الساداتية التي شهدت تألقك وتوهجك السياسي، عندما أتى بك الرئيس السادات من الظل كعضو في مجلس شعب ثم أميناً عاما للحزب الوطني ونائبا لرئيس مجلس الوزراء لشئون مجلسي الشعب والشورى لتقل لنا كشاهد عيان ومشارك في بعض الأحداث التي وقعت خلال هذه الفترة التاريخية المهمة التي شهدت فيها مصر تحولات سياسية وإقتصادية وإجتماعية. ونبدأ بعلاقة الرئيس السادات وقداسة البابا شنودة التي بدأت بصداقة قوية انتهت بمحاولة السادات تنصيب بابا آخر غير البابا شنودة.. ما الذي حدث بالضبط؟ ــ عبيد: العلاقة بين السادات والبابا كانت طيبة جداً.. اثنان مصريان مخلصان لوطنهما وأذكر أننا ذهبنا جميعاً وعلى رأسنا الرئيس السادات الى الكاتدرائية لإقامة مشروع مستشفى قبطي وصلى المسلمون والمسيحيون.. أما الذي حدث بين البابا والسادات له خلفيته وهي أن هناك مطران في بني سويف له بنت أخت أسلمت وتزوجت من مسلم، البعض استغلوا هذا الحادث وقاموا باستفزاز المسيحيين فثار المطران فاشتكى للبابا الذي ارسل بدوره للسادات الذي قال أنه كلام فارغ ولا يستحق ان نتوقف عنده، فازدادت المعارضة وتقابلت انا مع بعض المطارنة في مقره بميت أبو الكوم لسوء الحظ أن اليوم الذي حدده السادات لمقابلة هؤلاء وكان يوم أربعاء وصل شاه إيران لمصر فاعتذر السادات عن ميعاد المطارنة فتصوروا ان هذا إهانة لهم.. فقلت لهم أن الصدفة هي التي لعبت دوراً في عدم المقابلة ومن هنا جاء التصعيد بين الطرفين ثم حدد الرئيس السادات إقامته في دير الأنبا بيشوى بوادى النطرون وحاول بالفعل أن ينصب بابا آخر ثم راح السادات ضحية حادث المنصة.. وأستطيع القول أن الذي حدث من وجهة نظرى سوء حظ وصدفة سيئة أدت الى توتر العلاقات بين البابا والسادات ولم تفلح معها المحاولات لتهدئة الأوضاع مع التصعيد المستمر وكانت النتيجة من صداقة قوية الى توتر وصراع بين الطرفين.. حادث المنصة ـ على ذكر حادث المنصة، كنت شاهد عيان على هذا الحادث الذي راح ضحيته الرئيس السادات في أكتوبر 1981 حيث كان يحتفل بذكرى انتصار حرب أكتوبر.. ما الذي حدث بالضبط؟ ــ عبيد: كان الرئيس يجلس في الوسط وعن يمينه الرئيس محمد حسني مبارك الذي كان يشغل نائب الرئيس السادات في ذلك الوقت وعلى يمينه كان يجلس المرحوم الدكتور فؤاد محيى الدين رئيس الوزراء ثم أنا كنائب رئيس مجلس الوزراء بعدي كمال حسن على ثم محمد النبوي إسماعيل وكنا نشاهد ما تقدمه وحدات الجيش المختلفة من عروض حتى جاءت الفقرة الخاصة بطائرات الميراج التي قامت ببعض استعراضات وكان صوتها عالياً جداً لدرجة أننا لم نسمع الرصاص عندما أطلقه الذين قتلوا الرئيس السادات والذي رأيته بعيني وجدت الرئيس السادات واقفاً على قدميه وقال جملة واحدة هي ليه يا ابنى بعدها حدث هرج ومرج على المنصة حتى جاء صوت يقول أن كل شيء انتهى وان الخطر زال بعدها سألت عن الرئيس السادات فقالوا أنه في حالة جيدة وتم نقله الى مستشفى القوات المسلحة بالمعادى وبه إصابات بسيطة بعدها توجهنا فوراً الى مستشفى المعادي وقابلنا بعض الزملاء وعرفت منهم أن حالته خطيرة