تظل أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 علامة فارقة في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية وربما التاريخ الإنساني كله، كما تظل هذه الأحداث، من حيث الأسلوب والدوافع والنتائج موضعا مستمرا لدراسات الباحثين وبحث الدارسين في وقتنا الحاضر وحتى سنوات اخرى مقبلة، وما بين اختلاف في تفسير دوافع هذه الأحداث وهوية مرتكبيها وسعى لكشف كيفية القيام بها يظل هناك اتفاق وإجماع على أن أحداث 11 سبتمبر كان لها تأثير كبير على المجتمع والسياسة في الولايات المتحدة الأميركية. حول هذه الأحداث وتأثيراتها المختلفة نظم مركز البحوث والدراسات السياسية بجامعة القاهرة ندوة مؤخرا تحت عنوان «أحداث 11 سبتمبر وتأثيرها على المجتمع والسياسة في الولايات المتحدة الأميركية».وتناول أحمد إبراهيم محمود الباحث بمركز الدراسات السياسية والاستراتيجية بالأهرام تأثير هجمات سبتمبر على السياسة الدفاعية الأميركية مؤكدا ان هذه الهجمات تسببت في حدوث تحولات هيكلية في السياسة الدفاعية الأميركية، حيث عززت من ناحية حركة الإصلاح العسكري التي كانت جارية بقوة في صفوف القوات الأميركية منذ وصول إدارة جورج بوش إلى الحكم في يناير 2001، كما زادت من ناحية أخرى من الأولوية المعطاة للتهديدات الإرهابية في الاستراتيجية الأميركية. وأشار إبراهيم الى أن أهداف هذه التحولات لا تقتصر على مجرد الحيلولة دون تكرار هجمات 11 سبتمبر ولكنها تصب إجمالا في الإطار الأوسع للمسعى الأميركي المحموم الهادف الى الحفاظ على مكانة الولايات المتحدة كقوة عظمى وحيدة في عالم ما بعد الحرب الباردة والحيلولة دون بروز أي قوة دولية منافسة للولايات المتحدة وصيانة المصالح الإقتصادية الأميركية في جميع أنحاء العالم. وتناول ابراهيم اتجاهات السياسة الدفاعية الأميركية قبل 11 سبتمبر مشيرا الى ان هذه السياسة استحوذت على حيز كبير من إهتمام ادارة بوش الابن منذ وصولها للحكم حيث جاءت بأفكار جديدة في مجال الدفاع والأمن القومي وركزت منذ البداية على إدخال تعديلات مهمة على استراتيجية الأمن القومي الأميركي، حتى من قبل هجمات سبتمبر وقد انصبت هذه التعديلات تحديدا على ثلاثة مجالات رئيسية هي بناء القوات المسلحة ودور القوة العسكرية في تحقيق أهداف الأمن القومي وتحديد مصادر التهديد. وأوضح أن هذه التعديلات استمدت قوة الدفع من عدد من الاعتبارات المهمة والتي يأتي في مقدمتها ان إدارة بوش الجمهورية أعطت اولوية قصوى لقضايا الدفاع والأمن القومي بدرجة أكبر من إدارة كلينتون الديمقراطية السابقة وذلك في ظل ما هو معروف عن الجمهوريين عموما من إهتمام فائق بالقضايا الدفاعية وأيضا في ظل إتهامات جورج بوش وإدارته للإدارة السابقة بأنها أهملت الانفاق على البنية الدفاعية الأساسية وأن المؤسسة العسكرية لم تكن لها الأولوية في اهتمامات ادارة كلينتون. ويرصد ابراهيم عددا من التحولات المهمة في السياسة وذلك في الشهور الأولى من حكم بوش، وتتمثل هذه التحولات في: ـ التركيز على زيادة المقدرات الحركية للقوات المسلحة الأميركية من خلال بناء جيش أخف وإدخال أفكار ومفاهيم قتالية جديدة بهدف امتلاك القدرة على التعامل مع عالم سريع التغير بما في ذلك تقليل الاستعداد لخوض حروب تقليدية في مقابل التركيز على