عند نشر هذا المقال تكون نتائج الانتخابات النيابية الفرعية في منطقة المتن اللبنانية قد اعلنت وتبين الرابح من الخاسر، مع ترجيحي ربح ميرنا المر على عمها غبريال المر. وبمنأى عن النتائج، فما يهمني هي الانتخابات بحدّ ذاتها والتداعيات التي رافقتها. فقد اظهرت الانتخابات مدى الانقسام داخل العائلة الواحدة، والمعارضة الواحدة، وبالطبع ما بين الحكم والمعارضة. فالانقسام داخل العائلة الواحدة بات سمة من سمات الانتخابات النيابية في لبنان. ويكفي ان ننظر على سبيل المثال الى منطقة المتن لنلحظ بسهولة انقساماً حاداً جدا داخل عائلة لحود بين اميل لحود وابن عمه نسيب لحود، وانقساماً اكثر حدة داخل عائلة المر بين ميشال المر وشقيقه غبريال المر، وانقساماً يمتزج فيه العائلي والحزبي داخل عائلة الجميل بين امين الجميل وابن عمه بول الجميل. وكثيرا ما تكون الانقسامات داخل العائلة الواحدة اشد هولاً وقساوة من الانقسامات بين الاحزاب او الطوائف، ففي انتخابات المتن لجأ الفرقاء الى قاموس لم تألفه الحياة السياسية من قبل. وقد وصلت الاتهامات المتبادلة الى حدود فتح ملفات شخصية وخاصة بعيدة عن الشأن العام واهتمام الناس وهمومهم. لكن اللبنانيين، كغيرهم من الشعوب، يتتبعون بكثير من الشغف اخبار الخلافات العائلية والفضائح وما تحمله من إثارة تنسيهم الى حين مشاكلهم اليومية الضاغطة. اما انقسام المعارضة المسيحية فيما بينها فيشكل السمة الاخرى التي لابد من التوقف عندها فمنذ عام ونيف قام تجمع من الاحزاب والشخصيات المسيحية برئاسة المطران يوسف بشارة عرف باسم «فرنة شهوان»، وهي قرية من قرى المتن حيث يقيم المطران. واكتسب هذا اللقاء اهمية خاصة لانه جرى تحت رعاية البطريرك الماروني مارنصرالله بطرس صفير، وفي ظل توجهاته السياسية وقد شكل هذا اللقاء نواة المعارضة المسيحية المطالبة بانسحاب الجيش السوري، وارسال الجيش اللبناني الى الحدود مع اسرائيل، وتفكيك «حزب الله». وعصفت انتخابات المتن بهذا اللقاء فانقسم ثلاثة: من جهة التيار العوني وحزب الوطنيين الاحرار وامين الجميل ونسيب لحود ايدوا غبريال المر، ومن جهة اخرى الكتلة الوطنية وجبران تويني وبطرس حرب ايدوا غسان مخيبر، ومن جهة ثالثة بكركي والقوات اللبنانية اعلنا انهما على الحياد بعد فشل مساعي التوافق على مرشح تزكية. وفي اعتقادي ان الحكم ربح الجولة الاولى لمجرد بروز المعارضة منقسمة ومتخاصمة. وقد يربح الجولة الثانية بالحاح مرشحه. لكن المعارضة تحاول ان تحقق نقاطاً في السياسة في حال لم تحقق النتائج التي ترجوها في الانتخابات. وقد تعمدت ان تظهر بمظهر المدافع عن الحريات العامة والديمقراطية مقابل الحكم الذي تتهمه بأنه يحاول القبض على الحريات وتطويع الاصوات غير الموالية له. غير اني ارى ان المعارضة لن تتهاوى بعد انتخابات المتن كما يشتهي الحكم، وان الحريات والديمقراطية ليست في دائرة الخطر كما تزعم المعارضة. واتوقع ان يعود اركان «فرنة شهوان» الى الاجتماع ولكن على خلفية حذر كل واحد تجاه الاخر، وعلى خلفية اقتناص اول فرصة للانقضاض على الحليف اللدود. اما الحريات فهي متوافرة بنسبة مقبولة في لبنان، والدليل ان السلطة لم تتعرض لاي معارض ولم تمنع اي وسيلة اعلامية من شن الحملات العنيفة عليها. وعلى الرغم من غياب البرامج السياسية والخيارات الحزبية، وعلى الرغم من كل السلبيات البارزة على اكثر من صعيد، فان مجرد اجراء انتخابات حرة ونزيهة ولو نسبياً، هو بحد ذاته مكسب ما بعده مكسب. فأسوأ الديمقراطيات هو افضل من أحسن الديكتاتوريات. وخصوصية لبنان انه وطن الحريات والديمقراطية، والباقي تفاصيل تتطلب الكثير من الجهد والتحسين. الانتخابات على ما يشوبها من شوائب كثيرة تبقى هي الحل الذي لا حلاً بديلا عنه. وضراوة الانتخابات لا تمنع انها حلوة. ولا يدرك الانسان قيمة الانتخابات الا حين يفقدها. واللبنانيون مجمعون على التمسك بالديمقراطية والحريات والانتخابات مهما كان الثمن، ومهما تكن ضراوتها.