ينقلنا هذا الكتاب إلى ما وراء اللحظات الحاسمة للهجوم على المركز التجاري العالمي في نيويورك ومبنى «البنتاغون»، ويبرر معطيات التهديدات الجديدة التي تتعرض لها الولايات المتحدة والتي تعتقد واشنطن أنها ستكون الأكثر خطورة. وعلى الرغم من البيانات المتلاحقة للادارة الاميركية حول انتصاراتها العسكرية في افغانستان وما تسميه بالرد «الشجاع» على أحداث سبتمبر فإن الفصل الأخير الجوهري لهذا العمل ليس نهاية المطاف بل حلقة من سنوات مقبلة تحمل في طياتها أحداثاً أكثر خطورة. يلقي هذا الكتاب الضوء على الدور المهم لدول الشرق الأوسط الذي تعول عليه أميركا كثيراً في حربها ضد الارهاب ومخاوفها من تعرض الثروة النفطية لعمليات ارهابية، ويؤكد على ضرورة نشر قوات أميركية مدربة تدريباً خاصاً على شكل فرق ترتدي الألبسة المدنية ويتقن أفراد منها اللغة العربية للقضاء على خلايا (الإرهاب) والتدخل في عمليات سرية ضد تنظيمات في المنطقة. انضمت روسيا الى الدول المنددة بهجوم 11 سبتمبر 2001 واكدت مساندتها الفعلية للغرب في مقاومة «الارهاب» وجاء على لسان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال كلمة القاها في 24 سبتمبر عام 2001 في معرض تأييده للعملية العسكرية الأميركية على افغانستان. ان: الاتحاد الروسي يقاتل الارهاب منذ وقت ليس بالقصير، معتمدا على مصادره الخاصة، وقد كرر حثه للمجتمع الدولي على الانضمام الى هذه الجهود. ان موقف روسيا لم يتغير، ونحن بشكل طبيعي، لا نزال على استعداد للاسهام بالكفاح ضد الارهاب». وجاء الرد الأميركي مرحبا بالموقف الروسي على لسان اري فلايشر، السكرتير الصحافي للبيت الابيض في 25سبتمبر 2001. وجاء في التعليق الرسمي الأميركي: «يرحب الرئيس بوش أشد الترحيب بعرض الرئيس بوتين اقامة تعاون حقيقي للاشتراك في مكافحة الارهاب الدولي».. ويرغب الرئيس في ملاحظة تعليقات الرئيس بوتين حول الوضع في الشيشان الذي دعا فيه المتمردين الشيشان الى الابتعاد فورا عن شبكات الارهاب الدولي لاجراء مباحثات لانهاء الازمة في الشيشان. ان القيادة الشيشانية مثل اي قيادة عالمية تتحمل المسئولية ينبغي عليها فورا بدون شروط ان تقطع جميع صلاتها مع مجموعات الارهاب الدولي مثل اسامة بن لادن وتنظيم القاعدة. قبيل احداث 11 سبتمبر 2001 وصلت العلاقات الروسية الأميركية الى طريق مسدود بين الصداقة والعداوة. وجاء الرئيس بوش الى الرئاسة متعهدا باقامة علاقة صداقة مختلفة ونوعية مع روسيا تزيل كل الشكوك والتنافس العالق منذ نهاية الحرب الباردة. وبصرف النظر عن الكلام المعسول الذي يفيض طراوة خلال اللقاء الأول بين الرئيسين بعد عامين من قيام الناتو باستخدام القوة في كوسوفو الذي عارضته موسكو بقوة، وكان الجليد لا يزال عالقا في الاجواء. وكانت لا تزال قضايا عالقة بين الجانبين بخصوص ابرام معاهدات الاسلحة البالستية والدفاعية ضد الصواريخ وسائل حول توسيع عضوية الناتو المستقبلية. فضلا عن الشكوك العالقة الخاصة بأهداف العلاقة المستقبلية مع روسيا. ولكن هل تغير كل ذلك بعد الـ 11 سبتمبر؟ هل دخلت الولايات المتحدة أخيرا مرحلة جديدة مثيرة في التعاون مع روسيا خاصة بين قوتيهما العسكريتين الذي كان هدفا للبلدين منذ نهاية الحرب الباردة. وبعد عشر سنوات من تفكك الاتحاد السوفييتي، هل يمكن للارهاب ان يكون العدو الذي يجعل من روسيا والولايات المتحدة، اذا لم يكونا صديقين وليس بدقيق العبارة حليفين، شركاء ائتلاف وتعاون ضد تحد عالمي مدمر؟ هكذا تكلمت موسكو خلال التسعينيات، انهمكت روسيا في مناقشات تخص المصالح القومية وأولويات السياسة الخارجية وطبيعة التهديدات الأمنية التي واجهتها. واظهرت السياسة الخارجية الروسية والسياسات الأمنية وضوحا اكبر تحت قيادة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مقارنة بسلفه يلتسين، واحتلت قضية ضعف الاقتصاد الداخلي باصرار رأس قائمة التهديدات للأمن القومي وتبع الارهاب الدولي باصرارواصبح من أهم الامور التي تشكل مصدرا خارجيا للتهديد. ما لبث مسئولون كبار في الحكومة الروسية، وعلى رأسهم بوتين نفسه، ان دعوا الى ضرورة التعاون الأميركي الروسي منذ الارهاب الدولي ويفترض ان اي دولة منفردة لن تتمكن من هزيمة الشبكات الكثيرة التي تنفذ عبر ثغرات حدودية فتصدر ارهابيين متعصبين يقتلون مدنيين بدون حساب ويلقون بأنفسهم الى التهلكة. وفي اعقاب هجمات 11 سبتمبر رأى الكثيرون في روسيا على الاقل والبعض في الولايات المتحدة ان واشنطن تتفهم الآن ما عانته روسيا العام 1999 عندما نسفت عدد من المباني السكنية مما ادى الى مصرع ما لا يقل عن 300 شخص. تبين لاحقا انه من فعل المافيا الروسية ودوائر خاصة متنافسة داخل الحكومة الروسية. وتواجه روسيا خطر الارهاب الذي يظهر على شكل صراعات وعدم استقرار يمتد عبر جبال طاجكستان والى مياه البحر الاسود ويطال دول آسيا الوسطى ومنطقة القفقاس ليشكل هذا التهديد قوسا مشتركا من عدم الاستقرار ينبع في ضعف روسيا وانتشار الاصولية الاسلامية. ويقيم اعضاء من تنظيم القاعدة في الاراضي الشيشانية منذ سنوات عدة ويواجه الروس حربا مستمرة مع المتطرفين العرب الراديكاليين على ارضها. وعلى الرغم من ان العدد الدقيق يصعب جدا تحديده رسميا فان هذه الشبكات يبدو انها وصلت روسيا في الفترة ما بين نهاية الحرب الشيشانية الاولى في العام 1996 وبداية الحرب الشيشانية الثانية في اكتوبر 1999. وضاعف المتطرفون العرب اعدادهم خلال الحرب الثانية ومنذ ذلك الحين نجحوا في ايجاد متطوعين وضخوا اموالا الى الشيشان واحيانا بمساعدة عناصر نافذة في منطقة الخليج. كان القادة الروس والجمهور الروسي مبادرين في التعبير عن مواساتهم للولايات المتحدة بعد هجمات 11 سبتمبر. ولكن الحكومة الروسية تجاوزت كل الاماني بتوفيق معلومات استخبارية عن صلات بن لادن وانشطته فضلا عن معلومات تفصيلية عن الوضع داخل افغانستان انتظارا لخيارات عسكرية مستقبلية واستقبلت واشنطن هذه التحركات التي تمت سرا وراء الكواليس استقبالا حسنا من واشنطن واعتبرت انها تمثل ايماءات فعلية وصادقة للتعاون. لكن التعليقات الروسية العلنية غلبتها نبرة الرضا عن الذات وبأنهم على حق في حربهم على الجبهات وانهم حملوا على كاهلهم عبء التصدي للارهاب الدولي وحيدين الى حد كبير بينما واصلت تحذيراتها الى الغرب الراضي عن نفسه