التعامل مع أوضاع أكثر تعقيدا مثل الصراعات منخفضة الحدة والدفاع عن تايوان في مواجهة حصار صيني او إبقاء مضيق هرمز مفتوحا أمام الملاحة الدولية. ـ إعطاء الاولوية لبرنامج الدفاع الصاروخي وذلك من أجل مواجهة التهديدات والأخطار الناجمة عن إتساع نطاق الإنتشار الصاروخي لدى الدول التي تعتبرها الولايات المتحدة دولا مارقة مثل كوريا الشمالية وإيران والعراق، حيث ترى المصادر الأميركية المسئولة أن هذا التهديد يعتبر الأكثر خطورة على الأمن القومي الأميركي في المستقبل القريب. - إعطاء أولوية أكبر لمسرح العمليات الآسيوي في التخطيط العسكري الأميركي، وهو ما ينطوي على أهمية قصوى في الاستراتيجية الدفاعية لأنه يعني حدوث تغير جذري في السياسة الدفاعية الأميركية التي ظلت تركز منذ نهاية الحرب العالمية الثانية على مسرح العمليات الأوروبي من أجل منع اجتياح سوفييتي لدول غرب أوروبا أثناء الحرب الباردة. وهناك أربعة مجالات رئيسية للتركيز الأميركي على مسرح العمليات الآسيوي وهي حسب إبراهيم ـ: ـ العمل على احتواء الصين والحاجة إلى الاقتراب من المنطقة من أجل مراقبة التطورات في روسيا وجمهوريات آسيا الوسطى ثم حاجة واشنطن للمشاركة في عملية استغلال موارد بحر قزوين وأخيرا امتلاك القدرة على السيطرة على حركة التفاعلات الإستراتيجية في جنوب آسيا. ـ إدخال تعديلات جوهرية على الاستراتيجية النووية الأميركية سعيا إلى بناء إطار استراتيجي جديد لإستخدام هذه القوة، وقد ركزت هذه الاستراتيجية الجديدة على إمكانية إجراء خفض من جانب واحد للترسانة النووية إلى أقل من مستوى يمكن أن تسمح به اعتبارات الأمن القومي، بل وخفض عدد الرؤوس النووية الأميركية حتى عن العدد الذي تحدده معاهدة ستارت، ولكن مع إمكانية التراجع عن هذا الخفض إذا كان ذلك مطلوبا من منظور المصالح الأميركية. وفي الوقت نفسه تركز إدارة بوش على تحديث الترسانة النووية الأميركية التي تدهورت بنيتها الأساسية وأصبحت غير قادرة حاليا على إنتاج سلاح نووي جديد كما تحتفظ إدارة بوش لنفسها بالحق في استئناف التجارب النووية الأميركية إذا احتاجت ذلك وأخيرا فإن المؤسسة العسكرية الأميركية إتجهت نحو تخفيض عدد الأهداف التي يمكن توجيه الرؤوس النووية الأميركية إليها في حالة الحرب مع روسيا لإضافة عدد صغير من الأهداف الجديدة في الصين. ـ تعديل أسس بناء القوات المسلحة الأميركية والتي كانت تتحدد على أساس مبدأ الحربين الرئيسيتين، والذي يقوم على ضرورة أن تكون أميركا قادرة على ردع ومواجهة أي عدوان واسع النطاق وعابر للحدود على مسرحين بعيدين في ذات الوقت، وتبنت إدارة بوش التركيز على الإنتصار بصورة حاسمة في حرب رئيسية واحدة جنبا إلى جنب مع الاكتفاء بتنفيذ عدد من العمليات الأصغر في مناطق أخرى من العالم إلى جانب الحرب الرئيسية. دلالات وتأثير وينتقل الباحث أحمد إبراهيم إلى الحديث عن تأثير هجمات سبتمبر في السياسة الدفاعية الأميركية مشيرا إلى أن هذه الهجمات إنطوت على العديد من الدلالات بالنسبة للأمن الداخلي الأميركي من أبرزها أن أميركا لم تعد في مأمن من الهجمات الخارجية وعمليات الإرهاب الضخمة واسعة النطاق وأن هذه الهجمات كشفت عن الفجوة الكبيرة بين القوى الهائلة الأميركية وبين إنكشافها أمام الهجمات الداخلية. ويضيف أن من تلك