في 26 مايو الماضي، قام سمو الشيخ حمدان بن زايد وزير الدولة للشئون الخارجية، بزيارة رسمية الى طهران، بناء على تفاهم تم بين الإمارات العربية المتحدة وجمهورية إيران الاسلامية، بعد جمود استمر أكثر من عقد بسبب المواقف الإيرانية المتصلبة تجاه موضوع الجزر، وقد سعدت شخصياً بتلك الزيارة لمسببات كثيرة، أبرزها أنها تأكيد على منهج دولة الإمارات في ايجاد حلول سلمية للمشاكل التي خلقت التباعد بين البلدين، والسعي الدائم للحوار من اجل استكشاف الفرص الممكنة، والتعامل مع المعلقات وفق قواعد القانون الدولي وضوابط العلاقات بين أعضاء الأسرة الدولية، وترسيخ لفلسفة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس الدولة في جعل علاقات دولة الامارات مع الجميع، لاسيما الجيران، علاقات طبيعية لا تكدرها الهموم ولا تكبحها المشاكل. وقد وصف المتحدث الرسمي باسم الخارجية الايرانية بأن المباحثات التي اجراها سمو الشيخ حمدان بن زايد مع المسئولين الايرانيين ودية للغاية، وجرت في جو من التفاهم بين الجانبين، وان زيارة سمو الشيخ حمدان مؤشر على نجاح سياسة الانفتاح وبناء الثقة التي تنتهجها حكومة الرئيس خاتمي حيال دول الخليج. وان الزيارة تنطوي على فرصة استثنائية في هذه الظروف التي تواجه فيها البلدان الاسلامية ضغوطاً متزايدة من جانب اسرائيل وحماتها، وان المباحثات تناولت العلاقات الثنائية وآفاق التعاون في المجالين التجاري والاقتصادي الى جانب تطورات الوضع في الشرق الاوسط وفلسطين. ويقول المراقبون في دولة الامارات بأن ابوظبي ارسلت احد أبناء صاحب السمو الشيخ زايد الى طهران رداً على ما وصفته بالمبادرة الايجابية الايرانية التي ربما تكسر الجمود في حل النزاع القائم بين البلدين حول الجزر الثلاث. كما ذكرت الأنباء بأن سمو الشيخ حمدان نقل للرئيس خاتمي رسالة من صاحب السمو الشيخ زايد تضمنت دعوته لزيارة الإمارات، وأن الرئيس خاتمي قبل الدعوة، ووعد بتلبيتها في وقت لاحق، كما علق سمو الشيخ حمدان بأن المفاوضات اتسمت بالوضوح والصراحة. وجاءت تعليقات المسئولين في دولة الامارات مستقيمة مع فلسفة الامارات التي ترد على أية لفتة ايجابية بأحسن منها، لبناء تصور مشترك في العلاقات تسوده الثقة والتعاون لاستتباب الأمن والاستقرار في هذه المنطقة الحساسة من العالم، وان زيارة سمو الشيخ حمدان تثبت انه كلما تقدمت الجمهورية الايرانية خطوة الى الامام على صعيد العلاقات الثنائية خطت دولة الامارات خطوتين في ذات الاتجاه طالما ان الهدف يتعلق بتطوير العلاقات بين البلدين وتعزيز التعاون بما يخدم المصالح المشتركة للشعبين ويعزز التضامن الاسلامي. وكان وزير الدفاع الايراني الادميرال علي شمخاني قد زار الكويت منذ اسبوعين، وتحدث عن رغبة بلاده في ترسيخ العلاقات الاقليمية مع الجميع، وان ايران لا تضع اي حدود لحوارها حول قضية الجزر، وبإزالة الخلاف من أجل التوصل الى نتائج تخدم البلدين. وقد أعلنت وكالة الأنباء الايرانية مساء 27 مايو الماضي بأن الرئيس خاتمي خلال لقائه مع سمو الشيخ حمدان، عبر عن تقديره لصاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيس دولة الامارات، وامتدح سياسته الحكيمة على المستويين الاقليمي والدولي، وان صاحب السمو الشيخ زايد يحظى باحترام وتقدير كبيرين نظرا للسياسة التي ينتهجها والتي تدعو على الدوام لتحقيق التضامن والتآزر، واشاعة الاستقرار والأمن والعدالة في مختلف ارجاء العالم، وان صاحب السمو الشيخ زايد له مكانة خاصة وعزيزة ليست فقط في الامارات وانما بالنسبة لنا جميعاً في المنطقة وفي العالم الاسلامي. لا نعترض على أن العلاقات الايرانية ـ الخليجية عنصر فعال ومؤثر في الامن الخليجي والإقليمي، وبهذا الادراك سعت دول مجلس التعاون لتحقيق تفاهم اقليمي مع ايران لكن المسيرة أصيبت بعطب بسبب السياسية الايرانية غير المرنة. اولاً: كانت الامارات أكثر دول مجلس التعاون قرباً من ايران، لاسيما خلال الحرب العراقية ـ الايرانية، وكانت الاتصالات بين دول المجلس وايران تتم عن طريق دولة الإمارات حيث فوض القادة دولة الإمارات بسبب روابطها مع طهران، للاتصال بإيران من أجل التفاهم لتخفيف التوتر، خاصة خلال الفترة ما بين 1982 ـ 1988، وهي الفترة التي شهدت تحديات ايران للسيادة الكويتية وتعرضها للممرات المائية فيما يسمى بحرب