والمضلل في ان ينتبه الى الخطر المتصاعد. وهناك ايضا تذمر بين الجنرالات الروس حول القوات العسكرية الأميركية المتواجدة في البوسنة وكوسوفو وهي تقوم بكامل اسلحتها بعمليات حية على مقربة من الحدود الروسية. الآن وبينما تركز الحملة الدولية على افغانستان فان مشهد التجارب المرعبة والفشل السابق خلال المرحلة السوفييتية يجعل روسيا بالتأكيد تستعد للتغلب على مخاطر عدم استقرار اعظم وضغوط اللاجئين في آسيا الوسطى، وروسيا ليست بلدا يقع على الجبهة الافغانية مباشرة، لكن قواعدها السابقة هي مكملة لمتابعة الحرب، ونظرا لقرب روسيا وتاريخها الحديث، فانها لن تكون محصنة في هذه المخاطر. ومن المعروف أن 15 في المئة من سكان روسيا هم من المسلمين «غير دول اسيا الوسطى» وفيما تتراجع نسبة المواليد السلاف، فان النسبة ستتضاعف بصورة جوهرية، وعلى الرغم من تصرفاتها الوحشية في الحرب ضد الانفصاليين الشيشان ووصفها للارهاب الدولي بأنه جوهر المشكلة، فان روسيا تصر على عدم تعرضها لتهديد اسلامي ذاته، بل فقط من قبل متطرفين. وتجرب روسيا منذ سنوات صياغة تصريفات وتمييزات مماثلة في حربها ضد الاصولية الاسلامية المحرضة على الارهاب الذي تخوض ضده الولايات المتحدة حملتها وتسعى لاستغلاله استغلالا دقيقا. ولكن صراعا دوليا يضم العالم المتطور ضد اقطار اسلامية فقيرة ومجتمعات باتجاه خطورة تنشيط الهوية الاسلامية ضد القومية السلافية والارثوذكسية والروس الأوروبييين. ويتوقع ان تتعقد العلاقات، المتوترة اصلا، بين الحكومة المركزية والاقاليم الاثنية بصورة اكبر بنهوض الهوية الاسلامية، وفي تاتارستان تم الاعلان عن قلق رسمي وشعبي ازاء دعم روسيا لعمليات عسكرية أميركية في افغانستان تقتل المسلمين الابرياء. ويضاف الى هذه الهموم الاقليمية الخاصة بالفقر والتطرف الديني والقمع السياسي وعدم الاستقرار الداخلية، الوضع الجغرافي السياسي المتأزم. فالمقاطعات السوفييتية السابقة التي تمتد في اوزبكستان الى قيرغيزستان على طول الحدود الجنوبية للاتحاد الروسي غنية بالمصادر، وهي ايضا مشحونة باحتمالات انتشار عدم الاستقرار. والمساحة الاوسع لهذه الاراضي الشاسعة لا تحتوي كثيرا على مساحات خصبة، ولكنها تشكل الحصص الجوهرية لقاعدتها الصناعية. والاكثر من ذلك أهمية ان منطقة بحر قزوين واسيا الوسطى هي مصادر مهمة لروسيا والتركمان وثروة الغاز والنفط الاذربيجاني، كما قد تشكل فوائد جمة بالنسبة لاقطار اخرى في المنطقة للاستفادة من طرق النقل ايضا. وعلى الرغم من ان روسيا لا تعتمد على تصدير الطاقة مثل بعض جيرانها من الدول السوفييتية السابقة فان مستقبلها الاقتصادي اصبح يعتمد على تصدير الطاقة والتجارة. وعلى ذلك فان لروسيا مصالح امنية قومية حيوية واقتصادا مركزيا في الاستقرار الاقليمي ومواصلة الاتاحة لها لدخول المنطقة. واذا كانت روسيا انجذبت الى فكرة مساعدة الأميركيين لها لاستئصال شأفة التهديد الارهابي، ولكن ليس على حساب منافستها في المنطقة من قبل لالوجود العسكري والاقتصادي والسياسي الأميركي. وتحتاج روسيا من الولايات المتحدة ان تقضي على ابن لادن وتنظيم القاعدة لكنها ترغب منها القيام بذلك