الدلالات أيضا العجز عن الكشف المسبق عن العملية أثناء مرحلة التخطيط والاعداد رغم الإمكانات الضخمة لأجهزة الأمن والاستخبارات الأميركية وأخيرا ضعف قدرة أجهزة الأمن الأميركية على التصدي السريع للعمليات الإرهابية فور وقوعها حول المراكز الحيوية الأميركية كما كشفت عن ضعف فاعلية إجراءات الأمن على الرحلات الداخلية في المطارات الأميركية. ويرى إبراهيم أن هجمات سبتمبر أدت إلى تعديل مدركات التهديد التي تواجه الأمن القومي الأميركي حيث أصبحت مكافحة الإرهاب تحتل الألوية المطلقة في السياسة الأميركية حتى وصل إلى تبني الرئيس الأميركي لموقف يقوم على أن وقف الإرهاب ومحاسبة الدول التي ترعاه أصبحا التركيز الرئيسي للإدارة الأميركية. ويضيف أن الهجمات أدت إلى أن أصبح الأمن الداخلي أو ما يعرف بالدفاع عن الأرض الأميركية مستحوذا على الحيز الأكبر من الإهتمام في كافة الدوائر السياسية والأكاديمية والاعلامية في أميركا من أجل معالجة أوجه القصور التي كشفتها الهجمات وتفادي تكرار وقوع مثلها مجددا، لكن الجديد الذي يرصده إبراهيم هو أن القوات المسلحة الأميركية باتت تقوم بدور أكثر كثافة في شئون الأمن الداخلي بعدما كان هذا الدور في الماضي قاصرا على أشكال محدودة لتدخل قوات الحرس الوطني. ويشير إبراهيم إلى أن من أبرز التطورات التي أسفرت عنها هجمات الحادي عشر من سبتمبر تعزيز إجراءات الأمن الداخلي والإتجاه نحو إستحداث وزارة للأمن الداخلي حيث أعلن بوش في 20 سبتمبر 2001 إنشاء مكتب جديد تابع للبيت الأبيض أطلق عليه مكتب الأمن الداخلي وجري تعيين ريدج حاكم ولاية بنسلفانيا كمدير لهذا المكتب، حيث اهتم ريدج بالدرجة الأولى بعمليات التنسيق فيما بين أجهزة ووكالات الأمن الأميركية المختلفة، ومن أهم المهام التي قام بها ريدج: إنشاء جهاز للتنسيق الاستخباراتي وتحليل المعلومات وابتكار نظام جديد للإنذار بشأن إحتمالات وقوع هجمات إرهابية، يقوم على أن يتم تقييم الأخطار على أساس مدى صحتها وتحديدها من ناحية الزمن والموقع وإمكانية ردع أي هجوم محتمل، ثم يتم تحديد مستوى التحذير وحالة التأهب التي يجب أن تكون سائدة في البلاد طبقا لأوامر من الرئيس بوش. ويكمل الباحث مظاهر التأثير في السياسة الدفاعية الأميركية بعد 11 سبتمبر مشيرا إلى أن هذه الهجمات أدت إلى الدفع في إتجاه تعديل وتطوير هيكل القيادة الموحدة للقوات المسلحة الأميركية، وجرى في هذا الإطار طرح فكرة تشكيل قيادة جديدة لأميركا الشمالية تتولى مهام الأمن الداخلي في الولايات المتحدة بعد أن أدت الهجمات إلى تعميق مشاركة القوات المسلحة الأميركية في مهام الأمن الداخلي علاوة على إمكانية مد نطاق عمل هذه القيادة إلى قارة أميركا الشمالية ككل. وتبدأ هذه القيادة الجديدا «القيادة الشمالية» عملها فعليا في أكتوبر المقبل حيث تعتبر بمثابة الخطوة الأكثر محورية في التغيرات التي شهدتها منظومة القيادة العسكرية الموحدة للقوات المسلحة الأميركية منذ إنشائها في عام 1946. وتتمثل أهداف هذه القيادة الجديدة، حسبما يرصد الباحث في: ـ تشكيل قيادة عليا تتولى تنسيق جهود القوات المسلحة الأميركية من أجل توزيع المهام المتعلقة بتعزيز الأمن الداخلي الأميركي. ـ تعيين ضابط برتبة جنرال في موقع مسئول عن نشر قوات، بما في ذلك قوات برية وبحرية