الناقلات، الأمر الذي أدى الى تقديم شكوى في مجلس الأمن صدر بعدها القرار 552، ثم جاء ليسجل الناقلات بحماية أميركية ادت الى نهاية الحرب مع العراق في أغسطس 1988. حافظت الامارات على قنوات الحوار والاتصال مع ايران لفترة الثمانينيات. ثانياً: تعرضت العلاقات الخليجية ـ الايرانية، الى نكسة اخرى باستيلاء ايران على كامل جزيرة ابوموسى بعد طرد العاملين من قبل الامارات منها، وتضييق الخناق على سكانها، ورفع العلم الايراني على حصة الامارات منها، ثم البدء في بناء منشآت عسكرية ووضع صواريخ وإقامة قاعدة بحرية، وبما يتعارض مع الاتفاق الموقع بين ايران والشارقة عام 1971، وبما يعرض حرية المرور البحري الى مخاطر، وبما يشكل اعتداء على سيادة دولة الامارات. كانت دول مجلس التعاون قبل هذه التطورات، تتواصل مع ايران بشكل جماعي، حيث اجتمع وزراء خارجية دول المجلس مع الدكتور علي أكبر ولايتي وزير خارجية ايران في نيويورك واتفق على مواصلة الآلية الجماعية، غير ان التطورات حول الجزر قتلت هذه المبادرة. ثالثاً: تبنى قادة دول المجلس عام 1987، في قمة الرياض، مباديء محددة، وأهدافاً واضحة، تشكل الأساس للعلاقات المرغوب فيها مع ايران، ابرزها عدم التدخل، وحسن الجوار، واحترام السيادة، وعدم اللجوء الى العنف وحل مشكلة الجزر وفق الاتفاقيات الموقعة، ووقف الحملات الاعلامية.. الخ اللائحة المعروفة، مع وقف الاتصالات الجماعية، والاكتفاء بالقنوات الثنائية. في تلك الفترة تصاعدت مساعي ايران لبث الفوضى في دول المجلس، والتزمت دول الخليج بهذه المباديء، مع تشجيع ثنائي للسلطات الايرانية لتلطيف سياستها وإعلامها ونهجها. كان الرئيس رفسنجاني من الدعاة المتشددين والمرددين لمصطلحات جافة، ولم يكن في وضع يمكن التفاهم معه حول قضايا استراتيجية ذات حساسية بالغة. رابعاً: اتخذت دولة الامارات في تعاملها مع ايران النهج السلمي، بالتفاوض المباشر لحل مشاكل الجزر، واذا فشلت المفاوضات يتم اللجوء الى محكمة العدل الدولية، والتزمت دولة الامارات بهذا الموقف، مدعومة من قبل دول مجلس التعاون، التي تبنت موقف الامارات، ووضعت مشكلة الجزر على جدول اعمال الجامعة العربية، وأثارته في خطبها في الأمم المتحدة، كما أثارته دول المجلس ايضا انسجاماً مع النهج السلمي الذي احتفظت به دولة الامارات، وقد شهدت شخصياً الكثير من المداخلات الايرانية في محافل مختلفة، اخذت طابع الحدة، وتصغير الاهتمام بموضوع الجزر. خامساً: في شهر يونيو الماضي، قام سمو الشيخ حمدان بن زايد بزيارة الى طهران، مبعوثاً من قبل رئيس الدولة صاحب السمو الشيخ زايد بن سلطان، حاملا التهاني بمناسبة انتخاب الرئيس خاتمي للمرة الثانية كرئيس للجمهورية. ومع ان تلك الزيارة تحمل معاني المجاملة، الا انها معبرة، بصدق، عن الثقة في قيادة الرئيس خاتمي، وفي اعتداله وجنوحه نحو التعقل والإنصاف. تقول الأخبار التي رشحت من زيارة سمو الشيخ حمدان، بأن هناك اتفاقاً تم التوصل اليه يتحدث عن عودة الأوضاع في جزيرة ابو موسى الى ما كانت عليه قبل الترتيبات الايرانية التي استولت بموجبها ايران على كل الجزيرة، وان الاتفاق الموقع مع امارة الشارقة مازال ملزماً وان ايران ستعمل وفق بنوده، وان صحت هذه الأنباء فان العلاقات الخليجية ـ الايرانية ستمر بمنعطفات ايجابية، تزيل ما اعترى هذه العلاقات من حذر وارتياب، وستفتح الأبواب لتعاون اقتصادي وتجاري وتحاور سياسي يعود بالنفع على الطرفين. سادساً: ليس من المنطق ان تفرض ايران على دول المجلس الاتفاق مع نظريتها حول الأمن الاقليمي، وليس من الحكمة ان تطرح ايران هذا المنظور، وقد لفت نظري تصريحات وزير الدفاع الايراني خلال تواجده في الكويت في الطلب من الأسرة العالمية ترك الخليج لأهله، وتحويله الى بحيرة محلية خليجية ـ ايرانية فقط، وهو مفهوم لا ينسجم مع واقع الخليج كمنطقة استراتيجية عالمية مرتبطة بالأمن والسلام الدوليين، ولا يلتقي مع مواقف دول المجلس التي ترى في الترابط الأمني مع بعض اعضاء الأسرة الدولية تأميناً لاستقرار المنطقة، وإبعادها عن القلاقل والمشاغبات الثورية. لاشك ان تأنيب الرئيس خاتمي لمجموعة المحافظين في البرلمان الايراني واعطائه نصيحة بعدم تعطيل مسيرة الاصلاح يصب في خانة التعقل. نحن في انتظار تنفيذ بنود الاتفاق الذي توصل اليه سمو الشيخ حمدان في رحلته الناجحة إلى طهران.