بطريقة لا تسهم فيها باثارة عدم الاستقرار والتطرف الموجود اصلا هناك. ولا تسعى روسيا فقط لتعزيز التعاون في تحقيق الاهداف الأميركية بل الى شراكة في تحديد وتنفيذ تلك الاهداف. وسيثبت ذلك صعوبات جمة لأنه على الرغم من الاشتراك الظاهري للمصالح الأميركية الروسية في القضاء على الارهاب والصلات الحقيقية بين ابن لادن وافغانستان والارهاب الاقليمي والشيشان الا ان هناك اختلافات كبيرة ايضا اقلها هو التفاهم بالضبط من ينبغي ان يعرف بأنه ارهابي. واكثر من ذلك فان الولايات المتحدة وروسيا لم تمضيا عقد التسعينيات في استثمار آلية التعاون الأمني خارج نطاق البرامج الأميركية للمساعدة على تفكيك وتأمين الأسلحة السوفييتية النووية وموادها. وتبدي أصوات قوية من نخبة الأمن والجيش الروسيين ظنونها بقوة من ان الولايات المتحدة ترغب في الدخول الى دول آسيا الوسطى على قاعدة دائمة وتنوي ازاحة روسيا وطردها من المنطقة. وحتى الآن خسرت هذه النخبة في موسكو النقاش حول تحديد التوجه السياسي لأن اعلان الرئيس بوتين يوم 24 سبتمبر ان روسيا ستمنح الاميركيين حق التحليق فوق اراضيها للقيام بمهام انسانية خلال العمليات داخل افغانستان يعد خطوة مهمة. وكذلك لن تحاول روسيا اقصاء الولايات المتحدة ولا اجهاض مهمة مكافحة الارهاب ولم تحاول ايضا الضغط على جاراتها الجنوبيات لرفض التعاون مع الولايات المتحدة في نطاق السماح لها بدخول تلك الدول وقواعدها لتنفيذ جهدها العسكري في افغانستان. ومن المهم جدا ملاحظة ان الدعم قيس وأعد بدقة. ولكن الحكومة الروسية لم تفتح اجواءها وأجواء آسيا الوسطى أمام مهام أميركية غير محدودة ولم تعلن تخصيص قوات روسية للمشاركة في الحملة. وفي المدى النهائي فان روسيا واقطار دول الاتحاد السوفييتي السابقة في المنطقة تبدي اهتماما بالدور الصيني. ففي السنوات الاخيرة انضمت الصين الى روسيا وكازاخستان وطاجكستان واوزبكستان وقيرغيزستان لتشكيل منظمة تعاون شنغهاي بهدف توحيد الجهود لضرب «الارهاب والانفصالية والتطرف» في منطقة آسيا الوسطى. وعلى الرغم من هذا التعاون فان روسيا ودول آسيا الوسطى تحافظ على رقابة دقيقة للسياسة الصينية في المنطقة وعلى تواجدها هنا ايضا. وفيما تنظر الصين الى دول آسيا الوسطى باعتبارها حلا محتملا لطلبها المتزايد للطاقة فانها قد تصبح ايضا لاعبا اكثر انغماسا في شئون المنطقة. وهناك ايضا شكوك واضحة حول الصين الناهضة وماذا يعني ذلك بالنسبة للتنافس المحتمل من اجل ايجاد نفوذ لها في آسيا الوسطى. ووفقا للمفهوم الاقتصادي فانه بينما تصبح الصين سوقا لمنتجات ومواد أولية في آسيا الوسطى فان دولا اخرى في المنطقة ومنها روسيا ستعد نفسها لتستفيد من هذا الوضع. لكن واضعي الاستراتيجيات الروس لا يخفون مخاوفهم في ان تسهم الصين في تغذية مشكلة الحماس الديني في آسيا الوسطى. وينظر الى اقليم زينجيانغ مع الصيني على انه مصدر محتمل لعدم الاستقرار الاقليمي الذي قد يضاعف الاتجاه سوءا بسبب تحركات الجماعات المسلحة والمعارضة المسلحة عبر الحدود. وتبقى النخبة السياسية الروسية منقسمة على نفسها حول الدور الاقليمي الصيني. ان وجود نشاط صيني يخلق فرصاً