وجوية تتولى مراقبة أجواء مدن الولايات المتحدة والقيام بدورات بحرية حول السواحل الأميركية ونشر قوات تابعة للحرس الوطني من أجل الإشراف الأمني على الموانئ الجوية ونقاط التفتيش الحدودية. ويرى الباحث أن هجمات سبتمبر أمدت على حاجة الولايات المتحدة إلى بناء قوات أخف وأكثر قدرة على الحركة وأكثر قدرة على خوض هذه النوعية من الصراعات غير التقليدية مشيرا إلى أن الحملة العسكرية الأميركية في أفغانستان جاءت فرصة مثالية لتطبيق العديد من الأفكار القتالية والنظم التسليحية الجديدة وأنها كانت بمثابة تطبيق نموذجي لما يعرف بـ «الثورة في الشئون العسكرية» والتي ترتبط بالثورة الممتدة في تكنولوجيا المعلومات والتي أثرت بصورة حاسمة على التكنولوجيا والاستراتيجيات العسكرية. اختلال بين المؤسسات الدكتورة منار الشوربجي المدرس بقسم العلوم السياسية بجامعة القاهرة ركزت على موضوع تأثر الحريات المدنية في الولايات المتحدة الأميركية بعد الحادي عشر من سبتمبر وأشارت إلى أن الولايات المتحدة شهدت بعد 11 سبتمبر إختلالا واضحا للتوازن بين المؤسسات الثلاث الرئيسية، التنفيذية، والتشريعية والمقصود بها القضائية لصالح المؤسسة التنفيذية موضحة أن ذلك الاختلال لايقتصر على الصعود التقليدي لتلك المؤسسة في حالة تعرض البلاد لخطر خارجي أو أزمة كبرى، إذ أنه إرتبط بإستراتيجية تبنتها الإدارة منذ توليها أصلا وحدث مع أحداث سبتمبر تبريرا قويا لها يسمح بقبولها على نطاق واسع. وأضافت أن بنود قانون مكافحة الإرهاب الذي أصدره الكونجرس ضمن عدد من القوانين عقب الأحداث، فضلا عن القرارات التنفيذية، انطوت هذه وتلك على تراجع ملحوظ في دور القضاء واحترام الحريات المنصوص عليها في وثيقة الحقوق التي تضمنها الدستور الأميركي. واستدلت على ذلك بأن اللغة الفضفاضة التي استخدمها القانون تسمح للسلطات الأميركية بالإيقاع بالكثيرين، ليس فقط من الأجانب وإنما أيضا من المقيمين إقامة دائمة داخل الولايات المتحدة بل والمواطنين الأميركيين أنفسهم، رغم أن القانون استهدف بالأساس الأجانب الذين ينتهكون القوانين الأميركية. وأضافت أن هذا القانون أيضا توسع في الصلاحيات الممنوحة لوزيري العدل والخارجية وجعلها في أحيان كثيرة تعتمد على التقدير الشخصي لكل منهما، إلى جانب أنه قوض الجدار الذي كان قد تم بناؤه بعد فضيحة ووترجيت بين الوظائف الأمنية المختلفة. وربطت بين حملة الاعتقالات الواسعة داخل أميركا والتي استهدفت ذوي الأصول العربية والذين يدينون بالإسلام على وجه التحديد وبين التوسع في الصلاحيات الممنوحة لوزير العدل جون اشكروفت مشيرة إلى أن أشكروفت يتبنى موقفا مبدئيا من الإسلام كدين يظهر في عبارته الشهيرة إن الإسلام دين يطلب فيه الله منك أن ترسل إبنك ليموت من أجله في حين أن المسيحية دين يرسل فيه الله ابنه ليموت من أجلك. وهو التصريح الذي لم ينفه اشكروفت بل ورفض الاعتذار عنه حين طالبه بذلك معهد الأميركيين العرب. واستطردت الدكتورة منار الشوربجي في ذكر الآثار السلبية لقانون مكافحة الإرهاب مؤكدة أنه إلى جانب خلقه تشابكا معقدا بين الأجهزة التنفيذية المختلفة بهدف مواجهة الإرهاب، إلا أن هذا التشابك قد سار يسمح بدرجة أكبر بسوء استغلال السلطة وإهدار الحريات. ولفتت إلى أنه مما لايقل أهمية عن