في نوبة صراحة أجبرتها عليهم بسالة المقاومة الفلسطينية تعالت نبرة اليأس في كتابات خبراء السياسة وعلم الاجتماع في إسرائيل ومن الأمثلة الفاضحة في هذا الإطار ما كتبه محلل «يديعوت احرونوت» سيفر بلوتسكر الذي قال: مرة أخرى تقع عملية في قلب البلاد، هي الثالثة خلال هذا الشهر. وبإستثناء فترة توقف قصيرة، تراوحت بين أربعة إلى خمسة أسابيع، في خضم عملية «السور الواقي»، لم تتوقف حرب (المخربين الانتحاريين) ضد إسرائيل ولو للحظة. فقد إرتفعت وانخفضت موجة العمليات، بشكل يتلاءم بالأساس مع مدى نجاح الجهاز الأمني بالكشف عنها ومنعها. كما أن الاعتبارات التكتيكية للسلطة الفلسطينية وللقادة الكبار في تنظيمات (الارهاب) الاسلامية، لعبت دوراً هامشياً، في ضبط وتيرة العمليات. لقد إستغلوا فترات التوقف من أجل إعادة تنظيم صفوفهم وتحديد أهداف العمليات الجديدة، ولم يشعروا بنقص في وقود المدافع لديهم:فقد أبدى مئات الشبان والشابات الفلسطينيين إستعدادهم للقيام، بعد فترة تدريب قصيرة، بالانتحار بين جموع المواطنين الإسرائيليين. عملياً هناك طابور طويل من المتطوعين المشبعين برسالة تنفيذ (الجرائم ضد البشرية). بل ان الشارع الاسلامي، المنفعل لأقصى درجة، يمنحهم مباركته. ويسترسل المحلل نفسه معترفا بفشل سياسات إسرائيل في كسر الإرادة الفلسطينية قائلا: حتى عملية «السورالواقي»، التي تعتبر من ناحية عسكرية واستراتيجية وبكل مصداقية، إنجازاً مثيراً، لم تغير هذه الصورة القاسية. فمقتل مئات الفلسطينيين وزج ألف معتقل في السجون الإسرائيلية وتدمير آلاف المباني في مخيمات اللاجئين، وضبط ما لا يحصى من الأسلحة والمواد الناسفة، لم تصب المقدرات التنفيذية للمبادرين إلى (الارهاب) ومنفذيه إلا لفترة قصيرة ومحدودة. ولم يكن بمقدور العملية العسكرية إضعاف الدوافع الدينية - القومية لمنفذي العمليات ولا إطفاء نيران الكراهية المشتعلة في قلوبهم، بل قد تكون ساهمت بتقويتها. من المتعارف عليه الادعاء أنه لا يمكن للحل العسكري وضع حد للارهاب الانتحاري، لأن من يتوق إلى الانتحار لن يتأثر من خطر الموت في معركة مع الجنود. لكن تاريخ عمليات المقاومة يعلمنا درساً معاكسا، فلقد تم إيقاف حملات العمليات القاتلة وقمع التنظيمات الارهابية بالقوة فقط، ومن خلال العمليات العسكرية الحثيثة والناجعة والمتواصلة والمركزة. ولذلك فإن الحسم العسكري يعتبر شرطاً ضرورياً لاجتثاث الارهاب، لكن ذلك لا يكفي، إذ يجب أن تتوفر الشروط الأخرى، وهي فتح آفاق سياسية واقتصادية تجعل الجمهور الذي يتم تجنيد الارهابين من بين صفوفه، يتحرر منهم، وتجعل الرأي العام الدولي يشجبهم بشكل حاد (دون تحفظ) وتجعل القيادة السياسية الفلسطينية ترفض الارهاب بشكل مطلق. في غياب هذه الشروط - وهي ليست قائمة الآن بتاتاً - يصبح الكبح المؤقت للعمليات والجهود المبذولة مسبقاً لاحباطها، هو أقصى ما يمكن تحقيقه. أكثر ما يفاجئ في الوضع الحالي، هو مدى عدم وجود أي أمر مفاجئ فيه. خلافا للأيام الماضية، التي آمنا فيها بشكل متكامل، بقوة أيادينا، وبمقدرتنا على استخدامها لفرض الوقائع وإبعاد المخاطر، آمنت قلة قليلة حقاً، بأنه سيكون بمقدور حملة «السور الواقي» تغيير الواقع جوهريًا. لقد كان من الواضح للجميع أنه سيتم إعادة «ترميم البنى التحتية للارهاب» وأن «عرفات لن يغير قراره الاستراتيجي»، وباختصار، ان الارهاب سيرجع رغم كل شعارات القيادتين السياسية والأمنية. وعلى هذه الشاكلة، أيضًا، من إدارة الظهر، يتم التعامل مع التصعيد اليومي للأوضاع. الأمر المهم في العملية التي استهدفت مركزاً كبيراً للغاز في إسرائيل (التي لم يتم «منعها»، وإنما انتهت دون وقوع ضحايا بفضل الحظ، وليس بفضل الذكاء) لم يكمن في هدفها أو نتائجها، وإنما في من وقف خلفها. فمن خلال تقصي آثار الحاوية والسائق واختيار طريقة العمل، تم تجسيد الحقيقة الاستخباراتية المسبقة، والمبدأ البشع الذي حدده المختطفون في الحادي عشر من سبتمبر 2001، وهو:أنه يمكن، عبر استخدام وسائل بسيطة ومن خلال استخدام البنى التحتية المدنية ذاتها، تنفيذ عملية كبيرة. لا أحد يعارض، تقريباً، الخطوة القادمة، الشفافية:بما أن الجانب الثاني لا يستطيع ولا يريد وقف الارهاب (وقد ضمنت بعض عمليات