للتعاون والتجارة ولكنه يوجد ايضاً قوة منافسة متزايدة في منطقة تبدو فيها روسيا ضعيفة. ويغذي قرار بوتين بالتعاون مع الولايات المتحدة ايضاً التصميم للعب دور في توجيه الحرب والدور المتوازن المتصاعد للصين، ولكي يكون لروسيا قول في التدريبات الامنية الاقليمية، في المدى الطويل الامد. حدود التعاون الاميركي ـ الروسي تلقت الولايات المتحدة، على المدى القصير، دعماً لاشكال متنوعة ومحدودة من استخدام اجواء وقواعد روسية وفي اقطار اسيا الوسطى. ومن المرجح ان يستمر هذا الدعم، للعمليات ضد اسامة بن لادن و«القاعدة»، اذا بقيت الاهداف محددة ومحدودة، وحتى توسيع متزايد لتوجيه عمليات متتالية مؤثرة. كما اتخذت روسيا دوراً مؤثراً في اعادة امداد التحالف الشمالي. ولعل تعزيز القوات الروسية في طاجاكستان يتصل بصورة اكبر باهتمامات موسكو بأمن الحدود الافغانية الطاجيكية المشتركة اكثر منه توفير دعم عسكري للتحالف في افغانستان، وتعمد الحكومة الروسية الى التأكيد الدائم على عدم تورط قواتها في افغانستان. وسيكون تركيز ودعم القوات الاميركية على المدى المتوسط فعالاً للتعامل بفعالية مع القوات المسلحة الداعمة والمدعومة من قبل بن لادن وشبكته. وكما اوضح القادة الاميركيون فإن الحملة العسكرية في افغانستان ستمتد شهوراً، وحتى لسنوات، ولا شك فإن القواعد في البلدان القريبة، التي ستنطلق منها القوات المتحركة لدخول افغانستان، ستكون جوهرية. وهناك احتمال كبير ان تستبعد روسيا مستقبلاً من ان تكون داعماً فعالاً، على الرغم من ان القواعد والمرافق الروسية قد توفر اسناداً، لكن الدعم الروسي المباشر سيكون مهماً في طاجاكستان لأن الحكومة الطاجيكية تعتمد على روسيا، وسيكون استمرار دعم روسيا لحقوق الطيران فوق اراضيها، والمستوى العام للدعم السياسي لجهود واشنطن في المنطقة، فعالاً في الحملة ايضاً. اما المكسب الاول والثاني الذي يمكن ان توفره روسيا في المديين المتوسط والطويل فهو التعاون الاستخباراتي. فقوات روسيا المسلحة لها تجربة طويلة ومريرة في القتال في افغانستان ذات الاراضي الوعرة فضلاً عن علاقاتها مع الحلفاء الشماليين (المجاهدون السابقون) الذين قاتلوا ايضاً في افغانستان طوال السنوات العشرين الماضية. ولعل التعاون الاستخباراتي الوثيق هو الثمرة المفيدة المباشرة لاحداث 11 سبتمبر. وتحتاج الولايات المتحدة لمعرفة حدود الاستخبارات الروسية التي ليس بالضرورة ان تكون شاملة وغير منحازة وغير معالجة وعلى سبيل المثال اثبتت الاستخبارات الروسية خلال القتال في الشيشان انها غير كافية على الرغم من تعاون عناصر في القيادة الشيشانية مع الحكومة الروسية وغالباً ما تتعرض القوات الروسية في الشيشان لمفاجآت في ارض المعركة وعجزها عن التعرف على الاشخاص المقاتلين بكفاءة وفعالية وهو عامل اسهام في استخدامها القوة العشوائية وعملياتها التطهيرية التي ارعبت وقتلت العشرات من المدنيين اكثر من المقاتلين ولذلك فإن التعاون الاستخباراتي بين الولايات المتحدة وروسيا ينبغي ان يكون دقيقا ومركزا. اتى دعم الرئيس بوتين للحملة الاميركية من الارهاب في بيانه المعلن يوم 24 سبتمبر من مواجهة