جداً وميئوس منها.. بعدها توفي السادات وقمنا بترشيح الرئيس مبارك لرئاسة الجمهورية.. هذا كل ما حدث في هذا اليوم العصيب الذي لم تشهده مصر في تاريخها الحديث أو المعاصر.. ـ ننتقل بشهادتك الى مرحلة مهمة كنت أحد أبرز من أسسوها وهي تجربة التعددية السياسية التي بدأت بالمنابر ثم تحولت بسرعة الى أحزاب سياسية عام .1976. فهل ترى أن السادات جاء بعصر الحريات وعودة الممارسة الحزبية من خلال الأحزاب الثلاثة الرئيسية في ذلك الوقت؟ ــ بالقطع البداية كانت متواضعة جداً، لكن كانت طبيعة المرحلة وقتها خاصة بعد فترة لم تكن فيها ديمقراطية فكانت الحياة السياسة في ذلك الوقت أشبه بالرجل المريض الذي يجب أن نفتح له النوافذ على مراحل وليس على مرحلة واحدة.. والديمقراطية كانت تتطلب وجود أحزاب وبالفعل تم هذا على يد السادات. ـ عمرو الشوبكى الباحث بمركز الأهرام للدراسات السياسة والاستراتيجية وله العديد من الدراسات في التجربة المصرية الخاصة بالتعددية التي بدأها السادات عام 1976، سألناه..كيف ترى هذه التجربة؟ ــ الشوبكي أرى أنها تجربة اعتمدت على مركزية القرار من الرئيس السادات الذي لم يترك الفرصة للتجربة الديمقراطية أن تنمو بأسلوب طبيعى فلم يترك النقابات أن تعبر عن مطالبها أو أى حركات شعبية أخرى أو أى أشكال أخرى من الممارسات الديمقراطية تؤدى بأسلوب طبيعي الى التعددية التي ننشدها جمعياً وأنا أرى أن التعددية جاءت بقرار من الرئيس السادات فكانت غير مكتملة وغير صحيحة ومازلنا نجنى آثار ذلك حتى الآن لأن التجربة التي قادها السادات نحو التعددية والتي قام بها كانت وضع ديكور سياسي لأنه كان ينوي التوجه نحو الغرب وخاصة أميركا.. ـ فكري.. السادات متهم في أدبيات السياسة بالانفراد في اتخاذ القرارات؟ ــ عبيد: ارى ان الرئيس السادات كان يؤمن بالشورى لذلك قام بإنشاء مجلس الشورى وكان يطبق القاعدة الشرعية التي تقول وشاورهم في الأمر.. ـ إذا كان السادات بهذه الديمقراطية كما ترى.. فما تفسيرك لقرارات اعتقالات سبتمبر الشهيرة عام 1981 التي قام من خلالها باعتقال كبار المفكرين والمثقفين المصريين؟ ــ عبيد: هذا السؤال من الصعب الرد عليه ولا أعرف الظروف التي احاطت به او مبررات السادات التي دفعته لهذه القرارات ولم يتم عرض هذه القضية او يناقشها أحد.. ولا تصدق أى أحد أيا كان يقول أنه عارض السادات في هذا الموضوع، هذا كلام غير صحيح ومزايدة رخيصة.. لأن قرار الاعتقالات ببساطة لم يعرض على أحد ولم يجرؤ أحد على معارضة السادات أو مناقشته في هذا الامر.. ـ في ختام شهادتك. ماذا تقول عن الرئيس السادات، بعد مرور كل هذه السنوات على رحيله؟ ــ عبيد: أقول أن التاريخ سينصف هذا الزعيم الذي قدم لوطنه الكثير وأن الناس الآن أدركت أهمية هذا القائد وبعد نظره وأنه سبق عصره بمراحل خاصة فيما يتعلق بالصراع العربي الاسرائيلي واستطاع بدهاء وذكاء ان يحصل على كل الأراضي المصرية ولو أدرك العرب قيمة هذا الرجل لحصلوا على حقوقهم.. وهاهم الآن يجرون ويتفاوضون على بضع كيلو مترات ولم يحصلوا على شيء.. رحمه الله..