استبقت الحكومة السورية الاعلان عن برنامجها الاصلاحي الوشيك الذي لا تعرف سوى دائرة ضيقة بتفاصيله، بمحاولة معالجة الضغوط الانكماشية في الاقتصاد السوري، بضخ سيولة مالية في السوق تبلغ حوالي 35 مليار ليرة سورية عبر زيادة الأجور. ولقد لجأت الحكومة السورية في تمويل هذه الزيادة الى الطريقة الليبرالية الجديدة السهلة والمعتادة، التي يتلخص مبدؤها مجازيا بالأخذ باليد اليسرى ما تم اعطاؤه باليد اليمنى، وهي زيادة أسعار بعض المواد الاساسية التي تدعمها الدولة في سياق وظائفها الرعوية الاجتماعية، اي سحب الدعم عنها بصورة جزئية ادت مباشرة الى تآكل الزيادة. ولقد كان هذا التآكل مرشحاً لتطور دراماتيكي ذي عقابيل اجتماعية فادحة وباهظة اكثر من العقابيل الراهنة، يدفع كلفتها دوماً أصحاب الدخل المحدود، لولا اضطرار الحكومة مرغمة الى تخفيض صفيحة المازوت في ضوء توجيه الرئيس السوري بشار الاسد. ان الانفاق الحكومي على مجالات الرعاية الاجتماعية المختلفة، بغض النظر عن تدني مستواها وتحكم بيروقراطية متخلفة متعيشة بها، يصل في ظروف تدني نسبة النمو، الى حدود 115 مليار ليرة سورية «يساوي الدولار حاليا حوالي 50 ـ 52 ليرة سورية وربما اكثر احيانا حسب السوق»، ويذهب اكثر من 78 مليار ليرة سورية منها لدعم الوقود والكهرباء والمواد التموينية المدعومة. ويتم تمويل هذا الاتفاق من ريع النفط الذي لا تتجاوز تقديرات عمره العشر سنوات. ومن هنا طال سحب الدعم الجزئي تلك المواد التي تدعمها الدولة مثل مشتقات النفط والكهرباء، والتي يؤدي رفع أسعارها تلقائيا الى رفع فوري لسعر مجمل السلع الاخرى، ويعني ذلك ان الحكومة السورية تعالج العجز الناتج عن الدعم، بتنفيذ التوصيات النمطية لصندوق النقد الدولي، ولكن على الطريقة السورية، اي دون توقيع اتفاقية معه، يشرف البنك بموجبها على برنامج الاصلاح الاقتصادي. لا ريب انه لابد من كلفة للاصلاح الاقتصادي الذي لايزال يراوح مكانه اليوم في خطوات جزئية متناثرة تميز ما بات يسميه البعض باقتصاديات الخوف. غير انه كان يجدر بالحكومة السورية التي يشير عملها الى انها تطرح نفسها كحكومة اصلاح اقتصادي، ان تفصح للناس الذين سيدفعون كلفة هذا الاصلاح، وقبل ان تقدم على مثل هذه الخطوة، عن خطتها في الاصلاح، غير ان الحكومة تصرفت عكس ذلك تماماً، فأخفت بعقلية المنظمة السرية المغلقة خطتها، واستهتر وزير ماليتها الذي تفاءلنا به خيراً في ان يكون مختلفا عن سلفه «التحصلدار»، والذي سبق له ان استقال في خطوة غير مسبوقة من حكومة عبد الرؤوف الكسم رئيس الوزراء الاسبق ، بوعي الناس وكرامته، حين أكد بكل طلاقة تفاؤلية لا نعلم مدى قصده لها حقاً، ان الزيادة «ستسهم في دعم عملية التنمية والخروج بسرعة من الركود الاقتصادي» وان الزيادة لن يقابلها فرض أعباء اضافية على المواطن، واستكملت وزارة التموين هذا الاستهتار بطريقة لا تقيم وزناً لكرامة الناس ووعيهم، حين تفّهت زيادة الاسعار، وأعلنت الضرب بيد من حديد على من يتجاوزها، في الوقت الذي لم تنشر فيه قرارها بزيادة أسعار مادتي الارز والسكر المدعومتين. وربما لم تمارس وزارة سياسة غش المواطن وتضليله فيما يتعلق برزقه وكلفة حياته المتدنية اصلا، كما مارسته هاتان الوزارتان في اول اختبار لهما في حكومة الدكتور ميرو الثانية، بل ان التضارب في التصريحات وصل الى حد ان نائب رئيس الحكومة ورئيس لجنتها الاقتصادية يصارح بالعجز في الميزانية في حين يصرح وزير ماليته بان الموازنة لا تعاني فعلياً من اي عجز، بل تتميز بالوفورات، فأين الحقيقة؟ ان وزارة التموين تعرف ان تحرير السوق الداخلية قد بات شبه كامل، باستثناء مواد محدودة سيشملها التحرير، وان دورها في التسعير هو دور شاهد زور، لانها تحدد السعر في ضوء بيانات المستثمر او الصناعي، فمن اين غضبة بيروقراطيتها على جيوب المواطنين التي تأكل حلاوة بعقل الناس على حد التعبير المصري السديد. ولاأنكى من ذلك ان الحكومة استطاعت ان تقنع اعضاء مجلس الشعب الذين طلبوا استجوابها بقراراتها، وصدرت الصحف الرسمية بان «مجلس الشعب اعتبر الموضوع منتهياً»، في حين ان جمعية حماية المستهلك التي قيل انها قد تلقت دعما كبيراً لعملها، لعبت دور «الأخرس والأطرش». لا يعرف المواطن الى الان فيما اذا تأكد اولئك النواب من كيفية اتخاذ الحكومة لقراراتها، وهل اتخذت هذه القرارات في جلسة للحكومة ام في اللجنة الاقتصادية ام في «غرفة خضراء» ضيقة؟ ان رزق الناس أثمن من ان تتحكم به «غرفة خضراء» محدودة كيلا نقول انها «سرية»، لا يعرف حتى كثير من الوزراء ما يدور في ردهاتها. واذا كانت الحكومة مازالت تحجب عن المواطن الكثير من حقوقه وحرياته الأساسية التي نص عليها الدستور، فان المواطن الذي عاد اليه رهاب السياسة بعد محنة النشطاء الموقوفين العشرة في ربيع دمشق القصير «الذي صوّحت ازاهره من قبل ان ينضج الثمر» لن يعاني الرهاب بشأن حقوقه الاقتصادية والمعيشية. لقد طلب رئيس اللجنة الاقتصادية «وهو كادر شاب أتى الى القيادة والحكومة ليس من صفوف البيروقراطية بل من صفوف المتحمسين للاصلاح» ان يعطى الطاقم الحكومي فرصته لانجاز برنامجه والحكم عليه بعد ذلك، في الوقت الذي يجب ان يطالب حكومته بالشفافية اي العلانية في هذا البرنامج، وان تطرحه على النقاش العلني العام. ان هذا هو من أبسط الحقوق البديهية التي يتم الامعان في هدرها والاستهتار بها، لان الموقف من هذه الحقوق جزء لا يتجزأ من الموقف من قضايا الحقوق والحريات المدنية الأساسية، فإلى أين يسيرون بنا؟.