معارضة قوية من قبل النخبة العسكرية. لم يكن قراره باحتضان المصالح المشتركة مع الولايات المتحدة في هزيمة شبكات الارهاب من مصدر انساني وليس ايضاً بدون اسس. بل كان الموقف ينبع من مصالح ذاتية واتجاهات في السياسة الخارجية تطورت خلال العامين الماضيين. ما لبثت السياسة الخارجية الروسية منذ بعض الوقت تبين اسس تعاون مع اوروبا. كما ان حكومة بوتين، على اثر هجمات 11 سبتمبر عمدت الى متابعة بحث عضويتها في منظمة التجارة العالمية والتوصل الى اتفاق تفاوضي حول قضية الصواريخ الدفاعية والخفض الحاسم للقوات النووية الاستراتيجية، كما بدأت سياسة بوتين تجاه حلف شمال الاطلسي اكثر براجماتية خلال صيف العام 2001 عندما شاركت حكومة بوتين بصورة رسمية وغير رسمية حول مسألة عضوية روسيا في الحلف. وبعد هجمات 11 سبتمبر مباشرة افترض محللون ان الرئيس بوتين قد يطلب توسيع حلف الناتو كثمن لتعاون روسيا من اجل مكافحة الارهاب، لكن بوتين فاجأ الرأي الدولي بتليين موقف حكومته وتوجهها ازاء ذاك التوسع والواضح ان القلق ازاء الناتو لايزال يراوح في مكانه ويلعب دوراً في الحسابات الروسية، وتحاول روسيا بطرق شتى تحريك موقف دولي الامم المتحدة ومجلس الامن للحصول على موافقتهما بخصوص جميع العمليات بدءاً من الضربات العسكرية الحالية الى الجهود الاخيرة الخاصة بمساعدات الاغاثة الدولية وبناء امة (افغانستان) ولا حاجة للقول فإن الرعاية الدولية ستعارض الموقف الروسي. واثبتت الرغبة الروسية انها تعمل نشطة في اطار المجلس الدائم المشترك لاصدار رسالة دعم للحرب ضد الارهاب. ومن المثير للاهتمام ان المسئولين الروس، لبعض الوقت، مالبثوا يذكرون الناتو انه ينبغي التركيز على الارهاب بصفته تهديداً. وقال بوتين بلسانه ان احداث نيويورك وواشنطن اثبتت ان على الحلف الدولي تكريس جهوده لمكافحة الارهاب، وليس قصف كوسوفو. وعلى نقيض موقف روسيا الفاتر تجاه قيام الناتو بحملة كوسوفو فقد قام كل من بوتين وسيرجي ايفانوف وزير دفاعه بحضور اجتماعات الناتو في بروكسل لاظهار الاستشارة والتعاون اللذين يتعارضا مع الفتور السابق من قبل روسيا تجاه موقف الناتو الذي عارضته موسكو. وفي اثناء زيارته لألمانيا في اواخر سبتمبر العام 2001 احجم بوتين عن شجب توسيع عضوية «الناتو» وبدلا من ذلك دعا الحلف الى التركيز على التوسيع الممكن الاعرض كجانب من تطور الحلف باتجاه البيئة الامنية الجديدة.. وعلى الرغم من انه لم يدع صراحة من اجل حلف يرحب بعضوية روسيا فإن خياره في التأكيد على تشجيع حلف ناتو اوسع ناجم عن اصوات مؤثرة كثيرة في روسيا واوروبا والولايات المتحدة وهو ما اثار احتمالات انضمام روسيا الاتحادية للحلف. والاكثر من ذلك اثارة قيام الحكومة الروسية في اواخر اكتوبر 2001 بالتباحث مع الناتو حول امكانية مساعدة الحلف لروسيا باعادة هيكلة الجيش الروسي. والحقيقة ان الشكل المقزز للمؤسسة العسكرية الروسية كان واحدا من العوامل الجوهرية التي شوهت السياسة الخارجية، وابعدت روسيا عن التحديات الامنية الحقيقية التي تواجهها البلاد. واصرت المؤسسة العسكرية الروسية على التركيز على الولايات المتحدة كتهديد رئيسي وفقاً لمصطلحات الحرب الباردة وبقيت عقبة في وجه التعاون العسكري. ومن المؤكد ان الرغبة الروسية في الانضمام الى الناتو في جهد مشترك لاعادة هيكلة القوات الروسية هي فرصة ثمينة وغير عادية للتغلب على عقبة كبيرة كأداء امام التعاون الشامل والاندماج مع الغرب.