الاكتشاف المفاجيء لدى البعض حول غياب الممارسة الديمقراطية، وتعطيل المؤسسات التشريعية والدستورية والقضائية، وسوء الأداء الوظيفي، ونقص المكاشفة ، والمحاسبة والترهل والضعف في البنى والمؤسسات المدنية والأمنية، وكأن الحل السحري يتأتى من خلال إطلاق عملية انتخابية تصحح كل الخلل الحاصل والمتراكم وبضربة واحدة. ولم يعد خافياً أيضاً على كل ذي عين بصيرة، ان هذا الحرص المفاجيء لإحداث الإصلاح قد ترافق أو تولد مع جملة المطالب والضغوط الخارجية والتي تتخذ أبعاداً أميركية وإسرائيلية وحتى عربية، وجميعها لا تستهدف اصلاح النظام السياسي الفلسطيني الذي نقر ونعترف جميعاً بأنه بحاجة ماسة وضرورية للإصلاح والتغيير، بقدر ما تستهدف هذه العملية توظيف النتائج العسكرية للعدوان الاسرائيلي على شعبنا، لفرض تغييرات تمس بنية ومضمون ودور ووظيفة السلطة الوطنية الفلسطينية، ولتتحول بموجبها الى كيان سياسي قائم على كانتونات ممزقة، يسمح بتسميته مجازاً بالدولة، وله وظيفة أمنية محددة، وهي حماية الاحتلال ومستوطنيه، وكل ذلك طبعاً بعد تشريعه. الترويج الان لمطلب الانتخابات بدون التدقيق في جملة من المسائل المهمة يصب في واقع الامر بقصد او بدونه في خدمة تحقيق المخطط المعادي لمصالح شعبنا، فرغم أهمية الانتخابات كآلية مهمة من آليات ممارسة الديمقراطية، وكمدخل لا بديل عنه للاصلاح والتغيير، فان التدقيق المقترح ينبغي ان يشمل النواحي التالية: ـ كيف يمكن اجراء انتخابات حرة ونزيهة وتعبر عن إرادة الشعب الفلسطيني، والعدوان الاسرائيلي مازال متواصل، والانتهاكات لكل الاتفاقيات والمواثيق والأعراف الدولية تجرى كل يوم، وذلك بغية فرض سياسة الامر الواقع على الشعب والقيادة الفلسطينية والمجتمع الدولي، بشكل العلاقة الجديد مع الشعب الفلسطيني التي فرضتها سياسة القوة والعنف، هذه الصيغة الجديدة، تقوم على شكل من أشكال التقاسم الوظيفي بين الاحتلال والسلطة، يصبح الامن للاحتلال، والقضايا المدنية والاجتماعية للسلطة الوطنية الفلسطينية. في هذه الحالة وانطلاقاً من هذه الظروف والمعطيات تصبح الانتخابات المزمع عقدها، لها وظيفة واحدة ومحددة وهي تكريس الامر الواقع الاسرائيلي والتعاطي معه. ـ على اي قاعدة سياسية وتعاقدية ستجري الانتخابات، هل على أساس الاتفاقيات الانتقالية التي جرت بموجبها الانتخابات السابقة للمجلس التشريعي، والتي انتهت مدتها مع انتهاء المرحلة الانتقالية في الرابع من مايو عام 1999، أم على أساس سياسي تعاقدي آخر وما هو، وهل هو خيار تجسيد إعلان الاستقلال من جانب واحد وتحمل تبعات ذلك ومسئولياته، أم على ذات الأسس السابقة، مما يعني تكريس تمديد المرحلة الانتقالية واقعياً، ولأمد غير منظور، مما يعني واقعياً وفعلياً الاستجابة لشكل من أشكال مخطط شارون القائم على حلول انتقالية طويلة المدى، ويصبح هذا الحل هو الحل الأمثل لأنه يقلص الخسائر لأدنى حدود ممكنة. ـ اذا