كل ذلك أن القانون قد فرض أيضا على مؤسسات مدنية ـ وعلى رأسها الجامعات ـ التعاون الوثيق مع أجهزة الأمن وإمدادها بكل ما تطلبه من معلومات. وأضافت أن الأخطر من القانون في الواقع هو سلسلة القرارات التنفيذية التي صدرت منذ أحداث سبتمبر والتي صدرت دون موافقة المؤسسة التشريعية، بل ودون علمها في أغلب الأحيان من ناحية وانطوت على إبتلاع لصلاحيات المؤسسة القضائية من ناحية أخرى. وذكرت من هذه القرارات: تأجيل تنفيذ أحكام القضاء والتوقف عن نشر بيانات عن المعتقلين والتصنت على محادثات المعتقل ووكيله وإنشاء المحاكم العسكرية. وذهبت إلى أن المؤسسة التنفيذية لم يقتصر صعودها على حساب المؤسستين الأخريين استنادا إلى ما منحه لها القانون وما منحته هي لنفسها من خلال القرارات التنفيذية، إذ رفضت السماح لها بممارسة دورها الرقابي وإمتنعت عن إخطارها بعدد من القرارات قبل صدورها. واعتبرت الدكتورة منار الشوربجي أن المسألة لم تكن مجرد الصعود التقليدي لسلطة إدارة بوش الذي يحدث وقت الأزمات، وإنما أن أحداث سبتمبر لم تكن أكثر من مجرد المبرر الذي ساعد هذه الإدارة على نجاح الإستراتيجية التي تبنتها منذ البداية وهي تأكيد صعودها على حساب المؤسسة التشريعية بالذات مشيرة إلى أن الكثير من الرموز البارزين في إدارة بوش جاءوا إلى مناصبهم بإيمان عميق بأن صلاحيات المؤسسة التشريعية قد شهدت في العقد الأخير إتساعا على حساب المؤسسة التنفيذية وأنه لابد من وقف ذلك التوسع. ورأت الباحثة أن التعتيم المقصود والسيطرة المطلقة على المعلومات فضلا عن الرقابة الذاتية التي مارستها وسائل الاعلام، كل ذلك أدى إلى خلق مناخ عام يروج لخطاب واحد ويضيق بالخلاف وهو الأمر الذي فرغ الرقابة الشعبية والإعلامية من أي محتوى حقيقي. ودللت على كلامها بتعرض عدد كبير من أعضاء هيئات التدريس في الجامعات لعقوبات مختلفة بدءا بالإدانة وإنتهاء بالفصل من الجامعة نهائيا بسبب أراء عبروا عنها تختلف مع توجهات السياسة الخارجية الأميركية إلى جانب تعرض أعضاء بارزين بالكونجرس نفسه لحملات نقد عنيفة حين انتقدوا سياسات الإدارة بل وحتى حين طرح بعضهم مجرد تساؤلات بشأن تلك السياسات. وردا عما أثير من تعرض الحريات المدنية في الولايات المتحدة لحملات مشابهة فيما سبق من تاريخها سرعان ما تلاشت بمجرد إنتهاء الأزمة ذهبت الباحثة إلى أن هناك فارقا رئيسيا بين الحالة الأميركية الراهنة والحالات السابقة، يتمثل في أن الأزمة الحالية قد تم تعريفها باعتبارها حربا على الإرهاب ومن ثم فهي حالة لا يوجد فيها عدو واضح ومحدد ينبغي هزيمته ولا توجد أيضا معايير واضحة للنصر، ومن ثم فإن هذا يجعل من تلك الحرب حربا ممتدة لا توجد معالم واضحة لمراحلها التالية، ولا حدود زمنية لنهايتها بما يسمح بإنتهاء ما إرتبط بها من إجراءات وقرارات. وخلصت الباحثة إلى أن معنى كل ذلك أن ما يتم إرساؤه من سوابق في المرحلة الراهنة بشأن الحريات المدنية سوف يظل على الأرجح معمولا به لمدة زمنية طويلة بالمقارنة بأية حرب سابقة خاضتها الولايات المتحدة الأميركية وإنتهت بعدها القيود والإنتهاكات الواسعة للحريات والحقوق المدنية. صورة ذهنية وتناول الباحث محمود حمد المدرس المساعد بقسم العلوم السياسية كلية الاقتصاد والعلوم السياسة بجامعة القاهرة تأثيرات