وفي ضوء حالة القلق الروسي الشديد من قيام الولايات المتحدة باضعاف نفوذ روسيا في منطقة اسيا الوسطى فإنه من المنطقي ان يستنتج الرئيس بوتين ان الطريقة التي تجعل روسيا تنضم الى الولايات المتحدة للقيام بمهمة فعالة في مكافحة الارهاب هي دفع روسيا للاقتراب حثيثاً من «الناتو». ويفترض ذلك ان روسيا تكون اكثر قلقاً من مهام «الناتو» من حدودها. معضلة الدمار الشامل ان جانباً من الجهد الذي تبذله الولايات المتحدة لدرء اية هجمات ارهابية مستقبلية، قد تكون بالغة الخطورة ومدمرة، هو تعزيز عدم انتشار اسلحة الدمار الشامل والاشتراك في جهود دولية للحيلولة دون انتشارها خاصة في روسيا حيث مصدر الخطر النووي الرئيسي فضلاً عن مخاطر الاسلحة الكيماوية والبيولوجية ومعرفة اسلوب الوصول اليها. ومثل هذا الخطر الداهم ينبغي التعامل معه في اطار الحماس الجديد والاحساس المشترك بالتهديد الذي تتعرض له كل من روسيا والولايات المتحدة في آن واحد. ينبغي على الولايات المتحدة وروسيا بالتحديد ان يعملا سوياً على توسعة وتعميق التعاون الخاص بمنع انتشار اسلحة الدمار الشامل وترسيخ برامج من نمط نون لوجار. وعند النظر لتفعيل هذه البرامج وبرامج اخرى لتقليص التهديدات فإن على الولايات المتحدة الاخذ في الاعتبار ما روج له في الماضي وما هي الصيغ التي نجحت ومالم ينجح والاسباب. وينبغي على الولايات المتحدة ان تسعى لتوسيع هذه البرامج في ضوء هجمات 11 سبتمبر والهجمات الاخيرة بالانتراكس (الجمرة الخبيثة) داخل الولايات المتحدة والمخاوف من احتمال استخدام مواد جرثومية اكثر خطورة وان تجد هذه المواد طريقها الى يد الارهابيين. كما ينبغي على الحكومة الاميركية بالتحديد، ان تحث روسيا ان تكشف بالكامل عن حجم وتكوين مخزوناتها من اسلحة الدمار الشامل المكدسة منذ الحرب الباردة وهي شيء تكره موسكو القيام به منذ زمن بعيد. وينبغي على الولايات المتحدة والاخرين فحص اساليب مساعدة روسيا في تسريع تدمير المخزون الهائل من اسلحة الدمار الشامل وتعزيز امن ما يتبقى من المخزون والمرافق الخاصة به. كما استعادة الامن على الحدود الروسية وعلى نظام التحكم بالتصدير. كما ينبغي على الولايات المتحدة استطلاع وسائل توسيع التعاون الحالي مع روسيا لتعزيز سلام وامن الاسلحة النووية وكيفية التخلص منها. وينبغي على الولايات المتحدة وحلفائها الاوروبيين واليابان مضاعفة دعمها المالي لتعزيز برامج خفض التهديدات المتسعة بهدف خفض فرص احتمال وصول الاسلحة الكيماوية والجرثومية والنووية الى ايدي منظمات ارهابية او الدول التي ترعى الارهاب. وعلى الرغم من ان زعامة بوتين لاتزال قلقة من جراء الدفاعات الصاروخية الاميركية فإن سياسة الدفاع الصاروخي الاميركية في ذاتها لا يرجح انها ستشكل عائقاً في وجه التعاون ضد الارهاب. وقد فهمت حكومة بوتين منذ امد بعيد ان لروسيا رافعة