ما حسمت القضايا السياسية تلك، وحدث نوع من التوافق الوطني الأغلبي عليها، بحيث يمكن اجراء الانتخابات، فعلى أي أساس انتخابي ستجري هذه الانتخابات، هل على أساس القانون السابق الذي أعد وصمم لاجراء انتخابات ولمرة واحدة تضمن نجاح أغلبية سياسية من لون سياسي معين، ام سيجري تغيير القانون الانتخابي، بحيث يراعي ثغرات القانون السابق ويقوم على أساس التمثيل النسبي بحيث يضمن مشاركة وتمثيل واسع وعادل لمختلف القوى المشاركة حسب وزنها الفعلي في الشارع، مع الحفاظ على مضمونه ووظيفته التي صيغ وأعد من أجلها. ـ أيضا فيما يتصل بالقضايا الاجرائية، هل صحيح ويجوز ان تكون لدينا لجنة انتخابات دائمة، وهل يجوز ويصح ان تشرف على الانتخابات لجنة انتخابات غير محايدة ومستقلة، وتتكون من رئيسها حتى موظفيها من الحزب الحاكم والقائد، وأحد أعضائها أصبح وزيراً، الا يشكل هذا الأمر مطعناً مسبقاً بجدية ونزاهة الانتخابات، بصرف النظر طبعاً وبدون تشكيك نزاهة رئيس اللجنة وأعضائها. ان جملة هذه القضايا المطروحة للتدقيق والمراجعة والبحث مطروحة للنقاش والحوار وهي بحاجة لأجوبة مقنعة ووافية، لأنه لم يعد مقبولا ولا مسموحا في الاستمرار بسياسة الغموض والتعمية فالوضوح والشفافية هو ما نحتاجه اكثر من أي وقت مضى. منذ فتح ملف الاصلاح والتغيير، وطغى على كل ما عداه من اهتمامات وقضايا تهم الجمهور ومشاكل الناس الحياتية والاقتصادية والمعيشية، بما في ذلك واقع التقاسم الوظيفي الحاصل والمكرس على الارض، الأمن للاحتلال، والوظائف المدنية والادارية للسلطة الفلسطينية. منذ ذلك الوقت استأثر موضوع الحكومة الجديدة وطابعها ومضمونها، وتشكيلها، وكيف يتم التشكيل، ايضا على ما سواه من اهتمامات خصوصا لدى المهتمين، او بمعنى ادق المعنيين بمشروع السلطة الوطنية، وفيه اعتبر البعض ان معيار جدية التغيير هو في طابع الحكومة القادمة، انطلاقا من كونها تشكل الأداة التنفيذية، والتي يعول عليها تطبيق السياسات والاجراءات الجديدة، التي ستعطي المصداقية لهذه التحولات، وتقدم التطمينات للرأي العام الداخلي، وتتجاوب مع المطالب والضغوط الخارجية، بتقديم ادارة جديدة ونظيفة، تسعى لمكافحة الفساد، وتضع قيم الشفافية والمحاسبية على رأس جدول اهتماماتها واولوياتها. في ان البعض الاخر، لا يرى ان المسألة تكمن في تغيير الأشخاص والرموز، ولا في عدد الحقائب الوزارية، بل في المنهج الذي سيحكم هذه الوزارة، وآلية العمل التي ستقوم عليه، وعلى أي اسس مرجعية سوف تستند عليها هذه الحكومة في ظل عدم المصادقة وإنفاذ القانون الأساسي الذي يشكل الأساس والمرجعية للفصل الحقيقي للسلطات، ويوفر مناخا جديا لمساءلة الحكومة ومراقبتها من قبل المجلس التشريعي، هذا علاوة على المصادقة وانفاذ القوانين المقرة من المجلس التشريعي، التي من المفترض ان تشكل اساس عمل الوزارة القادمة. ومع غياب اية مؤشرات تدل على وجهة النظر الثانية، المتصلة