تفجيرات سبتمبر على المجتمع والسياسة في الولايات المتحدة الأميركية فأكد أن اعتبارات الضرورة ودواعي الأمن قد تغلبت على متطلبات الحرية بعد 11 سبتمبر وأن الولايات المتحدة بعد هذا الزلزال ليست هي الولايات المتحدة قبله وأن عودة العقل والعمل السياسي الأميركي إلى طريقه السابق لا تبدو قريبة المنال على الأقل في الأمد المنظور. ويرى حمد أن هناك تغيرات سياسية ومؤسسية عديدة أفرزتها أحداث 11 سبتمبر على الصعيد الداخلي السياسي منها التغير الذهني في صورة القيادة السياسية لدى النظره الشعبية والتغير السياسي في طبيعة التوازن بين الرئيس والكونغرس في صنع السياسة الخارجية والتغير الحقوقي في الحقوق المدنية للمقيمين وللأمريكيين من أصول عربية وإسلامية إلى جانب التغير المؤسسي في الإطار المؤسسي للسلطة التنفيذية في مجال الأمن الداخلي. وعن النظرة الشعبية للقيادة السياسية في أميركا يوضح حمد أن هناك صورتين لجورج دبليو بوش في المتداول الشعبي الأميركي إحداهما فكاهية والأخرى سياسية ففي الصورة الفكاهية كانت شخصية بوش إلى منتصف سبتمبر الماضي موضوع برامج المزاح الليلي التي يدمنها الجمهور الأميركي، وموضوع الكتب الساخرة التي تجمع هفوات الرئيس العديدة وتبوبها، ويستدرك الباحث مؤكدا أن صورة بوش الابن هذه لا تشكل خروجا عن المألوف في الثقافة الشعبية الأميركية، ففي العهد السابق كانت هذه الثقافة تتندر بمغامرات كلينتون الجنسية وقبله كان بوش الأب موضوع الفكاهة لأسلوبه الكلامي المطاط وقبلها كان ريجان محط التهكم لغيابه عن تفاصيل الحكم أو جهله بها. ويستطرد الباحث : أنه إذا لم يكن من غير المعتاد أو مما يثير الاستياء والغضب أن يجرى تصوير بوش الابن في أحد البرامج وكأنه قط أليف يلهو بلفافة الصوف، فيما أمور الدولة يعني بها الكبار من تشيني وسائر الطاقم القديم الجديد. ويضيف أنه بعد 11 سبتمبر فإن الصورة شبه الفكاهية للرئيس الأميركي غابت واحتجبت، لتبرز محلها صورة أخرى، تكاد أن تضاهيها في مضمونها الفكاهي، لولا الجدية والخطورة في عواقبها ، وهي صورة الرئيس المهيب والقائد الأعلى والخطيب المفوه وصاحب المواقف الحازمة والنظرة البعيدة الأمد، وتشترك في تعميم هذه الصورة الجهات الرسمية الإعلامية والاعلانية على حد سواء. ويلفت الباحث إلى أن الطاقم الحاكم في واشنطن قد اجتهد للإستفادة من التحول في الصورة السائدة وفي التأييد شبه المطلق الذي حظى به الرئيس، للسير قدما في تنفيذ برنامجه الاقتصادي والسياسي والعسكري، خاصة وأن هذا التأييد قد أدى للحد من قدرة الديمقراطيين في الكونغرس على الاعتراض الفعال خشية ردود الأفعال الشعبية ويشير إلى أن سلاح التعبئة والتحذير وهو الذي تم اللجوء إليه في أميركا بعد 11 سبتمبر حتى عند إساءة اللجوء إليه تبقي فعاليته مقصورة على عدد محدود من الاستعمالات يعود بعدها الجمهور إلى عدم الركون إلى الاستدعاءات الرسمية مدللا على ذلك بأنه رغم عدم إنكار فائدة المحافظة على التعبئة لدى الطاقم الحاكم الحالي في أميركا لاعتبارات تنفيذية أو لأغراض إنتخابية مستقبلية إلا أن هناك دلائل تشير إلى تطبيع إجتماعي أمريكي لهذه التعبئة حيث أن حاجة المواطن الأميركي إلى التوجيه القيادي أخذت تتراجع ومن دلائل ذلك العودة الخجولة للصورة الفكاهية للرئيس بوش. وعن