ضعيفة على هذا القرار. وتهضم الاستراتيجية الروسية بدعوة الولايات المتحدة على متابعة دفاعات محدودة في التعاون مع دول اخرى بما في ذلك روسيا واوروبا ايضاً والتحرك سريعاً للتوصل الى اتفاقية جديدة لخفض الاسلحة النووية الهجومية، مثل هذه السياسة يستبعد ان تتغير. وتسعى حكومة بوش الى انسحاب مشترك من المعاهدة وليس للروس هنا سوى رافعة محدودة هنا. وستضغط الحكومة الروسية باتجاه القيام باتخاذ قرارات مشتركة حول الاسلحة الدفاعية والهجومية وستسعى لربطها بأقرب رباط وثيق ممكن والهدف من هذه السياسة هو ترسيخ الحقائق السياسية الجديدة في اعقاب هجمات 11 سبتمبر. وفي كل الاحوال فإن الغرض النهائي للتعاون بشأن مكافحة الارهاب في ابعد معانيه هو اللعب بورقة القلق بشأن الصواريخ الدفاعية. وببساطة فإن الجغرافية السياسية لاوراسيا (اوروبا ـ اسيا) والاستقرار الاوراسي وتحديات الارهاب هي ببساطة اولوية ارفع وأهم من السعي لمنع الولايات المتحدة من اطلاق يدها لتطوير الصواريخ المضادة للصواريخ التي من غير المرجح ان تتحقق لبعض الوقت. ان اجندة ما بعد الارهاب الخاصة بالعلاقات الاميركية ـ الروسية تبشر باحتمال قيام تحالف استراتيجي جوهري. ولكن التنافس والشكوك ستستمر بالتأكيد غير ان الملامح المستقبلية للميدان الراهن، يعكس الآن اعظم الآمال بقيام تعاون حقيقي وتنسيق في المدى القريب ان التحديات الارهابية الملحة وتصعيد اهمية التحالف تحمل معها آفاقا بعيدة لحدوث تحولات جوهرية في العلاقات. آفاق المستقبل في الرابع من اكتوبر 2001 ذكرت صحيفة «الواشنطن بوست» انه في الساعات العصيبة الاولى التي تمخضت عن هجمات 11 سبتمبر كان الرئيس بوتين هو اول رئيس دولة اجنبية يتحدث الى الرئيس جورج بوش الذي وضع القوات المسلحة الاميركية في اعلى حالات التأهب، وأراد بوتين ان يبلغ بوش ان القوات الروسية امرت ان تكون في وضع طبيعي، حتى يمكن تجنب مضاعفة التوتر. ونقلت «البوست» لاحقاً ان بوش تذكر انها «كانت لحظة حيث قيل لي ان الرئيس بوتين متأكد من ان الحرب الباردة وضعت اوزارها». واقتنصت مشاعر بوش في تلك اللحظات احساساً بالامل في انه لم تنته مرحلة من العلاقات الروسية الاميركية بل ان حقبة جديدة قد بدأت. ولايزال من المبكر معرفة ما اذا كان اطار جديد من العلاقات الثنائية سيثمر، ومن الجدير بالتذكر ان آمال صناع القرار السياسي في منتصف التسعينيات لم تطابق مطلقاً حقائق التعاون العسكري. وحتى عندما كان كل من بوتين وبوش يطلقان تصريحات تطمينية تدعم الجهود المشتركة لمقاومة الارهاب، خلال الاحاديث اليومية التي يظهران خلالها انطباعاتهم المطمئنة فإن كلتا القيادتين العسكريتين يرجح ان تحجم عن اظهار الحماس تجاه مقترحات الطرف الاخر كما كان الحال في الماضي القريب جداً. ومن المهم جداً ملاحظة الاختلافات القوية بين البلدين حول قضايا جوهرية ازاء من هو الارهابي وكيف يمكن مكافحة مثل هذا العدو. وبصرف النظر عن انتهاء الحرب الباردة فإنه من الواضح ان حرباً جديدة قد بدأت وفي هذه المرة تتفق روسيا والولايات المتحدة، على الرغم من عدم التأكد من تسمية الوضع الجديد، على انهما يقفان في جانب واحد.