بالأساس القانوني والمرجعي لتشكيل الحكومة يبقى الحديث عن وجهة النظر الاولى بدون أي معنى، لان اي وزارة مهما خلصت النوايا، وبلغت سوى الكفاءة والنزاهة للمشاركين فيها، فانه بدون اساس تشريعي وقانوني تستند عليه في عملها فانها سوف تكون في أحسن الأحوال نسخة مكررة عن الوزارات السابقة، ويمتد الحديث حول الوزارة وتشكيلها ايضا في ظل استمرار القفز عن الوقائع السياسية التي يكرسها الاحتلال، وتطرح توصيفات لطبيعة الوزارة القادمة ارتباطا بالمهام الموكلة اليها، في ظل الظروف والمعطيات القائمة، فتطرح على سبيل المثال، تشكيلة وزارة انتقالية، تكون مهمتها تهيئة الظروف والمناخات لإجراء الانتخابات القادمة، والتي في ضوء النتائج التي ستسفر عنها هذه الانتخابات، سوف يجري تشكيل حكومة جديدة تتمخض بمهام الإعمار وإعادة البناء، في حين يضيف البعض ممن يدعون المعرفة ببواطن الأمور والقرب من المطبخ السياسي ومصادر صنع القرار، ان هناك حكومة تكنوقراط، جاهزة ومشكلة وتنتظر الوقت الملائم للاعلان عنها، ويذهب هذا البعض لتحديد مواعيد وتواريخ للاعلان عن هذه الحكومة. لكن يغيب عن بازار تشكيلة الحكومات الفلسطينية، نوع آخر من الحكومات، وهو حكومة الوحدة الوطنية، والتي يرى ممن يدعون لها، انها حكومة يجب ان تعبر عن ائتلاف وطني عريض ما أمكن ذلك من القوى والشخصيات الوطنية المشهود لها بالكفاءة والنزاهة ونظافة اليد، وتقوم على أساس برنامج سياسي اقتصادي اجتماعي واضح، يعالج كل ارث المرحلة السابقة، وذلك استنادا على ما طرحته دروس وعبر الاجتياح الاسرائيلي الأخير لمناطق السلطة الوطنية الفلسطينية، وما أفرزته ايضا من مناخ شعبي واسع، وضع الجماهير الفلسطينية في واد، والحكومة وأجهزتها الأمنية والمدنية التي أصابها الشلل والإنهيار في واد اخر، وانه لضمان نجاح هذه الحكومة في أداء مهامها ووظائفها على مستوى اعادة بناء وهيكلية المؤسسات والوزارات، أم على خدمة الجمهور وحل قضاياه الحياتية والاجتماعية المباشرة، فان هذه الضمانة لا يمكن ان تتوفر سوى بالاستناد على مرجعية تشريعية قانونية واضحة تكفل فصلا حقيقيا للسلطات، وتتيح المجال للرقابة والمساءلة الفاعلة على أعمالها ونشاطاتها، وهذا لا يمكن ان يتم الا باقرار القانون الأساسي، وإنفاذ القوانين والتشريعات الصادرة، لتشكيل الاساس الناظم والمرجعية لعمل هذه الحكومة. ورغم الغياب المفهومي لهذه الحكومة عن بازار تشكيلة الحكومات كما اشرنا، فان هناك اتجاها في الأوساط السياسية والمجتمعية الفلسطينية، لا يعير أية أهمية لتشكيله الحكومة، ولا لطابعها، ومضمونها، وكيف وممن تتشكل، ويرى ان هذه قضية تفصيلية، بينما الأساس لديه هو تشكيل صيغة سياسية وطنية عامة، تشارك فيها جميع القوى السياسية والشخصيات الوطنية، وتأخذ شكل قيادة الطواريء الوطنية، تقود البلاد سياسيا، وعلى كافة المستويات، استنادا على أساس برنامج كفاحي، يستند على مواصلة الانتفاضة