التغير المؤسسى الرئيسي بعد سبتمبر يرى الباحث أنه يتمثل في إنشاء إدارة جديدة تختص بقضايا الأمن الداخلي وهو مكتب الأمن الداخلي ليتولى عملية التنسيق الأمني على المستوى الفيدرالي لأول مرة في تاريخ الولايات المتحدة الأميركية، حيث يعد هذا الأمر مرفوضا من رجال الحكم والسياسة في أميركا لنحو مئة وخمسين عاما من عمر الجمهورية الأميركية معتبرين أن مثل هذه الإدارات الأمنية إنما هي سمة لصيقة بالدول غير الديمقراطية والمتخلفة وأن حماية الحرية في الولايات المتحدة لا تستدعي مثل هذه الكيانات المركزية. وأشار الباحث إلى أن بعض الأصوات بدأت تتعالى في الكونغرس مؤخرا وبصفة خاصة داخل الحزب الديمقراطي مطالبة بفرض رقابة تشريعية على عمل مكتب الأمن الداخلي وبما يسمح بإستجواب مديره ومساعده. ويشير حمد إلى أن أحداث سبتمبر أدت إلى تحويل أمزجة قطاعات عديدة من الرأي العام والمشرعين في إتجاه تقييد الحريات وبخاصة للعرب والمسلمين الذين وصمتهم أجهزة الاعلام برعاية الإرهاب وسادت موجة من الخطاب السياسي تركزت على كون الحرية ليست مطلقة وأن لها أنياب وأظافر، وجرى بناء على ذلك إتخاذ عدد من التدابير التي عز وجود مثيل لها في التاريخ الأميركي المعاصر ومنها اعلان الطوارئ وصدور أمر لمكتب التحقيقات الفيدرالي بالتحقيق مع أكثر من خمسة آلاف شخص تتراوح أعمارهم بين 18 و 35 سنة وغالبيتهم من الشرق أوسطيين والمسلمين إلى جانب تشكيل المحاكم العسكرية للمتهمين بأعمال إرهابية وتخويل السلطات الأمنية حرية التفتيش والاحتجاز والتنصت. وحول أثر أحداث 11 سبتمبر على السياسة الخارجية الأميركية بصورة عامة وسياسة الولايات المتحدة تجاه الشرق الأوسط بصفة خاصة أشار الدكتور محمد كمال المدرس بقسم العلوم السياسية كلية الاقتصاد والعلوم السياسية جامعة القاهرة إلى أن تفجيرات سبتمبر أدت إلى تغير كبير في الطريقة التي ترى بها أميركا العالم والتي تحدد على أساسها حلفاءها وأعداءها. وحدد كمال أهم ملامح الرؤية الأميركية للعالم بعد 11 سبتمبر في العناصر التالية: ـ الحرب ضد الإرهاب أولوية للسياسة الخارجية مبدأ بوش. ـ توسيع الحرب ضد الإرهاب لتشمل أطرافاً أخرى بعد إسقاط نظام طالبان في أفغانستان، ذكر منها العراق وإيران والصومال واليمن وبعض المنظمات التي الصقت بها أميركا تهمة الإرهاب مثل الجهاد الإسلامي وحزب الله وجيش محمد. ـ إعادة الإرتباط بالعالم وضعف ما يسمي بتيار العزلة الجديد، حيث يرى بعض أنصار التيار المحافظ أن أميركا يجب أن تكون أكثر إرتباطا بالعالم وأن يكون لديها الإرادة السياسية لاستخدام القوة العسكرية ليس فقط للدفاع عن مصالحها الحيوية في الخارج بل أيضا لنشر رسالتها وقيم الحرية والديمقراطية في العالم أو إعادة صياغة العالم وفقا للمبادئ والمصالح الأميركية. ـ العلاقة مع الحلفاء والتصرفات متعددة الأطراف: حيث وجدت أميركا نفسها في حاجة ماسة إلى حلفاء في حربها ضد الإرهاب سواء لتقديم المساعدات العسكرية أو تقديم غطاء سياسي وإضفاء قدر من الشرعية على العمليات العسكرية الأميركية. ويرى كمال أن التحالفات التي دخلت فيها أميركا من أجل مواجهة الإرهاب هي تحالفات مؤقتة ومن أجل أهداف محددة، ولم تشكل أي قيود على الحركة الأميركية، لذا أطلق عليها بعض المحللين اسم تعدد أطراف بالقطعة.