الجيش الاسرائيلي في حملة «السور الواقي» أن لا يستطيع أحد أو أن لا يرغب عمل ذلك)، وبما أن الجهاز يسرب لنا مقولة «أن العمليات لن تخرج من الأماكن التي نتواجد فيها»، فان ذلك يعني اقتراب اليوم الذي سنتوصل فيه إلى الاستنتاج غير المستبعد، وهو أنه يتحتم علينا التواجد في كل مكان، وفي كل زمان. إن إعادة احتلال المناطق الفلسطينية هو مسألة وقت ومسألة عدد القتلى الذي سيكون كافياً لجعل الحكومة تنفذ العملية. وليس مفاجئاً أن هناك من يطالبها بتوفير سقوط الضحايا، والخروج فوراً لتنفيذ عملية «السور الواقي» الثانية والثالثة والرابعة، حتى استكمال عملية الاحتلال.وبشكل مواز يقول خبير علم الاجتماع الإسرائيلي عوفير شيلح في مقال له نشر بشبكة الانترنت هذا الأسبوع:نتعامل مع النتائج الأخرى لـ «روتين العمليات»، كما لو انها ضربة منزلة من السماء:وهذا ينعكس في الوضع الاقتصادي الذي يتزايد خطورة، بين يوم وآخر، والتوتر اليومي الذي يجعل المدنيين والجنود يستلون سلاحهم ويوجهونه نحو كل ما يتحرك. الاحتقان دفع وزير الخارجية الإسرائيلي السابق شلومو بن عامي يقر بعدم منطقية ضغوط الحكومة الإسرائيلية على عرفات وإن كان في الوقت نفسه اقترح فرض انتداب على فلسطين فقال:المطلب الاسرائيلي بإجراء إصلاحات ديمقراطية في السطة الفلسطينية هو مطلب شرعي وصحيح. ورد عرفات على هذا المطلب بأنه لا يمكن إجراء انتخابات حرة «طالما ان الاحتلال مستمر»، صحيح بنفس الدرجة، وهو يبدو طبيعيا في الرأي العام الدولي. وما بدأ كضغوط تمارس على عرفات، سرعان ما سيتحول إلى ضغوط تمارس علينا لإنهاء الاحتلال حتى يتسنى القيام بالاصلاحات.ولكن جهاز الحكم الفلسطيني لن يكون قادرا على إصلاح ذاته. وسيكون كل «إصلاح» يتم تنفيذه مع بقاء عرفات قابضاً على مقود القيادة الفلسطينية، شكلياً فقط. والحل هو إنشاء سلطة إنتداب دولية على المناطق الفلسطينية، تساعدها في عملها قوة دولية ترافق السلطة الفلسطينية في طريقها نحو الاستقلال الديمقراطي والاستقرار الاقتصادي والترتيبات الامنية التي تتلاءم واحتياجات إسرائيل. وسيعمل هذا الانتداب لفترة إنتقالية محدودة. ويمكن إقامة إنتداب على غرار نموذج سلطة الانتداب التي عملت خلال عامين في تيمور الشرقية، وانهت عملها الان بنجاح. وفي إطار نظام كهذا فقط، يكون ممكنا وجديرا تنفيذ الفصل بين الاسرائيليين والفلسطينيين. إن الفصل أحادي الجانب، مع إخلاء جزء كبير من المستوطنات، ولكن دون ان يرافق ذلك أي تدخل دولي سيكون مغامرة محفوفة المخاطر تمزق الشعب دون أن تقدم المردود الوحيد الذي يستحق المجازفة بتمزق كهذا في صفوف الشعب - وهذا المردود هو تسوية سياسية وإنهاء النزاع. النضوج الدولي والعربي الراهن - المتمثل بالمبادرة السعودية- لتحقيق تسوية هو الان أكبر منه في أي وقت مضى. يجب على إسرائيل الا تفوت هذه الفرصة عبر إتخاذ خطوة إنفصال ستخلف وراءها الفوضى التي ستهدد أمننا. فمع القيام بخطوة الانفصال الاحادي الجانب، سيعلن الفلسطينيون، مدفوعين بمشاعر النصر الكبير على «غربلة» إسرائيل من الارض، وإقامة دولة فلسطينية. وسيتم الاعتراف بهذه الدولة فورا من قبل 160 دولة من مختلف أنحاء العالم، وستكون الدولة الفلسطينية وبصورة بديهية دولة مواجهة أخرى على الحدود الشرقية لاسرائيل. وستحظى أي حرب يشنها الفلسطينيون على خطوط الحدود غير الشرعية التي ستحددها اسرائيل بصورة احادية الجانب، بتأييد العالم العربي والمجتمع الدولي. ولن يكون ممكنا في الحالة هذه فرض أي قيود على الدولة الفلسطينية في مجالات التسلح، وخيارات ابرام إتفاقيات عسكرية مع جهات مثل العراق أو ايران أو حزب الله ولربما أيضا كوريا الشمالية. وسيكون مجال المناورة الاسرائيلية في مواجهة دولة المواجهة الفلسطينية أضيق بكثير من مجال المناورة الذي توفر لنا في مواجهة السلطة الفلسطينية الفوضوية خلال حملة «السور الواقي». فهل سيكون من المعقول أن نقتحم عاصمة دولة سيادية، كخطوة بديهية، ونفرض حصارا على مقر رئيسها المنتخب فيما يصطف معه في مقره 160 سفيرا اجنبيا؟ بل إن هجوما على دولة كهذه من شأنه ان يشكل مدخلا لحرب شاملة. عدا عن أن اي إنفصال أحادي الجانب يتم القيام به دون تنسيق مع المجتمع الدولي هو أمر خطير اصلا.