والمقاومة، حتى دحر الاحتلال ونيل الحرية والاستقلال. ومع احتدام حالة الجدل والنقاش الداخلي في المجتمع الفلسطيني، والتباين في الاراء والمواقف والتي تتخذ أشكالا متنوعة ومتعددة من مذكرات سياسية لوثائق وطنية، لتشكيل ائتلافات سياسية، وظهور حركات سياسية ومجتمعية، هذه الحيوية التي يتميز بها المجتمع الفلسطيني، والتي تشكل احد ابرز عوامل صموده، وعدم انكساره وتفتيت ارادته امام الهجمات الاسرائيلية المتواصلة، لم تزل هناك جملة من التساؤلات معلقة ولم تجد اجابات عليها لغاية الان، من يتحمل مسئولية المرحلة الماضية؟ وكيف حدث ما حدث؟ واذا كان بالامكان تفادي ما وقع، لماذا لم يتم تفاديه، ومن يتحمل مسئولية ذلك؟ كيف يتم تقييم المرحلة السابقة ووفقا لاية معايير؟ وهل يكفي اعلان الرئيس عن تحمله المسئولية امام المجلس التشريعي مسحا لمسئوليات الغير، وخطاياهم واخطائهم عن المرحلة السابقة؟ واذا ما كان الرئيس يعلن بشجاعة وجرأة تحمله المسئولية وهو يعلم قبل غيره، انه فوق المساءلة، استنادا لتاريخه وشخصيته وقيادته الكارزمية، فلماذا لا يجرؤ آخرون ممن تحملوا المسئولية عن المرحلة السابقة من الاعلان عن مسئوليتهم، أو ان يتقدموا على الاقل باستقالاتهم من مواقعهم على الاقل تعبيرا واعترافا بجزء من مسئوليتهم، ام هل سيكتفوا بتحمل الرئيس المسئولية عنهم؟. وهل يمكن لأية حكومة، مهما كان شكلها وطابعها او لقيادة سياسية، سواء أكانت طواريء، أو دائمة، او أي شيء، تحمل مسئولياتها في ظل ظروف ناشئة وجديدة، وبدون ان تصفي حساب المرحلة الماضية، او على الأقل تستخلص الدروس والعبر منها، لتشق طريقا ومنهجا جديدا. لقد بدى الأمر ان ملهاة الحكومة وتشكيلها والخلاف والاختلاف على طابعها ومضمونها ووظيفتها، انتقالية تكنوقراط، ائتلافية وطنية، او الى ما هناك من تسميات، هو صرف الانظار عن مطلب المراجعة والمحاسبة، وامتصاص لحالة الاحتقان، المتولدة بالشارع الفلسطيني عن الكوارث التي خلفها الاحتلال. وللخروج من الدوامة التي تستدرج الجميع للولوج في دوائرها المفرغة، ينبغي، وقبل كل شيء، اطلاق حوار وطني جدي وعلني، تحدد فيه القضايا بكل دقة وموضوعية، ويفسح المجال للجميع المشاركة والمساهمة فيه، وعلى قاعدة ليست ديمقراطية الرأي فحسب، وانما ديمقراطية الالتزام بما يجري الاتفاق والتوافق عليه وعلى قاعدة الاغلبية والاقلية، وما دام الاحتكام لديمقراطية صندوق الاقتراع ولأمد غير منظور، غير ممكنة، والى ان يتحقق ذلك فان قاعدة الاتفاق والتوافق والالتزام، وعدم استفراد اي طرف بالقرار الوطني واخضاعه لبرنامجه الخاص، تبقى المحك لمدى الاخلاص لقضية شعبنا ومصلحته العليا. وحينئذ، وفي ضوء ما يمكن ان يتحدد من قضايا واولويات قد يجري الاتفاق او الاختلاف عليها، فان الصيغ السياسية التي ستتولد عن ذلك الاتفاق او الاختلاف هي التي ستحدد شكل ومضمون وطابع الحكومة الفلسطينية القادمة وبرنامجها ومهامها.